الاثنين، 3 سبتمبر 2012

النور وأبو الفتوح..عن كثب - اليوم السابع - 29 مايو 2012

على الرغم من أنه فى أقل من أسبوعين اثنين يُتهم السلفيون فى أبوالفتوح من طريقين متنافرين وسببين متناقضين لا يجمع بينهما إلا قلة الإنصاف وغياب التثبت؛ إلا أن الأسطر المقبلة لم أسردها لتتكسر عليها سهامٌ أرادت نهش لحومنا فقط؛ وإنما صغتها تبياناً للحق ووفاءً لكل من حمل عبء الدعوة إلى مشروع الوطن؛ مشروع مصر القوية.. وربما تأتى أيضاً مفسرةً للحالة الإسلامية السياسية الراهنة ولو من بعيد.

لا أحب إضفاء صفة ملائكية على تيارٍ أنتسب إليه؛ وإنى لأرجو الله أن أحافظ ما حييت على إنصافٍ يمكننى من رد الباطل على صاحبه، وإن كان قريباً منى، وعلى قبول الحق من صاحبه، وإن كان بعيداً عنى؛ فإن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، ولن أطيل النفس فى إعادة الحديث عن الأشواط التى قطعناها والدراسات المستفيضة التى أعددناها والمناقشات المطولة التى خضنا غمارها حتى استقر بنا المقام عند تأييد د. أبوالفتوح عن قناعةٍ تامة وبعد ممارسةٍ شورية راقية، فلقد ذكرت من تفاصيل ذلك سابقاً ما أظنه يكفى.. لكنى سأتوقف عند كم ِّالبذاءات التى جُرحت بها ذواتنا وهيئاتنا من بنى جلدتنا أولاً، ثم من تياراتٍ أخرى كان مجرد دعمنا لأبو الفتوح من وجهة نظرهم جريمة لا تغتفر لا بد وأن يحمل وزرها أحد الطرفين. فكان الاتهام وقتها جاهزاً: ما الذى وعدكم به أبوالفتوح؟
نكرر فى كل مناسبة أنه ما وعد بشىء وأن شيمنا تأبى علينا ذلك؛ فما يزيدوننا غير تجريحٍ.. تجريح ٌ نال أبوالفتوح منه حظاً وافراً؛ فتارة يصفونه بالمتطرف وتارةً بالمتلون الذى يخطب ود كل تيارٍ بما يروق له؛ إلى آخر سلسةٍ طويلة من افتراءات لا تعبر إلا عن عنصريةٍ حقيقية ورفضٍ لفصيلٍ وطنى كل ذنبه أنه مارس حقه السياسى فى اختيار من يراه الأنسب لقيادة البلاد.

إنما الاتهام الأشد علينا وطأة ً والأعظم نكايةً كان الاتهام الثانى بلا شك عقب الجولة الأولى مباشرة، وبغير ما يشعر أصاحبه ومطلقوه أنه يناقض الاتهام الأول.. لماذا خنتم أبوالفتوح؟
كيف نخونه وقد دعمه كل قيادات الصف الأول فيما تسنى لهم من مؤتمرات ٍبطول البلاد وعرضها.. أما كنا نخشى على أنفسنا من معرة أن ندعم مرشحاً بشكلٍ صورى ثم يفتضح أمرنا بعد ذلك؟ علماء النفس يتحدثون عن دوافع السلوك.. فهل من الناس رجلٌ رشيد يعطنا مبرراً واحداً يدفعنا لأن نسلك مع أبوالفتوح مسلك الخيانة؟ ما الذى سنجنيه من جراء ذلك وقد تجشمنا عناءً يفوق الوصف لإقناع قواعدنا الشعبية بخيارنا هذا؟

وعلى ذكر القواعد السلفية الشعبية نصل إلى بيت القصيد إذ إن المتابع للحالة السلفية يسهل عليه أن يفهم لمَ كانت حشود السلفيين أضخم فى حالة الانتخابات التشريعية من مثيلتها فى الرئاسة.. ذلكم أن القواعد السلفية ضخمة العدد بلغت أوج حماسها إبان الانتخابات التشريعية لعوامل كثيرة من أهمها أنها كانت تمثل بالنسبة للتيار السلفى أول تجربة سياسية يبحث فيها عن إثبات وجوده وتقديم مشروعه؛ وكان الهدف مدعوماً بضغط الأيديولوجية من أجل وضع دستورٍ يعبر عن هوية الوطن ذات الطابع الإسلامى.

