الاثنين، 3 سبتمبر 2012

مسابقة رمضان - الوطن - 19 يوليو 2012

(وهو الغفور الودود) هكذا وصف ربكم سبحانه وتعالى نفسه، يغفر لعباده، وإن بلغت ذنوبهم عنان السماء، طالما أنابوا إليه فندموا على تفريطهم واعترفوا بذنبهم ويزيدهم سبحانه فوق مغفرته وداً منه وحباً: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا» فيتودد إليهم وهو الغنى عنهم وهم أفقر ما يكون إليه، ويتقرب إليهم وهم أبعد ما يكون عنه.. ومن تودده لخلقه سبحانه أن يتفضل عليهم بموسمٍ كشهر رمضان تُفتح فيه أبواب الجنان وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفد فيه الشياطين وينادى أن يا باغى الخير أقبل ويا باغى الشر أقصر.. طبعاً حديث نبوىٌ يحفظه الكثيرون، غير أنهم يُباغتوا فى رمضان من كل عامٍ باتساع رقعة الشر على نحوٍ يدع الحليم منهم حيران يضرب كفاً بآخر متسائلاً: هل صُفدت الشياطين فعلاً؟.. ويستفيض علماء الشريعة فى توضيح أن المقصود من الحديث هم مردة الشياطين، أى أشدهم على الخلق عتيا، أما شياطين الإنس فالكثرة الكاثرة منهم ما زالت تتقافز على الأرض فى نهار رمضان وليله!
كل المؤشرات كانت توحى للعقلاء أن الأجواء مناسبة لنستقبل شهر رمضان بروحٍ جديدة نحتاج فيها لتهدئة أعصابنا من عناء عامٍ ملىء بالاضطرابات والتأرجح والدسائس والمؤامرات، الأجواء مهيأة لاستعادة الهدوء وصفاء القلب واتزان العقل وتجديد العلاقة بالله سبحانه.. لكن يبدو أن الإعلام فى بلدنا له رأى آخر!
أتحدث عن ثمانين مسلسلاً مصرياً منها ثلاثة وعشرون مسلسلاً تنتجها الحكومة (التى ما زال كبيرها د. الجنزورى يُصدّع رؤوس المصريين بحديثه عن خطر إفلاسٍ توشك البلاد على السقوط فى مستنقعه!) ستُعرض فى رمضان، بما يقارب الخمسة آلاف ساعة على أقل تقدير، أما التكلفة فقد حددها تقرير لشبكة CNN الأمريكية بما يتخطى حاجز المليار جنيه، وما قصّرت الصحف المصرية، إذ تتحرى الدقة أكثر من ذلك وتحدد لنا التكلفة بمليار ومائتى مليون جنيه.. وسأستعيض هنا عن علامات التعجب التى انتويت وضعها بما ارتسم على وجهك أنت عزيزى القارئ من أعتى أمارات الذهول.
(سفه) فى إضاعة أموال الأمة، و(سفه) فى إضاعة أوقاتها، والأدهى والأمر هو (السفه) فى إضاعة أخلاقها! فنحن لم نتطرق إلى ما ستنضح به هذه المسلسلات من تفننٍ فى إفساد كل ما تكبده الصائمون من مشقة فى مجاهدة أنفسهم على الطاعة، وللأسف كما فى الحديث: (رب صائمٍ لا يناله من صيامه إلا الجوع والعطش).
سامح الله أساتذة الاقتصاد.. هم من علمونا التفكير بطريقة (تكلفة الفرصة البديلة).. لذا أتأمل متحسراً كل الفرص التى كنا نستطيع اقتناصها فى سباق التنمية والتعمير بآلاف ساعات البث الفضائى ومليار جنيه وجيش من الطاقات البشرية.. ما رأيكم أن تكون هذه مسابقة رمضان؟ سأستقبل على بريدى الإلكترونى مقترحاتكم بهذا الصدد على مدار أسبوع من الآن.. كل عام وأنتم بخير وإلى الله أقرب.

