السبت، 26 فبراير، 2011

مقدمة بين يدي مقالات إصلاح النخبة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد ...

فلو لم يكن باعثٌ على إستنهاضِ همتِكَ – وأنت الشابُ الفتِيُّ
ومحفزٌ إلى علوِ إرادتِك – وأنت الفتىَ الذكِيُّ – إلا
قولَه صلى الله عليه وسلم ÷ ( وشابٌ نشأ في طاعةِ اللهِ) لكفاك عن
ما سواه وأغناكَ كي تنفضَ عن نفسِك العجزَ والكسلْ .. وتتحلى
بنبيلِ القيمِ والمُثلْ .. فتنعمَ بِمُطْلَقِ الأمانِ مع زمرةِ المتنعمينَ
بظلِ الرحمنِ في يومٍ تشيب لهوله الولدان ... فكيف الحالُ والشأنْ ،
إذا ما ارتحلت بين جنبات كتاب المنانْ ، لترى فِتْية ً شبابا ً
شمروا عن ساعدِ الجدِ فسبقوا بذلك إلى عالي المجد ، قد رفع اللهُ شأنهم وقدرهم وخلدَّ في الزمان ذكرهم ؟
حتماً ستقفُ مشدوهاً أن ترى فتيةَ الكهفِ آمنوا بربهم
فزادهم هدىً وربطَ على قلوبهم ، قد تركوا حياة القصور
التي ألفوها منذ صغرِهم وهانت ملذاتُ الدنيا في عيونِهم ، ولجأوا
إلى الكهف يفرون بدينهم ، والكهفُ – غير خافٍ عليك – غياباتهُ
مظنَّة لدغاتِ الحياتِ ولسعاتِ العقاربِ ، لكنَّ الإيمانَ
الذي امتلأت به القلوبُ ، قلوبُ شباب الكهف فاض على الألسنةِ
" .. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيأ لنا من أمرنا رشدا " فكـان
أن استحقوا ثناء ربهم : " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم
هدى " ....... وأنا متأكدٌ أنك ستَفْغَرُ فاكَ إذ
تشاهِدُ مذهولاً غلامَ الأخدود ، من نافذة على ذلك التاريخِ
السحيقِ فتحها لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحكي الوصفَ التفصيلي بأسلوبه صلى الله عليه وسلم المشوقِ لقصةِ ذلكم الفتى مع قومِه ....
شابٌ في مقتبلِ عُمُره أذل وحده رأس الكفر و الطغيانْ ، صبر بمفرده على ما لاقى من عذاب وهوانْ ، صمم على تحدي الظلمة اللئامْ ، واختار طواعية ً موت الكرامْ ، فكان أن صاح الناسُ :
" آمنا بالله رب الغلام " !
وأُراك الآن تتأمل بأنفاسٍ مبهورةٍ أسامةَ بن زيد ، وعبدَ الله
بن عمر ، وبنَ عباس ، وصهيبَ والمقدادَ ومعاذَ بن جبل وعشراتٍ
من صحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم رعيلِ الأمةِ الأول.. شبابا ً كانوا ، لكن وأيُ شباب ... ملأوا الأرضَ عدلا وقسطا ، بعدما غصَّتْ قبلهم ظلماً وجورا ، سادوا المشارقَ والمغاربَ ، وصعدوا الجبالَ ونزلوا الوديانْ ، في سبيل الواحد الديانْ ،
وهم في ذلك كله لم تعرفْ نفوسهم العجبَ يوماً ولا عرفت
الدعَّةُ إلى قلوبهم طريقا ً ...
أُوَّاه .. حديثٌ ذو شجون ، لكن لشدَّ ما نحتاج إلى
تذكرةٍ به لاسيما في هذا التوقيت الحرج من عُمُر الأمة .. أمةُ الإسلام.
