السبت، 31 مارس، 2012

بوضوح! السبت، 10 مارس 2012

مخطئ من يتصور أن الانتساب إلى التيار الإسلامى يعصم صاحبه من الزلل أو يضفى عليه هالة ً من القداسة، وأعظم منه خطأ ًمن يتربص الدوائر بالمنهج الإسلامى نفسه لينقض عليه فى شراسةٍ إذا ما ندت من بعض منتسبيه هفوةٌ أو زلة.

لأن الإسلام الذى هو دينٌ ومنهاج حياة، دائماً ما يرسى مبدأ أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال باتباعهم الحق، لذا فاعرف الحق تعرف أهله، لأن الكل يأخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتظل الشريعة دائماً بمعزلٍ آن تُخذل لأن فلاناً عصى أو علانا خالف النهج، فإن من يكسب إثماً إنما يكسبه على نفسه، لن يضر شرع الله شيئاً، فالله متم نوره وإن تخاذلنا أو أقعدتنا الذنوب.

وتتجلى صورة تفريق القرآن بين المنهج وبين أتباعه، فى لومه لكل من أخطأ أو تجاوز منهم لوماً يصل إلى حد التقريع المباشر كما فى قصة «بنى أُبيرق» من الأنصار إذ سرق أخٌ لهم يُدعى «طُعمة» درعاً «لقتادة بن النعمان» وخبأ الدرع فى جوال «دقيق» سُرعان ما ثُقب لأجل حظه العاثر تاركاً أثراً على خطوات «طعمة» ستجعل الشبهات تحوم حوله، لاسيما وقد لاقاه «رفاعة» عمِ «قتادة» على هذه الحال وهو قافلٌ من بيت «قتادة».
المهم أن صاحبنا هذا عمد إلى بيت يهودى يُدعى «زيد» استودعه جوال الدقيق متحججاً بكونه مثقوبا، على أن يعود ليأخذه مجدداً، وتنفس بعد هذه الحركة الخسيسة الصعداء أن تخلص من الدرع المسروقة وألصقها برقبة اليهودى.

فلما اكتشفت السرقة هُرع «طعمة» إلى قومه فحكى لهم خبره وناشدهم الرحم إلا ناصروه على باطله، وأوعز إليهم أن يتهموا اليهودى لأن الدرع موجودةٌ عنده، فأجمعوا أمرهم على إلصاق التهمة بـ«زيد»، ولتساعدهم على ذلك سيرة يهود غير السوية فى المدينة وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم التى لا تحتاج إلى برهان، فظل القوم بالنبى صلى الله عليه وسلم يقنعونه أن صاحبهم برىء، وأنه يرى أن الذى سرق الدرع «زيد» اليهودى، قالوا قد أحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، وكيف يُتهم أهل أُبيرق وهم بيت إسلامٍ وصلاح ويُترك اليهودى–رغم وجود شهودٍ معه على أن طعمة هو الذى استودعه الجوال وما يدرى اليهودى ما فيه، فلما همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبرئة «طعمة» أنزل الله من فوق سبع سماوات -لأنه عدلٌ قد حرم الظلم على نفسه- عشر آياتٍ بتمامها تبرئ اليهودى وتدين أهل أُبيرق كلهم مفتتحةٌ بقوله تعالى «إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا» ســورة النســاء «104–115»
شريعةٌ لا تعرف محاباة ً لأحد، ولا تنصر ظالماً لمجرد كونه مسلماً ولو حتى كان من السابقين الأولين، فقد حكم الله أنه «لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً» أى أن الأمنيات وحدها لا تكفى لتعذر صاحبها بين يدى من لا تخفى عليه خافيةٌ فى الأرض ولا فى السماء، بل يسرى قانون الثواب والعقاب على الجميع.

سيادة وطن السبت، 3 مارس

صحيح ٌ أن مشهد خروج المتهمين الأمريكيين من مطار القاهرة مثل صورة ً مزرية لضياع سيادة الوطن صدمت مشاعر كل المصريين، لكنى أرى أن تحليل المشهد يتجاوز بكثير الحديث عن جرحٍ غائرٍ للكرامة الوطنية أو طعنة نافذة لأحلام شعبٍ ضاق ذرعاً بالذل والهوان ..يتجاوز ذلك إلى الحديث عن أزمةٍ حقيقية نعيشها.. أزمة فى صناعة القرار السياسى.