محاورة الند للند - الوطن - 16 يوليو 2012

«التقارب الإخوانى الأمريكى» مصطلح جديد ابتكرته قرائح القائمين على تحديث قاموس التشهير بكل من ينتمى إلى التيار الإسلامى، يثبت أن الخلاف السياسى قد تحول فى حس الكثيرين إلى عداء مستحكم مع التيار الإسلامى لا تحركه إلا الأهواء، حتى لو كان التشهير فى كثير من الأحيان عبثىٌّ متناقض.
من الضرورى أن نتفهم طبيعة واشنطون كعاصمة براجماتية من طراز فريد، تقبع المبادئ بالنسبة إلى ساستها فى الدرك الأسفل من أولوياتهم؛ فلم تكن لتكترث بديكتاتوريات قائمة فى مصر وتونس وغيرهما طالما ظلت مصالحها الحيوية آمنة غير مهددة، وإن كان لها ثمة اعتراض تبديه بين الحين والآخر فكان فقط من قبيل مساحيق تجميل لستر تناقضها أمام شعبها وشعوب العالم، وأيضاً تتيح لها فرض مزيد من الهيمنة عالمياً بزعم الاهتمام بنشر الديمقراطية. لذا؛ وبعد أن بوغتت بسلسلة ثورات الربيع العربى تسحب البساط من تحت أقدام نفوذها، ويتساقط رجالها الواحد تلو الآخر وعلى رأسهم (مبارك)، فقد استوعبت الصدمة سريعاً وعمدت إلى إعادة ترتيب الأوراق وتغيير (التكتيكات) فى محاولة لاستكشاف طبيعة التحول الذى طرأ على المنطقة العربية ومن ثم رسم سياساتها الجديدة التى تحفظ لها استمرار رعاية مصالحها الحيوية... و الذى يهمنا من وراء ذلك هو إدراك عبث من يحاول جهده وصف زيارة كلينتون بالتقارب أو التأييد الأمريكى للتيار الإسلامى.. وصف يقترب فى سذاجته من الذى ما زال يعتقد أن ثمة عداء حقيقى مثلاً بين واشنطون وإيران.. وإن كانت هذه العلاقة تحتاج إلى مساحة أكبر فى التحليل ستخرجنا عن سياق حديثنا.
وبالطبع لست أقصد بذلك اعتراضاً على تظاهر بعض جموع الشعب المصرى فى استقبال كلينتون؛ فهكذا الحال مع أى مجتمع يحافظ على حقه فى الاعتراض والاحتجاج السلميين ليصل صوته إلى من يهمه الأمر؛ فرجل الشارع متحررٌ من حسابات الساسة وتوازناتهم؛ فلن يستاء من احتجاجه إلا أنظمة القهر التى جثمت على صدره بغير إرادة منه.. أما الحكومات المنتخبة فقد تستغل تصعيد الشارع ضد الولايات المتحدة وسياساتها كظهير لها أثناء المباحثات والتفاهمات... وهذا هو ما ينبغى أن يشغلنا الآن: أن نأخذ بزمام المبادرة ونرتب نحن قائمة الأولويات وفق مصالحنا.. فلنحسن إذن لغة الأقوياء ومحاورة الند للند، التى ورثناها كابراً عن كابر تراثاً إسلامياً وإباءً عربياً.. أما الارتماء فى أحضان الأمريكان فخصلة نفاق لا نحسنها ولا تليق بنا، بل قد تشرّب بها آخرون كان الواحد منهم لا يستحيى أن يطلب علناً من سادة البيت الأبيض التدخل المباشر فى مصر، وليت شعرى لِمَ لمْ نسمع من هؤلاء صوتاً حينما سربت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تفاصيل اجتماع الفريق شفيق إبَّان حملته الانتخابية الثانية برجال أعمال فى الغرفة التجارية الأمريكية وذكرت أن شفيق أكد أنه لم يندم أبداً عند وصفه للرئيس السابق مبارك بأنه قدوة وأن الحاضرين انفجروا من التصفيق بعد هذه الكلمة.
ويثور سؤالٌ آخر: هل لو كان شفيق هو الذى يتولى زمام القيادة وزارت كلينتون البلاد زيارتها الروتينية أكنَّا سنسمع لهؤلاء صوتاً؟

