الأحد، 27 نوفمبر، 2011

عقلية القهر

نزول أبناء حزب النور إلي ميدان التحرير إبان الأسبوع المنصرم كان حتمياً لأسباب ٍ متعددة ، يأتي علي رأسها أن الوضع في ميدان التحرير تحول إلي ما يشبه مذبحةً مصغرة ً نكلت فيها أجهزة الأمن بشباب ٍ في عمر الزهور قتلا ًوسحلا ًوتعذيباً ، بل وحتي الفتيات لم يسلمن من البطش والتنكيل ، وكل ذلك لأن أجهزة الأمن مازالت مصرة ً علي التحلي بروح ( إنا فوقهم قاهرون) بكل حذافيرها ....عقول وضمائرُ رجال الشرطة مازالت ممتلأة ًكبرا ًوتعاليا ً، إذ تظن نفسها قادرةً بنفس أسلوبها القديم علي قمع كل من تسول له نفسه مخالفة أمرها بمنتهي الوحشية ،ويجب ساعتها علي الناس أن تقف صامتة ًلا تحرك ساكنا ً، وإلا فقل لي بربك كيف يمكن أن نفسر مقتل أربعين شابا ً وإصابة الآلاف أغلبهم بعاهات ٍمستديمة في غضون أربعة أيامٍ فحسب من جراء فض اعتصام ميدان التحرير إلا بأن نفسية وعقلية القهر مازالت هي التي تدير الأمور في أجهزة الأمن؟
كان لزاما ًعلينا إذن النزول إلي ميدان التحرير ونحن نري الظلم يكشر عن أنيابه ليفترس أبناء جلدتنا بغير ذنب ٍ اقترفته أياديهم اللهم إلا التعبير عن آرائهم التي لا تروق كثيرا ًلمتخذي القرار ، كان لزاماً علينا أن نلقي وراء ظهورنا أوهام الخوف التي استبدت بنفوس البعض وصورت لها أن السلامة أولي وأن الأمر ما يلبث أن ينجلي وتعود الأمور إلي سابق عهدها ....و للأسف الشديد ما تزال طائفة ٌ من الناس كثير ٌ عددها لم تستوعب بعد أن الدور سيأتي عليها حتما ً لامحالة ليفترسها الظالم بغير رحمة إن لم تقف الآن في صف المظلوم أياً كان انتماؤه ووجهته ، لم تستوعب أن الظلم لا يتجزأ بل يمتد ليشمل الجميع طالما لم يزأر في وجه الظالم أحد ، بل إنها حتي لم تستوعب أن أفضل الجهاد كلمة حق ٍ عند سلطان ٍجائر فبخلت بتوجيه نقدٍ صريح ل(لمجلس العسكري) توبخه فيها علي صمته المريب ودماء الأبرياء تهراق أنهاراً ، وحجة هذه الطائفة المحافظة علي استقرار البلاد وحمايتها من الوقوع في دوامات الفوضي.
نعم ..أتفهم أن أبناء التيار الإسلامي تحديداً معرَّضون أكثر من غيرهم لتحمل تبعات أي أزمة قد تندلع في البلاد ، لذا ينبغي عليهم توخي الحرص والحذر قبل الإقدام أو الإحجام ، لكن الذي أتعجب له حقيقة ً أن يتحول الحذر إلي جبن ٍوتخاذلٍ نسوغ لأنفسنا التلبس بهما ونحن نزعم أن هذا هو الأفضل لمصلحة باقي أبناء الوطن ، ولسان حالنا يردد : فليذهب المعتصمون في التحرير إلي الجحيم لو اقتضي الأمر لنحافظ علي أمةٍ بأسرها....فهمٌ مغلوط عارٌ علينا ان نلتزم به ، لا أقول أن ثورة يناير تكذبه ، بل الشواهد من حولنا كلها تطعن في مصداقيته ، لأن من يجسر علي الفتك بالضعفاء في ميدان التحرير – حتي لو سلمنا أنهم من وجهة نظرنا مخطأون باعتصامهم- من الذي سيحول بينه وبين الفتك بكل أبناء التيار الإسلامي بعد ذلك بنفس فعقلية ( إنا فوقهم قاهرون) ؟ أكره أن استعمل مثالا ًبلي من كثرة تكراره ، لكني لا أجد شاهداً علي ما أقول غير ( أ ُكلت يوم أ ُكل الثور الأبيض)!
ثم إن التيار الإسلامي بكل أطيافه لا بد وأن يتخلص من حالة الإنفصال النفسي التي اختارها بينه وبين باقي أبناء شعبه وإلا فإن ميدان التحرير قد امتلأ عن آخره بأطياف ٍ شتي من الشباب أنا علي يقين أنها لا تعبر عن هوية أو تفكير الغالبية العظمي من شعب مصر ، فكيف تترك لهم ساحة التحريريصورون للدنيا بأسرها أنهم وحدهم القادرون فيها علي النضال ومن ثم إذا ما تكلموا لا بد أن يُسمع لقولهم دون غيرهم ؟

المندوب السامي!