هِيه .. والله أستشعر الفخار يملأ الآن عروقي أن أسطر اسمَها ،
صدري يعلو ويهبط تذكري أني وأنت من أبنائِها .. من أبناء
الأمة التي ما خُلِقَت إلا لتسودَ ، ما عرفتها البشريةُ – إِبَّان فتوتها
وسؤددها – إلا في الطليعةِ ، في المقدمةِ ... " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر .. " وسامٌ زين صدرها ...
وسام لايزال موجوداً لكنه فقط يحتاج إزالةَ الغبارِ الذي علاه ...
شيئٌ من الصبر والبذل ، ويتحولُ الصدأُ الذي زحف على الوسام
نوراً يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار .
اقول لك " توقيتٌ حرجٌ " لإن الزمان قد آن له أن يستديرَ
كهيئتهِ الأولى يوم بدلَ الله باُمتنا وجه الأرض ، وعكفَ من ساعتِها
تاريخُ الدنيا يسجل مفرداتِ حضارتِنا الإسلامية ، مضربِ الأمثال
وهادية الضلالِ ، في وقتٍ كانت أوروبا وما والاها تغرقُ حتى
الآذان في شهواتٍ حيوانيةٍ رخيصةٍ ، يمزِقُ بعضُهم بعضاً لأتفهِ
الأسبابِ ولا يعرفُ كبيرُهم فضلاً عن فتيانهم قلما ً ولا كتاب....
قد استدار الزمانُ أخي أو كاد ، لتعودَ لنا الريادةُ وتدور على البغاةِ
الدوائر ..... قد استدار الزمانُ ليفسح المجالَ للعملاقِ الإسلامي
أن ينفضَ عنه النومَ الطويلَ ، ويعودُ أدراجَه لقيادةِ الدنيا إلى
بركاتٍ تُفتحُ عليها من فَوقها ومن تحتِ أَرجلِها ....
صحوةٌ إسلامية مشرقة ٌ قد ملأَ روادُها السهلَ والجبلَ ، قِواَمُها
شبابٌ من أَتْرَابِكَ ، آلمَهُم - كما لاشك قد آلَمكَ – حالُ أمتِهم ،
وغصَّ حلوقَهم ضياعُ بني ملتهم .
دورُك وسطْهم لازالَ شاغِراً يناديك ، شاباً متنسكاً بالكتاب
والسنَّةْ ، قدماك في الدنيا وهمتك في الجنَّةْ ،
  .. مسلمٌ أنت أعظِم بها من مِنَّة !
دورُكَ ينتَظِرُكَ ، فأنت مَن سيقضَي نهارَه عاكفاً على العلم النافع ،
علما ً شرعيا ً تفهم به عن الله مراده ويصيبك من الخيرية سهمُ "
من يردِ اللهُ به خيراً يفقهه في الدين " ، وآخر دنيويا نافعاً
طبا ً كان ، هندسة ً ، أو صيدلة ً لا تعدُ عيناك في أيٍ منها عن
ما تنفعُ به أمتكْ ، طاعة ً لربك وخالقِكْ ..... ثم أنت
مَنْ بعدَ ذلك سيقفُ بين يدي ربه إذا ما الليلُ أرخى سدولَه
مرتجفا ً كعصفورٍ مبللٍ بالماء تتلو خاشعا ً آياتٍ قد حفظتها
عن ظهرِ قلب ، تترنم بالدعاءِ  أنْ يُزيلَ اللهُ عنكَ الكربْ ، وأن
يسبغَ عليك من فضله إنارةً للدربْ ... أنتَ إذن على هدى الأوائل
" ليوثٌ بالنهار رهبان بالليل "
بالتأكيدِ أنتَ ... أنتَ من سيقولُ لقومه ÷ " استجيبوا لربكم
من قبل أن يأتي يومٌ لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما
لكم من نكير " أنت من سيصرخ فيهم مشفقا ً عليهم وراحما ً حالهم
÷ " يا قومنا أجيبوا داعي الله " ... أنت من سيصلحُ في الأرض
بعد فسادِها ليكون من الناجين الفارّين من عذابٍ لا يُبقي ولا يَذر ÷ " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلَها مصلحون "
من غيرُكَ سيستمسكُ بالكتاب ويقيمُ الصلاةَ ويأمرُ بالمعروف
وينَهِ عن المنكر ؟ " والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة
إنا لا نضيع أجر المصلحين " ... لا أُراه إلا أنت ، فمن سيكون
أحسن قولا ً وأنت تدعو إلى الله ، وتعمل صالحا ً في خاصة نفسك
وتدق على صدرك " أنا من المسلمين "  ؟
اَتَحركَ فؤادُك ؟.. اضطربتْ نبضاتُ قلبِك ؟ .. ألمحُ اختلاجةً
شفتيك ... واضحةٌ ارتعاشةُ بدنِك ... نعم والله
أنتَ أنتَ .....