وأقول «قرارٌ سياسى» لأن توقيف أى أجنبى بغض النظر عن جنسيته للتحقيق معه، إذا ما خالف قوانين البلاد بشكلٍ واضحٍ صريح، لابد أن يؤثر على العلاقة مع بلاده، ويتباين التأثير تبعاً لحجم الدولة، فكيف إذا ما كانت الدولة بحجم الولايات المتحدة؟ فالمفترض أن يكون صانع القرار – وهو هنا المجلس العسكرى – على دراية بتبعات هذا القرار، إذ أنه بلا شك يتفهم موازين القوى الدولية ويتفهم أن تحديه السافر لواشنطن يلزم منه أن يكون مستعداً للمواجهة، لاسيما فى هذا التوقيت الحرج الذى يجاهد فيه المجلس لحفظ ماء وجهه أمام شعبه، فلماذا أقدم من البداية على اختبار القوة؟

كان بوسعه أن ينزل إلى ساحة البطولة من أيسر طريق، لو أصدر قراراً بالقبض على المتهمين ومن ثم ترحيلهم بوصفهم أشخاصاً «غير مرغوبٍ فيهم»، إذن لأنقضت المواجهة من الجولة الأولى ولحاز المجلس العسكرى قصب السبق أمام شعبه والعالم أجمع ولأثبت سيادةً وطنيةً غير منقوصة، ولفتَّ ذلك فى عضد الإدارة الأمريكية ولسببَّ لها إحراجاً بالغاً، لكنه سينتهى بها إلى الرد بتصريحات نارية نعلم أنها لن تحدث فارق كبير، طالما قد استعادت رجالها ولو بشكلٍ مهين، ولكفى الله المؤمنين القتال من البداية.

أما وقد حسمت أمرك واتخذت قرارك «السياسى» بنقل المواجهة إلى ساحة القضاء على أرضك؛ فلا بد أنك قد درست ردود الأفعال وقدرت لها قدرها وحللت المعطيات جيداً قبل ما تطرح قرارك للتنفيذ، وتعلم أن احتمال الإدانة قائمٌ بلا شك، فأنت مستعدٌ بالتالى لتطبيق عقوبة ما على الأمريكيين، وإلا فإن أحكام القضاء لا يمكن أن تقبل مساومة أو مفاوضة، فلتتحمل تبعات قرارك إلى النهاية بشجاعة إذن وسيقف الشعب المصرى كله من خلفك كما أوضحنا من قبل.. لكنك فجأة وبلا مقدمات قررت الانسحاب من المواجهة، فأضحينا كالمنبَّت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فأى ُ قرارٍ هذا؟

قرار أراق ماء وجه شعبٍ بأسره، وهز ثقته بشدة فى السلطة القضائية بعدما رأى إلى أى حدٍ تُكبَّل إرادتها، ولعل السؤال الأخطر الذى يبرز هنا، هو إذا كنا قد اشتممنا رائحة تحريكٍ سياسى لملف قضيةٍ كهذه، فكيف تطمئن قلوبنا لسير المحاكمات مع رموز نظامٍ سابق عُينت الهيئات القضائية تحت سمعه وبصره؟

أما واشنطون فمصرةٌ على ضرب الذكر صفحاً عن دروس التاريخ، تتحدث عن القانون فى كل سهلٍ ووادى، فإذا ما طُبق القانون بساحتها أقامت الدنيا ولم تقعدها، ولعمر الله لهذا أحد مظاهر الغطرسة التى أهلكت أمماً قبلها كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