أما فى حالة الرئاسة، فالأمر كان مختلفاً إلى حدٍ كبير، فمنذ اليوم الأول لطرح فكرة الرئاسة ونحن نسأل أنفسنا: هل تتحمل مصر رئيساً منتمياً للتيار الإسلامى؟ واستعرضنا فى سبيل ذلك تجارب كثيرين غيرنا خلال العقود المنصرمة ووازنَّا بين المصالح والمفاسد ورأينا أنه من المناسب أن يكتفى التيار الإسلامى بمكسبٍ غير مسبوق فى المجالس التشريعية وأن ينأى بنفسه عن خطورة تحمل مسؤولية الرأس التنفيذية فى هذا التوقيت شديد الخطورة؛ واخترنا أن ننهى حالة الاحتقان الموجودة بالشارع؛ لذا أردنا مديراً تتوافر فيه صفات القيادة ويحقق استقراراً للجميع نتمكن فيه من الوصول إلى عموم الناس بدعوتنا ومنهجنا أكثر وأكثر فى مناخٍ من الهدوء يسمح بوصول المعلومة سالمةً غير مشوهة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم «خلوا بينى وبين الناس».. لكن.. كثيرةٌ هى أعداد من لم يقرأ منذ البداية أننا لسنا بصدد اختيار خليفةٍ للمسلمين - العبارة التى مللت شخصياً من تكرارها - وأنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم؛ فإن عصر القائد الملهم المسدد؛ الذى تهرول الملايين من خلفه إذا ما عنَّ له الانطلاق يمنةً أو يسرة لهوى فى نفسه قد ولى بغير رجعة؛ لنبدأ حقبة من العمل المؤسسى؛ ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة على أساس مصالح وطنية عليا يسهم الرئيس فقط فى ابتكار ما يعينه على تحقيقها.. وهذا الصنف من الناس تحديداً أصابه من الفتور ما أصابه بعد اختيارنا هذا، ولاسيما بعد خروج مرشح الرئاسة الذى كان يعنى له من ناحية السمت على الأقل الصورة المجسمة لحلم الخلافة؛ وأقصد الشيخ حازم فى هذا المقام.

أضف إلى ذلك حملة شرسة غير مسبوقة للنيل من «ديانة» أبوالفتوح نفسه والترويج على بسطاء التيار السلفى أن قياداتهم باعت المنهج القويم بترشيحها من يُقدح فى التزامه وتخلت عن من هو أفضل منه؛ فكان أن ثبطت همم نصف التيار السلفى فلم يبرح بيته يومى الانتخاب أصلاً؛ أما النصف الآخر فما بين ملتزمٍ أدبياً بشورى حزبه ودعوته وآخر مجتهد يرى الصواب فى إعطائه صوته لمرشحٍ آخر.