انتابني شعور غريب بأنه لن يكون ثمة َكبير فارق ٍ من حيث المبدأ بين طرح وثيقة (السلمي ) في حقبة ما بعد الثورة ، وبين نفس الوثيقة لو كان قرأها علينا (المندوب السامي) إبان فترة رزوح مصر تحت الوصاية البريطانية ، ففي الحالتين كلتيهما لا يطلب منا إلا أن نسمع ونطيع بغير مناقشة ، وإلا فالدبابات البريطانية ستحاصر قصر الملك في حالة ( المندوب السامي ) ، ولا ندري بعد ما الذي ينتظرنا من الويل و الثبور وعظائم الأمور في حالة ( السلمي)!
لذا فأنا أجزم أن أن عقلية (المندوب السامي )البريطاني كانت مسيطرة ًبشدة علي نفس وفكر من خط بيمينه وثيقة (السلمي) التي اصطُلِح شعبيا ًعلي تسميتها ب(وثيقة العار)، في محاولة يائسة لإستحضار روح (ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) الفرعونية العتيدة ، التي تأنف أن يشارك الرعية في صنع القرار أو إبداء الرأي.
ولأن النخبة التي أتحفتنا بالوثيقة ما آنست بعد من الشعب المصري رشداً ، ولأنها تعتبره غير قادر علي تحيد مصيره بنفسه، لذا تبذل الآن وسعها في إقناع الشعب المصري أنه حيران استهواه الإسلاميون وضللوه، ووحدها النخبة الليبرالية المزعومة هي التي تدعوه إلي الهدي ائتنا .
فإذا ما تجشمت العناء ياسيدي الفاضل واستعنت بالله وبدأت في مطالعة بنود الوثيقة كي لا تتهمك النخبة بانك ظلامي هلامي انهدامي...إلي آخر ما هنالك ، لتقلصت أمعاؤك من فورها ، وأنت تستعرض ستة مواد كاملة تحذرك أن تفكر مجرد التفكير في تعديل أو مناقشة ،أو- لا سمح الله - المطالبة بعد ذلك بإلغاء هذه الوثيقة المقدسة ، لا أنت و لا أحفادك ..أطال الله في عمرك!
ثم تُفجع بموادٍ تصنع من المجلس العسكري إلها ً فوق المحاسبة ،إذا قضي أمرا ًفينبغي علي الجميع السمع و الطاعة بغير مناقشة ٍ أو تفكير.
تعلمُ كم دأب الليبراليون علي إمطارنا صباح مساء بكلمات الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان - وهم يعلمون قبل غيرهم أن الإسلام احتوي كل ذلك وزاد عليه – فتُبهت أن وثيقة السلمي ناضحة ٌ بكل ما يخالف الحرية و الديمقراطية التي صدعوا بها رؤوسنا مخالفة ًصارخة ، بل تشبعها قتلا ً، ثم يملأون الدنيا بعد ذلك ضجيجا ً يحكون للناس كيف أن الإسلاميين لا يريدون التفاوض ولا يفهمون لغة الحوار!
ولكي تصبح المسألة أكثر إقناعا ًلرجل الشارع البسيط المغلوب علي أمره ،كان ينبغي أن تعترض بعض الأحزاب و التيارات علي مواد تقديس المجلس العسكري ، وبعد طول إلحاح في وسائل الإعلام يرضي (المندوب السامي) ...آ .. آسف أقصد د .السلمي بالنزول علي رغبة الجماهير ، طبعا ً من منطلق أن من تواضع لله رفعه ، وأن الإعتراف بالحق فضيلة ، ومن ثم تختفي المادة المثيرة للجدل التي عُلم ابتداء ًأنها ستغير، ليتبقي أمام الناس أن الإسلاميين ليس لديهم مبرر هذه المرة ولابد أن يقبلوا بالبنود المعدلة أذلة ًوهم صاغرون!
خبث ٌ أري استحالة أن يكون صناعة ًمصرية ًخالصة ً!! ربما التعبئة و التجميع وقطع الغيار ...إنما ثمة توليفة شيطانية من الخبث بالنكهة الأوروبية والمذاق الأمريكي الفريد تطغي علي الوثيقة من قمة رأسها وحتي أخمص قدميها.
لكن المكر السيئ لا يحيق في النهاية إلا بأهله ، وعلي الباغي تدور الدوائر، و توفيق الله سبحانه مع ضبط النفس وحساب الخطوات سيكون عاملا ًحاسما ًبلا شك في نهاية المطاف .