كان الاختبار حتمياً - الوطن - 12 يوليو 2012

لن أنسج على منوال الكثيرين ممن استفاضوا طيلة الأيام الماضية فى بحث قرار الرئيس بعودة مجلس الشعب للانعقاد من الناحية القانونية المجردة.. ليس فقط لنفورى الشخصى من توصيفٍ تقليدى لظروفٍ غارقة فى الاستثنائية، وإنما -وعلى الرغم من إيمانى بأهمية إعلاء قيم دولة القانون- لأنى على يقينٍ تام من أن لـ«الشرعية المصطنعة» رجالاً قادرين على تأويل نصوص القانون حمالة الأوجه كيفما يحلو لسادتهم وكبرائهم.. فإن الخلاف من وجهة نظرى ليس على قانونية القرار؛ فقليلون هم من طالعت رأيهم وأحسست فيه بالنفس القانونى المتجرد عن الرغبات الشخصية، علاوةً على إصرار المحكمة الدستورية الزج بنفسها فى صراعٍ سياسى تلعب فيه دور (المحلل) للمجلس العسكرى، ولا يدخر الثنائى (الجبالى والزند) وسعاً فى الإعراب ليس فقط عن عداءٍ منقطع النظير لرأس السلطة التنفيذية المنتخب، بل فى الإتيان على مبدأ حيادية القضاء من القواعد إلى حد أن يبلغ الزهو بالجبالى مبلغه وهى تصرح بدور المحكمة الدستورية فى ضمان سيطرة المجلس العسكرى على مقاليد الحكم.. فعلام إذن أطيل النفس فى التنقيب عمن أيد ومن عارض وقد لاح لكل ذى عينين أن المسألة كانت منذ البداية وربما ستظل إلى أجلٍ غير قريب تنازعا سياسيا بامتياز،0 يسعى فيه كل فريق إلى إثبات وجوده وتوسيع نطاق نفوذه.
ففى عالم الأقوياء إذا ما لم يستطع فريقٌ بعينه أن يحسم معركة القيادة لصالحه من الجولة الأولى، فإنه سيحرص على القبول بفكرة تحديد نطاقٍ من النفوذ لا يتعداه هو أو خصمه، فلا يتورط فى نزاعٍ يستنزف طاقته مع من يماثله أو حتى يقترب منه فى القوة، ما دامت مناطق النفوذ غير مهددة. ولما كان تحديد نطاق النفوذ هو ترجمة ضمنية لقوة كل فريق، فسيسبقه ولا بد اختبار يقيس هذه القوة سواءٌ أتى اتفاقاً أو عمد أحد الطرفين إلى أخذ زمام المبادرة وقرر القيام بإجراءٍ يختبر به قوة خصمه.
لذا فإن قرار مرسى بعودة البرلمان كان بمثابة اختبار القوة الحتمى الأول الذى اختار أن يكون هو من يبادر به.. وقد كانت الإشارة إلى عودة مجلس الشعب المنتخب مبكرة وواضحة ًجداً فى ثنايا خطابه أمام جامعة الأزهر؛ إذ لا أتصور أن جملة كهذه يمكن أن تكون مرتجلة أو مقحمة على الخطاب فى توقيتٍ شديد الحساسية وأجواء تربصٍ تحدق بالرئيس منذ اليوم الأول. وبشىء من المنطقية فى التفكير يمكن حتى لغير الخبير أو المطلع أن يتخيل ما دار فى كواليس المجلس العسكرى من تحليلٍ لهذا الخطاب ولغيره، وبالتالى من استعدادٍ وفق نظرية تحديد نطاق النفوذ لرد الفعل المناسب.
وإذا كان من حقيقة لا بد أن أذكر بها، فلتكن أن الصلاحيات لا تستجدى وإنما تكتسب برفق أو تنتزع عنوةً، وأظن أن مرسى والمجلس العسكرى كليهما ليس لديه الرغبة فضلا عن النية لتجربة فكرة الانتزاع بالقوة.. وبالتالى فإن تحديد نطاق النفوذ عبر سلسلةٍ من اختبارات قياس القوة هى النظرية الأقرب للحدوث.