سياسات الفارس النبيل - الأهرام - 26 مايو 2012


علي مدي يومين نشطت ذاكرتنا الوطنية لتستعيد مشهد الجموع الغفيرة مرتسمة أعتي أمارات العزم علي ملامحها‏,‏ مصممة علي صناعة قرارها بيدها‏..‏
مشهد يكفي وحده لبعث النشوة في عروق ملايين المصريين للمرة الثالثة خلال عام ونصف العام, النشوة التي لم يعرف المصريون لذتها إلا أياما معدودات علي مدي تاريخهم الطويل.
هذه النشوة مرشحة لأن تتضاعف عشرات المرات يوم يحصد المصريون ثمرة نضالهم وصبرهم ودماء أبنائهم رئيسا مدنيا منتخبا, اتصور أنه سيمثل في مخيلة الكثيرين فارسا نبيلا يحمل لواء الثورة بيسراه في الوقت الذي تطعن يمناه الفساد والفقر والجهل والمرض طعنات نافذة, علي أن صبغة النبل هذه ورغم كونها مستعارة من وصف عتيق للطبقة الارستقراطية الأوروبية الشهيرة, إلا فإنها في مثالنا تناقضها من كل جانب, لأن فارس المصريين لن يكون نبله مزيفا مصطعنا مستمدا من عراقة نسبه أو ثراء رفل فيه أو دماء زرقاء تجري في عروقه. بل سيكون نبلا حقيقيا مستمدا من اخلاصه لله سبحانه وتعالي يبتغي مرضاته ومن ثم يخلص لثورة فتية فيحقق أهدافها, ولشعب مكلوم فيداوي جراحه, ولشهيد مغدور فيأخذ بثأره.. والحق اقول إنه ليس كثيرا علي شعب تجرع العذاب صنوفا وألوانا ان يحلم بفارس دمائه كالشهيد حمراء اللون, لا زرقاء كدماء كل دكتاتوري متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
إلي هنا أقف ولا استطرد, مخافة أن يظن البعض بالأمنية الجميلة الظنونا, أو ينجرف فريق آخر من غير ان يشعر ليكرر مأساة القائد الملهم المفدي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, المأساة التي تبنت تجسيدها نفوس مريضة استخفها الطغاة فأطاعتهم وغالت في تقديسهم ضاربة بعرض الحائط نهي الشرع والعقل وقوانين الفطرة وقواعد المنطق...ويسعني هنا القول إنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم, فإن عصر القائد الملهم المسدد, الذي تهرول الملايين من خلفه إذا ما عن له الانطلاق يمنة أو يسرة لهوي في نفسه قد ولي بغير رجعة, لنبدأ حقبة من العمل المؤسسي, ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة علي اساس مصالح وطنية عليا, يسهم الرئيس فقط في ابتكار مايعينه علي تحقيقها.
جملة لا بأس بها من الملامح العامة لسياسة الدولة يمكنك بقليل من العناء اكتشاف أنها تمثل أرضية مشتركة, أو علي أقل تقدير تحظي بتفهم حقيقي من جانب جميع تيارات العمل الوطني في تأريخ ما بعد الثورة سواء تلك المتعلقة بالجانب الاقتصادي أو الامني أو حتي شق السياسة الخارجية.
الجانب الاقتصادي وحده يكفي للتدليل علي ذلك إذا ما سلطنا الضوء علي بعض المبادئ العامة التي تحدد اطار النهضة الاقتصادية المرجوة, كالانطلاق نحو اقتصاد سوق حر يوفر مناخا جاذبا للاستثمار مادامت آلية العرض والطلب هي المحددة للسعر, ويمكن الاستدلال علي ذلك بحديث انس رضي الله عنه إذ يقول: غلا السعر علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم, فقالوا: يارسول الله سعر لنا, فقال: إن الله هو القابض والباسط المسعر الرزاق, وإني أرجو أن ألقي الله وليس أحدا منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال, والحديث واضح الدلالة عند جمهور الفقهاء علي تحرير السوق من أي تدخل محتمل للسلطة التنفيذية, وتبقي هذه النظرية صحيحة ما لم تجد علي الساحة ممارسة احتكارية تعكر الصفو, فإدا ما كان تم احتكار فالكل مجمع علي ضرورة التدخل لتصحيح خلل المعادلة وحديث: لايحتكر إلا خاطئ الذي يرويه معمر بن عبد الله جاهز للتدليل أيضا.
النهضة الاقتصادية المؤهلة عند الجميع لن تأخذ من الرأسمالية وحشيتها إذ تطحن الفقير طحنا لا هوادة فيه, وإنما تنحاز إلي الفقراء فتؤكد حتمية الحل الزكوي: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. وتذهب أبعد من ذلك حين تنظر إلي الفقراء نظرة تنموية تحولهم إلي طاقة إيجابية منتجة ومن ثم تدمجهم في التنمية الشاملة, ويكفي أن نسوق مثالا علي ذلك تشجيع ودعم المشاريع المتوسطة وتلك الصغيرة وحتي المتناهية في الصغر, ونحن مسبوقون في هذا المضمار بتجربة البرازيل الفريدة, أما الخلاف علي دعم السلع. فشكلي اصلا, لأن احدا لاينازع في مسئولية الدولة تجاه مواطنين يعانون شظف العيش, إنما التأكد من حصولهم علي الدعم يظل المشكلة الرئيسية التي تنتظر حلولا مبتكرة لحلها.

شورى السلفيين - اليوم السابع - 16 مايو 2012

إصرارنا على التحذير من خطر الغلو فى الأشخاص، أو الهيئات ينبع من رؤيتنا لضرورة النقد الموضوعى لكل من تصدى للعمل السياسى كضمانٍ لعدم انحرافه عن النهج السليم، تأسيسًا على قول أبى بكر «إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى».

أقول إن هذا الإصرار يتوازن مع حرصنا الشديد على المحافظة على الكيانات الإسلامية الكبيرة التى تحملت عبء الدعوة الإسلامية على مدى عقود، وبذلت فى سبيل ذلك ما لا تنكره إلا عين حاقد.

ومن هذا الباب، فإن محاولات البعض للوقيعة بين السلفيين والإخوان اللذين يمثلان التيار الإسلامى فى مصر، فتنة ينبغى الحرص من الانجرار خلفها، لاسيما فى هذا التوقيت الحرج الذى اختار فيه كل فصيل- وفق آليات اجتهاده- من يراه الأنسب لقيادة مصر فى الفترة المقبلة.

ومن جملة «الإحن» التى تُلقى بذورها الآن فى قلوب أتباع الفريقين، إشاعة القول بأن أحد أهم أقطاب المدرسة السلفية، بل مؤسسها الأول فضيلة الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم، يجهر بتأييد مرشح آخر للرئاسة غير د. عبدالمنعم أبوالفتوح الذى أعلنت الدعوة السلفية دعمها الرسمى له.