هل سنكتب التاريخ ؟ (3-3)

هو ذا إذن يا رسول الله – صلي الله عليه وسلم- حديثك يتحقق بحذافيره .. فوعد ربك أن لا يستأصل شأفة أمتك عدوٌ من خارجها قد تحقق ولا يزال ، أما أن يكون بأس أبنائها بعضهم علي بعض شديد الضراوة ، فقد حدث للأسف تماما ًكما حذرت.
ولعمر الله لم تنجح خطة ( فرق تسد) مع أحدٍ من العالمين كما نجحت كلما جربت ضد المسلمين علي اختلاف العصور، فدائما ما يجد التربة خصبة ممهدة أيُ شيطان ٍ يريد التحريش بيننا ، دائما ًما نساعده علي النيل منا ببراعةٍ لا يبارينا فيها أحد ، رغم أننا نحفظ جيداً ( واعتصموا بحبل الله جميعا ًولا تفرقوا).
لذا كانت عبقرية الرجال أصلٌ أصيل في كتابة التاريخ.... وعبقرية الرجال تتجلي حينما يسمو الرجال فوق أهوائهم ويرتفع صوت العقل في أعماقهم، ويبذل كل واحدٍ منهم وسعه ، ويلين في أيدي إخوانه ويتغافل عن زلاتهم ويقيل عثراتهم ، فساعتها حدث عن النصر و الفتح القريب، أما بغير ذلك ...فلا تضيع وقتك فستذهب اللحظة النادرة و لا شك.
عن الرجال العباقرة إذن نبحث ، عن الرجال القادرين علي وضع أهوائهم ورغباتهم تحت النعال لو اقتضي الأمر في سبيل هدفهم الأسمي الذي لأجله استعملهم ربهم ، رجال لو كان مجد أمتهم في الثريا ...في أعلي عليين ..لنالته أياديهم.
رجالٌ من عينة نبي الله شعيب ، إذ يحذر قومه مشفقا ًناصحا ًأمينا ً: (يا قومي لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ أو قوم هود ٍأو قوم صالح) فلا يريد أن تكون عداوة قومه له سبباً في صدهم عن الهدي الذي وُكل بإبلاغه ، ورغم أنهم قد أجرموا في حق نبي ٍبعداوته علي هذا النحوإلا أن تركيزه لم يزل معلقا ًبدعوتهم فأي تجردٍ هذا؟
رجال ٌمن معدن خالد بن الوليد إذ يكتب التاريخ و العالم من حوله مشدوه كيف تهرول أمامه جحافل الجيش الروماني تلعق جراحها والدنيا تنتظر أن يكلل جبين خالد القائد المظفر بأكاليل الغار إذا بأمر القيادة العليا ينزل علي النفوس كالصاعقة بعزل خالد...فيضرب رضي الله عنه المثل باستمراره في كتابة التاريخ من ساقة الجيش وينزل لأبي عبيدة بن الجراح بطيب خاطر عن الإمرة و القيادة.
الأمثلة كثيرة ...ولكني أخشي أن يكون تسويد الصفحات بأمثلة عبقرية من تاريخ ناصع البياض هو كل ما نجيده، في وقتٍ ماعادت لتشفع لنا فيه مصمصة الشفاه وحرارة الزفرات ونحن مطالبون للمرة الأولي منذ قرون أن نثبت عبقرية ًمماثلة يفترض أن نكون قد استوعبناها جيدا صمن طول قراءة ٍللسنن الشرعية و الكونية وكنا فقط ننتظر بفارغ الصبر وقت ترجمتها علي أرض الواقع مواقفا ًوأفعالا ً.
لن يغفر لنا أحدٌ أن إرهاصات التمكين كانت نواصيها بيدنا ثم تركناها تنسل من بين أصابعنا بمنتهي السهولة...... وقطعا ًلن تبكِ علينا السماء و الأرض بعد أن نولي عن الدنيا وقد فرطنا في اللحظة التي يبدأ المسلمون فيها مرحلة ًجديدة من رحلة استعادة التمكين الضائع... اللحظة النادرة التي لا تكرر في عمر التاريخ كثيرا...لحظة كتابة التاريخ...فهل سنكتب التاريخ؟