بشار لا يفهم! الإثنين، 20 فبراير 2012

أكَّد الله سبحانه فى أكثر من موضع فى كتابه أنه لا يهدى القوم الظالمين؛ بل يختم على قلوبهم؛ ويحرمهم تسديده وتوفيقه؛ فالواحد منهم يكون على أشد حالات الفساد والانحراف، ومع ذلك إذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون؛ ومن الناس من فاق ظلمه كل الحدود فأثمر ظلاما ًلف قلبه وطمس بصيرته؛ فماعادت تؤثر فيه موعظة ولا تنفعه عبرة؛ فيزداد غياً فوق الغى كلما كثرت النذر من بين يديه ومن خلفه. أما من استقامت سيرته وصحت فطرته فيكفيه النظر فى حال مساكن الذين ظلموا أنفسهم ليتبين له كيف فعل الله بكل جبارٍ عنيد؛ وهو ما لخصّه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (والسعيد من وُعظ بغيره). تنظيرٌ وفق قواعد الشرع سيعينك كثيراً على توصيف حالة بشار الأسد وهو يبطش بقومه وينكل بهم غير مكترثٍ بأمثلة طغاة فاقوه شراً وحقداً تهاوت عروشهم عن يمينه وشماله؛ فهم بين مقتولٍ ومحصورٍ ومطارد، فتظل عامة يومك وآنت تطالع شاشات التلفاز تنقل صور المذابح البشعة من سوريا، تتعجب كيف لا يفهم بشار أن نهايته لن تختلف كثيراً عن نهايات من سبقوه وكانوا أشد منه قوة ً وأكثر جمعاً؟.

وحده بشار الأسد دون العالم أجمع لا يفهم أن الموت يزحف إليه بخطى حثيثة وأن سقوط نظامه أصبح مسألة وقتٍ ليس أكثر؛ فلاتزال أوهام استعادته لزمام الأمور وعودة سوريا إلى قبضته الحديدية تلعب برأسه كما تلعب الخمر برأس سكيرٍ.. يحسب أن (الفيتو) الصينى الروسى مع مساندة إيران غير المشروطة قد مثلا ركناً شديداً يمكنه الالتجاء إليه؛ فاجترأ أكثر وأكثر على ذبح شعبه الأعزل من الوريد إلى الوريد؛ فى إشارة أخرى على انعدام الفهم؛ إذ أن حجم رقعة الغضب الأممى الإسلامى والعربى سيتزايد فى المقابل على نحوٍ يؤازر الشعب السورى ويتفاعل مع قضيته كرد فعلٍ طبيعى لمؤامرة دولية متعددة الأطراف..

فالغريب أن لُحمة هذه الأمة لا تظهر إلا وقت اشتداد الكرب وارتفاع وتيرة الظلم؛ فمثلها كمثل جسدٍ واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؛ وهو أيضاً ما يستعصى على أمثال بشار فهمه.

وعما قليل ليرين بشار وعصابته أن نزيف الدم السورى المتصاعد هو فى حقيقته دماءٌ تسرى فى عروق الثورة فيشتد ساعدها وتزداد قبضتها إحكاماً على سيف ٍسيغمد فى سويداء قلوب زمرته حتماً لا ريب؛ فالقاعدة الشهيرة أن من سل سيف البغى قُتل به؛ وعلى الباغى تدور الدوائر.

رسالة خاصة إلى واشنطن: اختباركم لقياس رد فعل الشارع المصرى بعد الثورة ليس جديداً؛ وإن كان أتى هذه المرة فجا ًمتغطرساً كعادتكم حينما تتقمصون دور راعى الأبقار؛ إلا أن إلقاء الشعب المصرى القفاز فى وجوهكم مثَّل نتيجة أزعم أنها فاقت توقعاتكم بكثير؛ لذا نرجو أن تكونوا قد استوعبتم تصميم الشعب المصرى على كسر كل قيدٍ حال بينه وبين كرامته؛ فتعيدوا ترتيب أوراقكم للمرحلة المقبلة بتفهمٍ أكبر لوضع مصر بعد الثورة.