والذى يعلم ما للدكتور محمد إسماعيل المقدم من مكانة كبيرة فى قلوب أبناء التيار الإسلامى على اختلاف مشاربهم، سيفهم خطورة هذا الادعاء فيما سيقتضيه من أثرٍ فى بلبلة الأفكار، وتضارب الآراء داخل التيار الواحد. وحقيقة، فإن ما قاله فضيلة د. محمد إسماعيل بنفسه قبل انعقاد مجلس شورى الدعوة السلفية كان نصه: «الرأى لكم، وصوت أقل واحد منكم كصوت أكبر واحد تماماً»، ومن بعد ذلك كانت أغلبية الأصوات مع ترشيح د. عبدالمنعم أبوالفتوح للرئاسة، فالبديهى أن يكون هذا هو خيار الشيخ المقدم- وقد كان بالفعل- وإلا فما معنى الشورى؟

وما كنت أحسب الأمر يحتاج لتوضيح، حتى سمعت بنفسى من يتحجج بآراء ما قبل التصويت، وكأنه يعلمها، وما هو إلا رجم بالغيب يقال لأصحابه هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وللأسف فإن هؤلاء حجتهم داحضة من وجوه متعددة؛ أبرزها مستمد من فعل النبى صلى الله عليه وسلم نفسه يوم «أُحد»، إذ كان يرى وقتها حتمية البقاء فى المدينة المنورة، والتترس بداخلها لمواجهة المشركين، فى الوقت الذى رأت فيه أغلبية الشباب ضرورة الخروج لملاقاتهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأى الشورى المخالف لرأيه، وخرج لملاقاة المشركين، فهل عاد بعد ذلك يلوم على رأى الأغلبية ويذكرهم بسابق رأيه؟
أما من جهة الواقع، فإننا لم نسأل مثلاً جماعة الإخوان المسلمين عن اثنين وخمسين عضواً من مجلس شورى الإخوان «رفضوا» فكرة نزول م. خيرت الشاطر، ومن بعده د. محمد مرسى الانتخابات، بل على العكس احترمنا قرار أغلبية الأصوات، وتعاملنا معه باعتباره رأى الجماعة كلها. وللعلم أعرف ثلاثة من كبار قيادات الإخوان مصرّين على أن أبوالفتوح هو الأفضل، وأن صوتهم لن يذهب إلا إليه، لكن المبادئ التى تربينا عليها تمنعنى من ذكر أسمائهم؛ فتفريق الصفوف ليس من شيمنا.

وإن تعجب فعجبٌ أن لا يزال هناك من يشكك فى اختيار حزب النور لدعم أبوالفتوح على أى أساس تمّ؛ وقد سبق لى أن نشرت فى صحيفة الأهرام مقالاً بعنوان «كيف صنعنا القرار؟»، وضحت فيه تفاصيل مرحلة الاختيار، بغض النظر عن نتيجة الشورى التى تلت هذه المرحلة، وفعل ذلك بأفضل مما كتبت فضيلة الشيخ ياسر برهامى أكثر من مرة، فكيف إلى الآن لا يستوعب البعض الأساس العلمى الذى اخترناه للحكم على مرشحى الرئاسة، ويصر على إلصاق التهم بنا زوراً وبهتاناً؟ فهل عصىٌّ على فهم من يزايد على قرارنا معنى وصفنا للدكتور أبوالفتوح بأنه الأنسب لهذه المرحلة؟

أما الطعن على د. عبدالمنعم أبوالفتوح بما لا أساس له من الصحة، والحكم على نيته بتسلط منقطع النظير، فأمر يدع الحليم منا حيران.. فكما قبلنا من د. محمد مرسى تراجعه عن تصريحات قالها وفهمت بشكل سيئ عنه، فكذلك فعل د. عبدالمنعم فى كل ما يمس الثوابت العقدية للأمة.. وقد أكدنا مرارًا أننا على ثوابتنا محافظون؛ ولن نداهن فيها أحداً.. ومن جديد أشدد على أن مصر بأسرها، وليس السلفيون أو الإخوان وحدهم، بصدد اختيار «مدير تنفيذى»، وليس خليفة للمسلمين؛ فالقصد فى تأييدنا للمرشحين، والبعد عن تقديسهم أو الغلو فيهم كان نهجنا ولا يزال.

"الهرْج" سيد الموقف - اليوم السابع - 5 مايو 2012

حينما يصبح «الهرْج» هو سيد الموقف فمن الضرورى أن نتوخى الحذر فى كلماتنا وتحركاتنا بل وحتى فى لحظنا وسكوننا، فالأمر ليس هيناً حينما يتعلق بدماءٍ معصومة تشتد حرمتها عند الله سبحانه لتتجاوز حرمة الكعبة نفسها؛ وإن الله يغار وغيرته أن تنتهك محارمه؛ والإسلام غرس فى نفوس أتباعه أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التى يتدين الإنسان بصونها فلا يبذلها إلا نصرةً لدينه أو دفعاً للأذى عن نفسه ووطنه وأهله وماله، وعلى ذلك فإن «الهرج» الذى أعنى، هو ما وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله فما هو؟ قال: «القتل القتل».