هل سنكتب التاريخ ؟ (2-3)

أقول أن الأفغان كانوا علي موعد ٍمع كتابة التاريخ ... يوم أن دُحر السوفييت في جبال قندهاروأودية كابل و مزقوا كل ممزق ، وانتظرالجميع أن ينتقل المجاهدون إلي ساحات جهادٍ من نوع ٍجديد لتطبيق الشريعة الإسلامية وانتشال البلاد من الحالة المزرية التي كانت عليها ، فإذا بالأشقاء يتصارعون فيما بينهم صراعا ًأشد ضراوة ، تضيع معه اللحظة النادرة....... وإن تعجب فعجب ٌأن خانت الرجال َعقولهم أحوج ماكانوا إليها.
فرغم البطولات المبهرة التي سطرها الأفغان طيلة عقد ٍ كامل في حربٍ غير متكافئة ، ورغم الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب آنئذٍ ، ورغم وقوف أغلب المسلمين في ذات خندق أبناء كابل ، إلا أنه ومع لحظات الحرية الأولي ظهر اختلاف الأراء وتنوع الأهواء ، وظهرت الدنيا ممثلة ً في أي الفرق أحق ببسط النفوذ والسلطان ، فتنافس الأفغان الدنيا كما فعل من كان قبلهم فأهلكتهم في أوديتها كما أهلكتهم ، ونزفت أفغانستان كما لم تنزف من قبل و قد تفطر قلبها لوعة ًعلي أبنائها ، ونسي الأشقاء وقتها أو تناسوا (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) فذهبت ريحهم كل مذهب ، ووهنت قوتهم إلي حد أن سال لعاب الذئاب حولهم من جديد.
ومالي لا أتذكر هذه الفاجعة التي لانزال نعاني آثارها إلي يوم الناس هذا، ونحن في مصر علي أعتاب اللحظة الفارقة التي سنجلس فيها لكتابة التاريخ نسمع بين أبناء الفصيل الواحد فضلا ًعن فرق التيار الإسلامي الأخري نبرات الأثرة ورؤية النفس والحقد علي الأقران ترتفع رويدا ًرويدا ًحتي يصم طنينها الآذان.
هل عجز الكثيرون حقا ًعن قراءة الواقع الجديد ، ومااستوعبوا اللحظة النادرة ، ولا بدت لهم ارهاصات التمكين تلوح في أفق ٍقريب فوقفوا عن غير قصد ٍ حجر عثرة ٍ أمام كتابة أبناء الصحوة الإسلامية لتاريخ مصر الجديد ؟ أم أن خلو الساحة من جبارٍ طاغية قد سمح لعورات النفوس أن تعلن عن نفسها بغير مواربة ؟ هل لابد من طريقة (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر) فإذا لم نحز دورا ًفي المقدمة وقلب المشهد قلبنا المائدة علي رؤوس الجميع ؟ أم يكفي الإنسان إخلاص نية ، وعزم لا يلين ، وعمل دؤوب ، وانخراط ٌ في مجموعٍ كبير وإن كان مغمورًا لم يحز الشهرة ؟

أقول هذا لأن نتن رائحة الفتنة زكّم أنفي و دمعت له عيني ، صحيح ٌأني ما أبرئ منها نفسي ، لكن الأمر ليس أبدا ًبالسهل علي النفس ... ليس سهلا ًأن تري لحظة ًاشتاق لها المصريون قرونا ًوقد باتت قاب قوسين أو أدني من التحقق ولكنها مهددة أن تتحول إلي وهمٍ متبدد بين لحظة ٍوأخري.
وهمٌ يتبدد لأن فلانا ًيري نفسه أحق بالترشح من أخيه ، وعلانا ًينقم علي إخوانه أن همشوا دوره ولم ينزلوه المنزل اللائق به ، وآخرَ آثر أن يكون في وادٍ والدنيا بأسرها في واد ٍآخر، فقبع في برجه العاجي يأصل لبدعية العمل السياسي ، وفريقا ً يدق علي صدره ويرفع عقيرته ليملأ الدنيا ضجيجا ًبأنه هو الأقدم والأعلم و الأكثر خبرة ًبدروب السياسة ، وبإزائه فريق ٌأعجبته كثرته وقال لن نهزم اليوم عن قلة....وللحديث تتمة.