إدارة التغيير

يمكننا القول بأن ثورة يناير مثلت أقصى درجات التعبير عن «إرادة التغيير»، فبعد ما بلغ السيل الزبى وطاش صواب أكثر الناس حلما من جراء تراكم الظلم والقهر، صار التغيير فى ضمائر الكثيرين ضرورة حتمية، ينتظرون فقط اللحظة المواتية للإعلان عنه، ثم لما تمَّ المراد بنزع رأس الطغيان من كرسيه، تبقى أمامنا أن نتحول بالمسار الثورى من مجرد إرادة إلى إدارة ترسم لنا خارطة طريق نعبر بها الفجوة بين الواقع المتردى والمستقبل المنشود، وهو ما يطلق عليه علماء الإدارة اسم «إدارة التغيير».
وإدارة التغيير هى عملية شديدة التنظيم تحتاج إلى خطة زمنية وقرارات مدروسة وصبر على النتائج وتفهم لكلفة القرارات، هذا لو كنا ننشد تغييراً جذرياً يتناول أصل المشاكل المزمنة بالتحليل، ومن ثم إيجاد الحلول على المدى القريب والبعيد، أما التغييرالظاهرى فضرب من العبث لن يخرج بنا من التيه أبداً.
الدعوة إلى العصيان المدنى مثلاً نوع من ذلك العبث تصل إلى حد الممارسات الصبيانية، إذ يفتقد الداعون إليه التمييز بين وقت يصلح للتعبير عن إرادة التغيير ووقت آخر تتوجه فيه الجهود إلى إدارة التغيير.. فالحق أن مصر الآن فى منتصف الطريق بين إرادة التغيير وإدارته، واستطاعت أن تمسك بطرف خيط حينما خرج مجلس الشعب للنور ويليه على نفس المسار مجلس الشورى وانتهاءً بانتخابات الرئاسة، وكلها خطوات المنصف العاقل يمكنه أن يرى فيها بكل وضوح أن ثمة تغييراً حقيقياً قد ظفرنا به عقب عامٍ كامل من ثورتنا اللاهبة، ومهما بدا طفيفاً ذلكم التغيير فإن عزائم الرجال مضافة إلى تخطيط بعيد المدى وفهمٍ عميق للواقع ومن قبل ذلك كله استعانة حقيقية بالمولى عز وجل ستأخذ هذا التغيير إلى تحقيق النتائج المرجوة.
وليست هذه الممارسات بأخوف ما أخافه الآن، إنما الخطر الحقيقى يكمن فى اشتداد وطأة «الفوضويين» على كل ما يحمل رائحة التعقل ولو من مكانٍ بعيد، والاستهزاء بكل من تكلم عن الاستقرار والمؤسساتية ونعته بالجبن والتخاذل عن نصرة مزعومة للثورة، ومن ثم الهزيمة النفسية التى صرت أرى بعض ملامحها مرتسمة على وجوه العقلاء بغير مبررٍ، اللهم إلا خوفهم من الصوت العالى.
نعم يتفق العقلاءُ كلهم على حتمية خروج المجلس العسكرى من المشهد السياسى بأسرع صورةٍ ممكنة، لأسبابٍ عدة على رأسها هاجس تكرار مأساة العام ١٩٥٤ بكل مرارتها، لكن العقلاء أيضاً يعلمون أن هذا الخروج إذا لم يأتِ بالصورة المنتظمة التدريجية التى اتفقنا على وصفها بإدارة التغيير فإن النتائج العكسية هى التى تنتظرنا بلا ريب.. وأعلم أن كارثة بورسعيد ومن قبلها مذابح أخرى قد أججت مشاعرنا وألهبت نفوسنا إلى أقصى حد، لكن بديهيات إدارة التغيير التى تكلمنا عنها تشير إلى ضرورة اتخاذ القرارت بمعزلٍ تامٍ عن تأثير العاطفة أياً كانت خطورة الموقف ودقته. وبالمناسبة حتى الثورة نفسها لو خضعت للمقاييس العاطفية فقط ونحّت العقل جانباً لوسع مبارك أن يغتال أحلامها من اليوم الأول وإلا فكلنا يذكر كيف حاول استدرار عطف عامة الشعب عليه ببيانٍ تلو آخر، فى الوقت الذى كان صوت العقل يهتف بنا أن نستكمل الطريق إلى النهاية لأن الطاغية لو تمكن من التقاط أنفاسه فما كان ليرحم أحداً.