والذى يدفعنا إلى التأمل أكثر وأكثر واصطحاب وصف «الهرج» أثناء رؤيتنا لأحداث العباسية هو التوصيف النبوى الدقيق لحالة الهرج الملتبسة المنصبغة بلون الدم فى قوله صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده ليأتينَّ على الناس زمان لا يدرى القاتل فى أى شىء قَتل ولا يدرى المقتول على أى شىء قُتل».

أعلم يقيناً أن ثمة استدراج واضح قد تعرض له معتصمو التحرير فانخرطوا على أثره فى قتال شوارع للدفاع المشروع عن أنفسهم.. ونعم أصدق روايات من قال إن بلطجية قد تم تأجيرهم لبدء المذبحة؛ وافهم أن تعمداً قد بيت بليل لإلصاق كبر التهمة بالتيار الإسلامى؛ وأعى أن استهتاراً بالغاً بالدماء قد حدث من جانب الأمن فلم يتدخل لوقف نزيف الدماء.. لكن الذى أعتقده جازماً أن الشبهة هى أقل ما يوصف به هذا الاقتتال، وسميته اقتتالا لوقوع الضحايا من الجانبين.. اقتتال شبهة؛ يلتبس فيها الحل بالحرمة؛ يكفيك مروراً سريعاً على ألا يمكنك أن تغفل عن شهادات الناس من الطرفين لتعلم قدر الالتباس والغموض فى سير الأحداث، وأن القتل قد استحًَّر فى الطرفين، فما فرق بين معتصمى العباسية ومواطنيها؛ فبين قائلٍ أن الشرارة الأولى اندلعت من قبل اهل المنطقة بتعمدهم الاحتكاك بالمعتصمين فرد عليهم الآخرون سواءً بسواء، وزادوا على ذلك أن احتجزوا بعض من يشتبهون فى كونهم بلطجية مأجورين؛ وبين جازمٍ أن المعتصمين هم من تعمدوا استفزاز أهل المنطقة وضيقوا عليهم معاشهم، فما كان أمام السكان إلا الدفع عن أنفسهم بأنفسهم فى غيابٍ تامٍ من قوات الأمن النظامية شرطةً كانت أو جيش.

فإذا كان الشعب المصرى عن بكرة أبيه قد استقر فى ضميره أن عماد هذه الثورة ورأس مالها تمثل فى ترابط كل أطياف الشعب على هدفٍ واحدٍ من جهة وإصرارهم على سلمية وسائلهم من جهةٍ أخرى؛ وفى نفس الوقت قد تقرر عند كل العقلاء أن أذناب النظام السابق لن يهدأ لهم بال حتى يفسدوا علينا ثورتنا بزرع بذور الفوضى واتباع المنهج الإبليسى الخبيث «فرق تسد»؛ فإن فى سد الذرائع وغلق باب الفتن لفقه أصيل تلقاه الصحابة منذ نعومة أظفارهم فى حقل الدعوة الإسلامية ففهموا فى ضوء قول الله تعالى «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» تفويت الفرصة على كل عدوٍ يتربص النيل بهم؛ وتلقفه المسلمون من بعدهم، فلا يسعنا إلا أن ننسج على نفس المنوال إذا كنا عازمين على استكمال طريق التحول على طريق العدالة الانتقالية.