هل سنكتب التاريخ ؟ (1)

أن يكون لك في التاريخ لسان صدق ٍ وثناء ٌعطرٌ تتوارثه الأجيال كابرا ًعن كابر ، أمر ٌ ربما يعجز الكثيرون عن مجرد الحلم به فضلا ًعن السعي وراء تحقيقه ..........فكيف لو حدثتك عن أناسٍ يترك لهم التاريخ نفسه مهمة كتابة مادته و يسلم لهم ناصية مجرياته يوجهونها أني أرادوا؟
ففي لحظات ٍ نادرة قلما تتكرر ، يحدث أن تتجانس عبقرية الرجال مع توافق الظروف الزمانية و المكانية المناسبة ، مسبوقة ً بتوفيق الله سبحانه ،فيتحول مسار البشرية بأسرها .
ولكم انتظر عباقرة كثيرون أن تتضافر هذه الظروف لتسنح لهم فرصة تجديد شباب أمتهم وقيادة زمام أوطانهم ، لكن يشاء الله عز وجل لسعة علمه وبالغ حكمته أن لا يصلوا إلي مثلها وأن تُدخر هذه الفرصة لآخرين ،نبأهم في علم الغيب عنده.
ولمّا كان الله سبحانه إذا أراد شيئاً مهد له أسبابه ، ولربما أيدَّ دينه بالرجل الفاجر وبأقوامٍ لاخلاق لهم ،فلقد كان الطغيان الذي تصاعدت وتيرته في مصر طيلة العقود الماضية أحد الأسباب الممهدة للحظة التاريخية التي نشهدها الآن من حيث لا ندري أو نحتسب .
فحين حصحص الحق وانفجر الشعب المصري بثورته في وجوه الطغاة ،وصبّ جام غضبه علي طبقة حكمٍ ظالمة سامته صنوف العذاب ، ضاق ذرعاً بها وطفح كيله بفسادها غير المسبوق الذي زكّمت رائحته ، وُلدت اللحظة النادرة...... ولأن قدر مصر أن تكون دائما ً القلب النابض لعموم العالم الإسلامي مترامي الأطراف .... وقدرها أن يصد أبناؤها جحافل التتار وتتكسر علي صخورها أمواج الصليبين وتنتهي علي أرضها أحلام الصهاينة... وقدرها أن تكون الملهمة و الموجهة..... وقدرها أن يقوم المسلمون بقيامها و يقعدوا بكبوتها....لأجل هذا القدر ،جاءنا التاريخ مبهور الأنفاس يسلمنا قياده طوعا ً لنكتب فيه ما شاء الله أن نكتب .....
ولكن كتابة التاريخ تحتاج قلوبا ً سليمة وعقولاً واعية وسواعدا ًتعرف كيف تقبض علي المجد فلا تفلته ، لذا كان أبناء التيار الإسلامي علي اختلاف توجهاتهم علي رأس قائمة المرشحين ....وامتلأت المقاعد بالمتفرجين وحبس جمهور العالم أنفاسه وهم ما بين آملٍ في النجاح و مراهن ٍعلي الفشل ليرقب تجربة الإسلاميين تحديدا ً أيصدق أصحابها أم يكونوا من الكاذبين... فيالله.. أي مسؤولية نتحمل!
هل سيكتب أبناء التيار الإسلامي التاريخ حقا ً؟ فينبذوا خلافاتهم ويضعوا نصب أعينهم هدف إصلاح البلاد ونفض الغبار الذي علا ساحتها أم أن بأسنا سيكون بيننا شديدا ًفنتفرغ لصراعات ٍشيطانية و نترك بلادنا تغرق في دوامة فوضي لا آخر لها؟
ارتجف فرقا ً وأنا اجتر تاريخ التناحر الأفغاني بعدما خلت الساحة من الإحتلال السوفيتي البغيض و استبشر المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها خيرا ًوباتوا يحلمون بقرب بزوغ فجر الشريعة الإسلامية الصادق ولو علي جزء ٍيسير من أجزاء عالمهم ،فأفاق الجميع علي كابوس انقلاب الأشقاء أعداء ً،و علي رحي المعارك الداخلية الطاحنة التي دارت لتخرج بلدا ًمنهك القوي مشتت العزم مبعثر الأوراق...أحاول أن أطرد هذه الذكري المريرة عن رأسي فما تزيدني غير إلحاح.
لقد كان الأفغان يومهاعلي موعدٍ مع كتابة التاريخ لكن المعادلة أختلت رغم توافر الظروف المواتية ، للأسف لغياب عبقرية الرجال..ولهذا حديث ٌآخر

سداد امرأة !