ولكنَّ هذا الشرف يحتاج إلى ضريبة ، فإن ( سلعةَ الله غالية) ،
فما يكون لك أن تنضم إلى نخبة المصلحين في الأرض ، أولئك
الذين أشرنا إليهم ورغبناك في اللحاق بركابهم  ، إلا بعد
توافر شروط الصلاح فيك أولاً ليكون الإحسانُ عنواناً لكل حركةٍ
وسكنةٍ تبدر منك ، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
ألم ترَ إلى يوسفَ كيف كان الإحسانُ – والذي هو مرادف الصلاح- ملازما ً له في كل مراحل حياته ؟ ، شهد له بذلك صاحبا السجن " نبأنا بتأويله إنا نراك من المحسنين " ، وأكد على نفس الوصف إخوتُه رغم عدم معرفتهم به أولَ الأمر ÷ " فخذ احدنا
مكانه إنا نراك من المحسنين " ومن قبل كل هؤلاء كانت تزكيةُ
الله تبارك وتعالى له ÷ " ولما بلغ أشده آتيناه حكما ً وعلما ً
وكذلك نجزي المحسنين " لذا فلم يكن عجبا ً أن يكمنه في الأرض
لينشر رسالة الإصلاح : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأُ منها حيث يشاء ، نصيبُ برحمتنا من نشاءُ ولا نضيع أجر المحسنين "
الإحسانُ هو ما تحتاجُ أن تُتْقِنَه الاّن ،   لإن الله " يأمرُ بالعدل
والإحسان " وهو قد كتب الإحسان على كل شيئ " ، فحتى لو صغر الأمر إلى مثل ذبح شاة ، تجده صلى الله عليه وسلم ينبه على معاني الإحسان المتعلقة بذبحها " وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ولِيُحِدَّ أحدُكم شفْرَته وليُرِح ذبيحته "  تنبيها ً على الإحسان فيما هو أعلى من ذلك قدراً وأهمية .
لكيَّ نخطوَ أنا وأنت إذن أولى خطواتنا نحتاج اتقانا ً لمذهب الإصلاح وبراعة ً في صِنعةِ الإحسان ، فلأجلِ ذلك قدمنا بين يدي جمهرةٍ من المقالات تأتي تباعاً بإذن الله ، موسومة ً بــ
" إصلاح النخبة "
ليكون ماثلاً بين عينيك دائماً معنى الإصلاح سلوكاً واعتقاداً وعملاً
سنحاول بها رسم الطريق ، تذليل العوائق ، ردُّ الشبهات وتقوية
العزائم ... سنسمع منك وتسمع منا ... سنتحاور ونتناقش ...
هدفنا في النهاية إصلاح النخبة ... نخبةٌ تتألف من شبابٍ
سيصدق ما عاهدَّ الله عليه من الثبات على شرعه ، والدعوة إلى سبيله ....
نخبةٌ ستتحول تدريجياً إلى تحقيق أمل أمتها في إصلاحٍ شامل على غرار الذي قاده يوماً رسول الله صلى الله عيله وسلم وصحبه الكرام...
نخبةُ الإصلاح .

                           فرغ من كتابته / نادر بكار

                          بين المغرب والعشاء من يوم الجمعة
                          السابع عشر من صفر عام 1432