كيف صنعنا القرار - الأهرام - 29 أبريل 2012


ليس انحيازا لحزب النور‏-‏ وإن كنت بالطبع مدرك أن التزام حياد كامل عند النقد أو الكتابة أمر مستحيل فما يبقي إلا تحري الموضوعية قدر المستطاع‏.
 لكن تجربة الحزب الفريدة في صناعة قرار بحجم اختيار رئيس مصر القادم أجدني مدفوعا إلي نقل محدداتها ونتائجها ليستفاد بها وطنيا.علي نطاق واسع; وأنا مسبوق في ذلك بما بات يعرف عالميا بالمشاركة في المعرفة.
أثناء عملية صناعة القرار; حاولنا قدر استطاعتنا اتباع المنهج العلمي في التفكير والتقيد بالحسابات المنطقية البعيدة عن التأثر السلبي بالعواطف وحدها; لأن العاقل يدرك إلي أي حد يمكن أن تذهب به العاطفة إذا ما اعتمد عليها وحدها في صناعة قراره. فلم يتسرع حزب النور في إعلان دعمه لأي مرشح استجابة لضغط قواعده- مع احترامه طبعا لتلك القواعد التي لولاها لما شكل الحزب أصلا- والذي وصل إلي حد التلويح ثم الإقدام علي استقالات( إعلامية) لم يكذب الإعلام خبرها فطار بها في الآفاق ليمارس بدوره ضغطا آخر علي صناع القرار, فكان الذي عزمنا عليه منذ البداية والتزمناه حتي آخر رمق هو التمهل إلي حين إعلان الأسماء النهائية لمرشحي الرئاسة. الأمر الذي وقانا إلي حد كبير حرجا وقع فيه غيرنا من الأحزاب الضاربة في العراقة, تسرع في دعم مرشح ثم تراجع عنه إلي غيره دون مبرر واضح ثم عاد إلي دعم الأول مجددا بعد انسحاب مدعومه من السباق بشكل مفاجئ.
ونسجا علي منوال حجب العاطفة وثبات الإنفعال وقت صناعة القرار فأزعم أن( النور) قد أظهر ثباتا حقيقيا أمام محاولات تثبيط عزم قياداته وإحراجهم بالترويج لفكرة أن( النور) يسير في ركاب( الإخوان المسلمين) علي غير بصيرة; ونشطت هذه المحاولات في الآونة الأخيرة تحديدا لزرع بذور الإحن في قلوبنا وقلوب إخواننا; فكان ردنا الواضح أن إخواننا إن وافق اجتهادهم رؤيتنا فلا جرم نتبعهم لأن الإصرار علي المخالفة فقط لإظهار التميز والحضور خصلة من خصال العصبية الجاهلية; أما إن اختلفت الرؤي فلا حرج علينا أن يختار كل منا ما اطمأن إليه ويعذر بعضنا بعضا.
أما الحرص علي جمع الإسلاميين خلف مرشح واحد فلقد مثل عاملا محوريا في التأثير علي قرارنا لإدراكنا خطورة أن يتحمل أي فصيل إسلامي تبعات قرار اختيار رئيس لأكبر دولة إسلامية و أزعم أننا صبرنا علي ذلك حتي النهاية. ولعلها أن تكون تجربة مفيدة علي طريق وحدة حقيقية وقت اتخاذ القرارات المصيرية, أبي الله أن تتحقق في الظرف الراهن لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه لكنها تظل مرشحة بقوة للحدوث في المستقبل المنظور. كذلك الحرص علي استطلاع آراء أغلب التيارات الوطنية, التي وإن كنا نختلف معها في الطرح بحكم تباين مرجعياتنا إلا أن وطنا يستوعب الجميع وثورة ما فرقت بين تيار وآخر قد حتما علينا تغليب النظرة الوطنية الأممية علي النظرة الحزبية الضيقة فلم نعبأ كثيرا بأن هذا المرشح أو ذاك سيكون الأقرب إلينا فكريا في الوقت الذي قد يتفوق عليه غيره بالكفاءة ولو نسبيا; لاسيما و أننا نعي جيدا الفارق الشاسع بين اختيار رئيس هو أقرب ما يكون إلي مدير تنفيذي منه إلي خليفة للمسلمين; وهي تفصيلة جوهرية غابت عن الكثيرين.
التقينا بمرشحي الرئاسة كل علي حدة أكثر من مرة للوصول إلي رأي متكامل عن كل مرشح بعيدا عن أي تصورات مسبقة. وكانت أهم محاور اللقاءات تركز علي رؤية المرشح الحقيقية للخروج بمصر من رحم الأزمة الحالية ولمدة أربع سنوات مقبلة فحسب بعيدا عن برامج التوك شو التي تحوي كثيرا من الإستعراض الإعلامي الذي لا يعبر بصدق عن رؤية متكاملة راشدة.
فهم كل مرشح لصلاحيات الرئيس في دولة ما بعد الثورة كان أحد أهم العناصر التي بني عليها القرار. إضافة إلي طبيعة الفريق الرئاسي الذي يعتمد عليه المرشح.. وفريق رئاسي في حسنا لا يعني فريقا لإدارة حملة دعائية إنتخابية; وإنما فريق حقيقي يعتمد عليه الرئيس عند اتخاذ قراره بعد ممارسة شورية حقيقية.
هذا بالإضافة إلي تقييم شخصية المرشح من الجانب النفسي; بقياس ثباته الإنفعالي وقدرته علي مواجهة الضغوط والحلم والصبر وقوة الاقناع والتاثير والكاريزما إلي آخر قائمة طويلة عكف خبراؤنا النفسيون علي قياسها. وأخيرا كان الإنتقال من صناعة القرار إلي اتخاذه أنموذجا يحتذي في الممارسة الشورية تمثل في عرض خلاصة ما تم التوصل إليه من دراسة مستفيضة علي طبقة أهل الحل والعقد الموسعة( الجمعية العمومية) المتمثلة في هيئة الحزب العليا وهيئته الرلمانية ومسئولي المحافظات للتصويت الحر المباشر علي شخص الرئيس الذي يدعمه الحزب.
يا لحزب النور