طالما تأملت مبهور الأنفاس أنموذجين فريدين من النساء ،شاركن بفاعلية منقطعة النظير في ما عجز عنه أعتي الرجال من توجيه دفّة مجتمعاتهن إلي بر الأمان في أحلك المواقف وأكثر الفترات حرجا ًوخطورة.
الأولي علي الترتيب التاريخي وليست في الفضل والمكانة قطعا ً كانت (بلقيس) .......فإن المتأمل لحصافة عقلها وسداد رأيها ، وقد أعطت قومها الدرس البليغ يوم أن استهانوا بقوة نبي الله سليمان - علي عادة العسكر حين تلعب خمر السلطة برؤوسهم فيغتر الواحد منهم بقوته إلي أبعد حد- يعلم إلي أي حد ٍيصل تأثير دور المرأة في مجتمعها.
كيف أنها كانت أذكي الجميع و أنبههم و أبعدهم عن الإعتداد برأي باطل فجاءت معاملتها لنبي الله سليمان في نهاية ٍمن السياسة و الحكمة ، فبعد أن قرأت معطيات الواقع بمنتهي الدقة وساعدها اطلاعها علي سنن الكون من حولها، ومعرفتها الواسعة بتاريخ الأمم و الممالك علي الخروج بحكمة ٍبليغة جنبت قومها ويلاتِ حرب ٍما كانت لتبق من مملكتهم أو تذر فقالت ( إن الملوك إذا دخلوا قرية ًأفسدوها وجعلوا اعزة أهلها أذلة ) فسارت بحكمتها الركبان ، ذلك ان الله عز وجل أمن علي قولها ب( وكذلك يفعلون ) .
ثم لما نزلت ضيفة علي نبي الله سليمان من بعد ذلك ورأت من عظيم ملكه مع عبوديته لله عز وجل ما خلب لبها، آثرت منهج العقلاء بإعلانها الإسلام علي روؤس الأشهاد بغير إبطاء .
وأما الثانية فعن أم سلمة رضوان الله عليها أتحدث ، وليت شعري ما أحوجنا إلي نساء ٍفي مثل رجاحة عقلها وحسن انتباهها و سرعة بديهتها ، فهي التي احتفظت برباطة جأشها يوم أن خانت الرجال أعصابهم من فرط غيرتهم علي حمي الإسلام ، وقت أن استشاط رسول الله صلي الله عليه و سلم غضباً لتباطئ أصحابه غير المتعمد في تنفيذ أمره، فأشارت عليه بالرأي السديد فما كان منه إلا أن استجاب لإرشادها راض ٍغير مستنكفٍ ،ومن ثم أنقذت خيرةالصحابة من هلكة متحققة ، لله درها.
أتأمل في هي سيرتيهما ويحدوني أمل أن أري للمرأة المصرية الواعية دورا ً حقيقيا ً في توجيه دفة العملية الإنتخابية برمتها بإتجاه إحداث التغيير الأكبر في الشارع المصري ، التغيير الذي يحلم به الجميع منذ زمنٍ طويل ...تغيير بلادنا لتصبح الدولة العصرية الحديثة الآخذة بتلابيب التقدم التقني في شتي المجالات ، وهي في الوقت ذاته البلد الإسلامي الذي يمم وجهه شطر طاعة الله عز وجل فأكل أهله من فوق رؤوسهم و من تحت أرجلهم.
ولكي تقوم بهذا الدور فينبغي علي المرأة المصرية أن تكون قناعة مستقلة بدعم مرشح أو مرشحة معينة ، بناء ًعلي معياري الكفاءة والقدرة مع الأمانة والديانة ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) ، وسبحان الله فحتي هذه المعاير المنضبطة للحكم علي مرشحي تولي المسؤوليات المختلفة ما نطقت به إلا امرأة واعية ...كانت ابنة الرجل الصالح يوم أن استطاعت بعين الناقد الخبير أن تنزل نبي الله موسي منزله اللائق به وقدمته لوالدها مصحوبا ً بتزكية خاصّة اعتد بها والدها من فوره ثقة ًمنه برجاحة عقلها وحسن اختيارها.