الغلو شرٌ كله - اليوم السابع - 21 أبريل 2012

الغلو ممقوت بكل ألوانه، سواءٌ فى ذلك أكان غلواً فى شخصٍ أو فكرة، ذلك أنه يورد صاحبه المهالك من أقصر طريق، فقد يعميه غلوه فى شخصٍ أو تعصبه لفكرةٍ عن رؤية الحق فى مواطن كثيرة لمجرد أنه أتى على غير هواه أو من خلاف طريقه.

 ولأن أكثر صنوف الغلو خطراً ذلكم المتعلق بالأشخاص فقد حرص الإسلام على نبذ تقديس الأشخاص أيما حرص فربى أبناءه تربية الأحرار من اليوم الأول، وإن شئت فى ذلك فصل الخطاب فتأمل  كيف حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغلو فى شخصه الكريم بقوله: «لا تطرونى – الإطراء مبالغة الحد فى المدح والثناء – كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

تأمل كيف اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرأى مراراً  وبعضهم كان أعلى فى المكانة والفضل من مخالفيه بكثير فلم يحملهم ذلك على اتهام بعضهم بعضاً بالتهم التى يتساهل فيها إخواننا اليوم تساهلاً عجيباً وما يدرون أنها تحلق الدين حلقاً.
   
تعلمون كيف اختلف الصحابة فى تفسير أمره صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة» فكان منهم من صلى فى بنى قريظة حتى بعد فوات الوقت وكان منهم من صلى العصر فى وقته وفهم أن المراد من الأمر هو حثهم على الإسراع فقط، فلم  يثرب فريقٌ منهم على من خالفه اجتهاده أو حاول حمله قسراً على ما فهم واستوعب.

ويوم حادثة الإفك تأخر الوحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  امتحاناً من ربه وتمحيصاً لصفوف المؤمنين فاستشار صلى الله عليه وسلم اثنين من خاصة أصحابه فى شأن فراقه لعائشة رضى الله عنها، فأما أسامة بن زيدٍ، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما على بن أبى طالب، فقال لم يضيق الله عز وجل عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، وعلى بقوله هذا لم يشر عليه بترك عائشة لشىء فيها وإنما كما يوضح ابن حجر: «وهذا الكلام الذى قاله على حمله عليه ترجيح جانب النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذى قيل، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الغيرة فرأى علىّ أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها».

وترى خليفة المسلمين أبابكر  فى أول أيام حكمه قد أحاط به  قطاعٌ عريضٌ من الصحابة يحاولون إثناءه عن المضى قدماً فى قراره بإرسال أحد عشر جيشاً دفعة ًواحدة  فما يزيدونه غير إصرار، وكان موطن معارضتهم الرئيسية فى قضيتين، قضية إنفاذ بعث أسامة التى كانت مركبة فى حقيقة الأمر من مادتين أولاهما الاعتراض على مقارعة الروم فى توقيت حرجٍ كانت الروم فيه فى أوج قوتها وثانيها سن أسامة نفسه الذى اعترض عليه كثيرون، والقضية الثانية فى قتال مانعى الزكاة على ماهو معروفٌ مشتهر.

حتى الرأى فى الرجال وتقييمهم، قد اختلفت فيه تقديراتهم وكلهم مجتهدٌ مأجور، فقد اختلف  مثلاً رأى عمر وأبى بكر فى شأن خالد،  ولهذا كان أبوبكر الصديق رضى الله عنه يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يؤثر عزل خالد، واستنابة أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان ليناً كأبى بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولى من ولاه، ليكون أمره معتدلاً والكلام هنا لابن تيمية فى السياسة الشرعية.

وعزل عمر «سعد بن أبى وقاص» على إثر اعتراض أهل الكوفة على شخصه، فما عزله إلا  درءاً للفتنة؛ قائلا فى شأن ذلك: «فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة».. وهو مع ذلك قد جعله ضمن مجلس الستة الذى ائتمنه على خليفة المسلمين من بعده.

واختلف المهاجرون والأنصار على فريقين يوم علم عمر أن الطاعون قد ضرب دمشق وهو إذ ذاك فى طريقه إلى الشام، فدعاهم ليستشيرهم؛ فاختلفوا فقال بعضهم‏:‏ قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه‏؛ وقال بعضهم‏:‏ معك بقية الناس وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فكان  آخر أمره آن عزم على الرجوع فلم يدخل دمشق.. وقتها عارضه أبوعبيدة بقوله: أفراراً من قدر الله؟ ورغم ما فيها من اتهام صريح فإن أحداً لم يراجع أبا عبيدة فى ما قاله، وتقبلها منه عمر بقبولٍ حسن، قائلاً: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.

ومن ذلك رفض أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه قتال محاصريه، رغم أن كثيرا من الصحابة كانوا على خلاف رأيه فى وجوب الدفاع عنه حتى الموت، مما اضطره أن يقول: أعزم على كل من رأى أن لى عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم عندى عناء من كف يده وسلاحه. وقد كانت داره يومئذ غاصة بسبعمائة، لو يدعهم لضربوا محاصريه حتى يخرجوهم من أقطارها، منهم: ابن عمر والحسن بن على وعبدالله بن الزبير كما يحكى ابن سيرين.

الفن وحرية الإبداع - اليوم السابع - 31 مارس 2012

على ذكر الفن وحرية الإبداع، أتعجب كثيراً كلما دعيت إلى ندوةٍ أُسأل فيها: هل الفن حرام؟
شريعةٌ قال مبلغها، صلى الله عليه وسلم: «الله جميل يحب الجمال» لا يمكن أبداً أن تحرم النفوس البشرية من تذوق الإبداع الفنى، وإنما هى فقط تهذب الحاسة الفنية، وتيمم وجهها شطر السمو عن نوازع الغى والفساد .. وإلا فـ«ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم»؟

والمتأمل آيات الجمال المعمارى التى خلفها المسلمون وراءهم فى الأندلس والعراق ومصر والشام، يدرك أن النفوس التى رباها القرآن، وصاغها الحديث النبوى ليست قادرة على تذوق الإبداع الفنى فحسب، وإنما تستطيع أن تبز أقرانها ممن لم ينالوا ما نالت من حظٍ عظيم، بل تفوقهم عبقرية وتفردا.

وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها، وفى الحديث «وإن من الشعر لحكمة» سواء خرج من جوف مؤمنٍ أو كافر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان إذا سمع بيت «لبيد بن ربيعة» الشهير «ألا كل شىء ما خلا الله باطل» يقول صدق، وإذا قال «وكل نعيم لا محالة زائل» يقول النبى صلى الله عليه وسلم: كذب، إلا نعيم الجنة.. لا يزول .. فعلى ذلك يقبل المسلم الحق من كل من جاء به، ونستفيد مما يحويه أدب غير المسلمين روايةً كان أو شعراً مادام المشترك بيننا البحث عن حكمة أو تهذيب نفس أو حكاية تجربة إنسانية مفيدة، وإلا لما وجدنا من ربنا سبحانه وتعالى تأكيداً على صحة الحكمة البليغة التى لقنتها «بلقيس» لقادة جيشها وأركان دولتها، وكانت حينئذ على شرك بالله واضح، فما أقرها القرآن على باطلها، ولكنه لم يُغفل أيضاً الحق الذى نطقت به «إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة» بتعقيب الله سبحانه «وكذلك يفعلون».

فليست مسألة تمييز الغث من السمين إذن هى محور القضية المثارة الآن، إنما ما يدفع به البعض من أنه حينما ننتقد روايةً أدبيةً لما حوته من مظاهر انحراف عن النهج الإسلامى أياً كانت درجة تميز صاحبها من ناحية الحرفة أو الصناعة الفنية، فإننا فى زعم هؤلاء نتغافل عن حقيقة مجتمع مصرى حوى نماذج وأنماط الشخصيات التى ترتكب من الموبقات ما لا يختلف على حرمته اثنان، فبالتالى لمَ الاعتراض؟

نقول: إن المشكلة لا تتركز فى إبراز هذه النماذج وتسليط الضوء عليها واعتبار مظاهر حياتها العابثة هى محور الرواية الرئيس، وإنما السياق القصصى هو العائق الأول فى قبول هذه الرواية من ردها، بمعنى أن القرآن الذى هذب النفوس بأحسن القصص - سواء كان ذلك متعلقا بنبى الله يوسف أو غيره - من تأمل فى سياق قصصه على اختلافها، نعم سيجد صورةً متكاملة الأركان للمجتمع بما كان عليه المشركون من تعاطٍ للخمر واستهزاءٍ بالمرسلين، وتكذيب بالبعث، وغير ذلك كثير، بل قد اهتم القرآن بسرد شبهات مناوئى الرسل ورافضى الحق بحذافيرها، لكن سياق قصصه كان يوجه بوصلة أهل التدبر للتفكير فى عاقبة ومآل هذه المخالفات البشرية بشكل لا يمكن أن يثير أفكارا مريضة أو يتسبب فى فساد فطرة.