ردا ًعلي مقال (الثقافة فى خدمة اللحى والجلابيب)

ثمة سخرية واضحة تميز لهجة الأستاذ ( سلماوي) لا تخطأها قريحة القارئ ، لكني لن أتوقف عندها كثيرا فلن آسي علي رجلٍ يلمز من استن بهدي النبي صلي الله عليه و سلم و يُعرض بهم هذا التعريض الفجّ وقد أتاه نبأ الأحاديث النبوية المستفيضة التي حثت الرجال من أمة محمد صلي الله عليه و سلم علي الإقتداء بهديه ، إنما الذي استغلق عليَّ فهمه في حقيقة الأمر هو لماذا يضيق السلماوي ذرعا ًبأصحاب اللحي و الجلابيب وهم يمثلون قطاعا ً عريضا ًمن الشعب المصري ؟ أليست الليبرالية في زعم أصحابها تدعو إلي الحرية الشخصية في اختيار المظهر الخارجي فلماذا إذن كل هذا الإنزعاج ؟ هل ضاقت الأرض بما رحُبت فما عادت تتسع إلا لل( الكفرة و الملاحيد ) كما ذكرت يا أستاذ ( سلماوي) أما أبناء التيار الإسلامي المعبر عن حقيقة الشعب المصري و أصل هويته فليس لهم مكان في الساحة الثقافية؟ لماذا يُصرالليبراليون علي لغة الإقصاء العنصرية هذه بكل مفرداتها ؟ إذا كان علي يقينٍ أن بضاعتنا مزجاة ، فليخل ِ بيننا و بين الجمهور وليدعه يحكم بنفسه بدلاً من زعم حماية الثقافة ...هذه ليست حماية ، بل هي محاكم تفتيش ٍجديدة ، وبدلا ً من أن يرحب بصنيع حزب (النور) أن أبدي اهتمامه بالعرس الثقافي الذي يستضيفه الثغر السكندري إذا به يشيع جوا ًغير مبرر من البغضاء.
لطالما انتهج التيار السلفي الإصلاح التدريجي بالحكمة و الموعظة الحسنة ، وتحملنا في سبيل ذلك الكثير من صنوف الإبعاد والتنكيل،لعلمنا بعظم المسؤلية الملقاة علي عاتقنا،ونحن في حلٍ من التأكيد علي مشاركة أبناء التيار الإسلامي في الثورة من أول ما استبان للناس أنها ثورة شعبية حقيقية ... ولو كنت تقصد نزول السلفيين بكل ثقلهم إلي الشارع صبيحة الخامس و العشرين ،ففهمنا للواقع نبأنا أن العالم بأسره فُزع بفعل فاعل من أي تحركٍ إسلامي منظم علي الأرض يهدف إلي القضاء علي مظاهرالطغيان ، فكان لزاما ًأن يأتي تحرك عفويٌ لا يُتخذ أثناءه الإسلاميون ذريعة ً للتنكيل بالشعب المصري كله بزعم القضاء علي ( التطرف) ، وليت شعري فما كنا لنعدم لو حدث ذلك كُتابا ًكالأستاذ ( السلماوي) ، لا يبخل الواحد منهم بكل قطرة حبر من شأنها أن تمزق في الإسلاميين بغير شفقة.

أما الدولة الدينية الثيوقراطية، فكم مرة أعلن حزب ( النور) رفضه القاطع لكل صورها البعيدة كل البعد عن فلسفة الحكم في الإسلام ...هذه دولة تصلح لأوروبا العصور الوسطي ، وقتما كانت شعوب أوروبا المقهورة تنظر إلي ملوكها علي أنهم آلهة لايُعقب علي حكمها ،كان القائد الأعلي للدولة الإسلامية أبو بكر يُذيع بيانه الأول علي الهواء مباشرة ًمن المدينة المنورة ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم )
ولا داعي للعزف علي وترالأدباء و المثقفين ، فمعلوم للقاصي و الداني مدي حرص السلفيين علي التحصيل العلمي و نهمهم الشديد للمعرفة ، وما حجم شراء السلفيين للكتب من معرضي القاهرة و الإسكندرية الدوليين إلا ترجمة ًلذلك
وإن قاماتٍ كأمثال الرافعي و محمود شاكرو شوقي والمازني والعقاد وجويدة و شوشة ، ليتذوق السلفيون كغيرهم من ذووي الفطر السليمة أدبهم الرفيع البعيد كل البعد عن إثارة الغرائز أو التطاول علي الشرع الحنيف ، وإن كان مِن الأدباء مَن حاد عن النهج القويم فإننا نكتفي بإسداء النصح له ،و كنا أول من تبرأ من صنيع بعض من استزلهم الشيطان من أبناء الجماعات الإسلامية فوقعوا في دم فرج فودة أو نجيب محفوظ ، فلمصلحة من تُخلط الأوراق ؟
نادر بكار
عضو الهيئة العليا حزب النور

واشنطن إذ تترنح !

ثمة ترنحٍ لا تخطئه العين طرأ علي الأمريكيين هذه الأيام ،إذ يبدو أن طوفان الثورات العربية قد باغتهم بالفعل علي النقيض من ما تروج له أبواق الدعاية الأمريكية ، ففقد القوم صوابهم أو كادوا ... لسيما وأن الطوفان قد أجهز في أيامٍ معدودات علي أنظمة حكمٍ صنعها الأمريكيون علي أعينهم وربوها في حجرهم، فأضحت أثرا ًبعد عين.
وواضحٌ أيضاً أن رقعة الأرض التي تغيرت بشكل ٍ جذري أكبر بكثير من قدرة الأمريكيين علي السيطرة ... مساحة مترامية الأطراف تمتد من تونس في أقصي مغرب العرب وحتي اليمن في جنوب الجزيرة مروراً بمصر وليبيا وسوريا..ودولٌ أخري مرشحة بقوة للإنضمام إلي حبات العقد المنفرط - بالنسبة للأمريكيين طبعا ً - باتت تؤرق مضاجع القوم بشدة .
وماأشبه مشهد الترنح الأمريكي هذا بصورة فتوة البارات الذي لعبت الخمر بعقله - فصاروالزبد يخرج من بين شدقيه والشرر يتطاير من عينيه - يهدد و يتوعد و سمادير السُكْر تصور له أنه قادرٌ علي البطش بالدنيا كلها لو أراد!
هو وحده الترنح كفيلٌ بأن يفسر لنا هذا السيل المنهمر من الإملاءات الأمريكية التي تناقلتها وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية ...... بدءً من رسالة واشنطن إلي الشعب المصري – وبالتأكيد إلي سائر شعوب الربيع العربي- التي تحذر فيها بوضوح صفيق من انتخاب أعداء واشنطن ( الإسلاميين) ، و انتهاءً بصلف وغطرسة مجلس الشيوخ الأمريكي إذ يفرض شروطا ًعلي معونة الذل السنوية من أبرزها طلب الإفراج عن «إيلان جرابيل » المسجون علي خلفية اتهامه بالتجسس مقابل زيادة المعونة الأمريكية لمصر!
المعونة الأمريكية التي مثلت أحد أركان نظام الإستعباد ، نُساوَم عليها الآن وشعبنا ظل يدفع للأمريكيين ملايين الدولارات طيلة العقود المنصرمة علي صورة فوائد ربوية مركبة بما يفوق أموال معونتهم أضعافاً مضاعفة.
هل هو مشهد من بات يشعر أن أوراق اللعبة بالمنطقة تتسرب من بين يديه بتسلسلٍ منتظم ، فما عاد يمسك ب99% منها كما عبّر السادات يوما ًفي خطاب ٍ كان بمثابة الإعلان عن حقبة سيطرة أمريكية لازلنا نتجرع مرارتها حتي الآن؟
لا بأس فليست بأول إمبراطورية تتحطم أحلامها علي صخورنا ، فانكلترا العجوز كانت أشد منها قوة ويوما ً ما كانت تمسك بالأوراق بكلتا يديها ثم تجرعت نصيبها من كأس المرار ،وقد مضي مثلها غير بعيد.
أم أن الحزب الديمقراطي الحاكم لدولة ما وراء الأطلنطي قرر أن يسلك أقصر الطرق فيخلع الأقنعة ، ويواجه بأوراق مكشوفة ويسفر عن وجه العداء الأيدولوجي الحقيقي مع الإسلام بصفة عامّة ، فأتت الرسائل فجّة صفيقة علي النحو الذي وصلنا؟
لا بأس أيضا ً ، بدلا ًمن أن تصدع أمريكا رؤوسنا بإنكارها التمويل المشبوه المحموم للعديد من المنظمات الليبرالية المعروفة بالأسم لتشد من عضدها أمام المدّ الإسلامي الشعبي الجارف.
أياً كان التفسير ، فأعتقد أنه لن يغير كثيرا ً في المعادلة ، بل علي العكس ربما يجعل الأمرأكثر وضوحًا لقطاعات عريضة من الشعب العربي المسلم انخدعت يوماً بمعسول عبارات ( أوباما) وصدقت أن أمريكا بصدد فتح صفحةٍ جديدة تبيض فيها ساحتها أمام المسلمين علي الأخص من بين العالم أجمع.