بين خوف الحرص وخوف التربص- اليوم السابع - 4 يوليو 2012

كان طبيعيا أن نعيش وقت انتخابات جولة الإعادة أجواء مشحونة بالتربص وارتفاع نبرة التراشق وشيئا من توتر العلاقات بين أبناء الوطن الواحد؛ والتعليق عليها بأنها كانت «طبيعية» –وإن كانت تمزق نياط قلوب من أشربوا حب هذا الوطن– لائق ٌ من وجهة نظرى وإن كان الظرف كله استثنائيا، لأن المنافسة وقتئذ كانت محتدمة بين مرشح التيار الإسلامى وآخر يقف فى خانة عداء غير مستتر للثورة.. وهذه الثنائية رغم حرصنا على تجنبها منذ البداية بانحيازنا فى الجولة الأولى لمرشح آخر، ورغم أن أشد المتشائمين لم يكن ليتوقعها، إلا أنها لم تخلُ أيضا من فائدة، بل من عدة فوائد إن شئت الدقة، فقد ساعدت بشكل كبير على هتك أستار من تغنى بأشعار الثورة وتسربل بأغطيتها وأعلامها والحق أن له فيها مآرب أخرى! وأثمرت أيضا إظهار معادن أُناس تحلوا بوطنية حقيقية وقد كانوا على طرف النقيض من المشروع الإسلامى برمته، لكن إخلاصهم للثورة وأهدافها حسم خيارهم وانحيازهم بمنتهى الوضوح.

وتوقعنا لأجواء التربص تلك أن تنقشع بعد إعلان النتائج الرسمية وأن يتنفس الشعب المصرى الصعداء على إثر ذلك ليتفرغ لمعركة البناء ملتفا حول رئيسه الجديد، لكن المثير للدهشة حقيقة أن ثلة من كتاب وساسة وإعلاميين أبوا إلا أن يتحول «مناخ التربص» إلى أسلوب حياة يفترض أن نتعايش معه كنوع من العقاب الجماعى.. والتربص الذى أعنيه هو ذلك الذى يستفيض فى طرح مخاوف وهمية لا رصيد لها واقعيا على أسماع الناس، ولا مانع أن توشى ببعض الأكاذيب على غرار «ابن مرسى يسلم الغنوشى درعا رئاسيا فى مطار القاهرة بتكليف من والده»! ويرهب الرئيس المنتخب بإرادة حرة إرهابا فكريا عبر سيل من عبارات التهديد والوعيد ظاهرها الممارسة الديمقراطية وباطنها تربص الدوائر!.. تربص من عينة أن نحصى كم مرة ذكر فيها الرئيس كلمة «مدنية» فى خطابه، وأغفل من خطابه ذكر الفئة الفلانية، وغير ذلك كثير وكأنها ضربات استباقية إجهاضية لوأد أى محاولة تهدف إلى تجميع المصريين على كلمة سواء رغم محاولات بذلت ولازالت لمحو آثار الفُرقة التى كانت.

ولكى يفهم كلامنا فى سياقه الطبيعى ولا يذهبن خيالُ أحد إلى تحميله ما لا يحتمل، نحتاج أن نتفق سويا على أن تقديس الحكام كان صناعة شيطانية وتقليدا لا إنسانيا توارثته البشرية كابرا عن كابر حتى أتت عليه الشريعة الإسلامية من قواعده فنسفته نسفا، ففى الوقت الذى ما كانت الدنيا تسمع بغير الأكاسرة والقياصرة والأباطرة، كان أبو بكر الصديق يفرق بين كونه ثانى اثنين فى الغار ينزل بشأنه وحى قرآنى وبين كونه مسؤولا سياسيا يصيب ويخطئ، فيقول فى خطاب توليه «فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى» ووقفت الدنيا مشدوهة تنصت لخطاب «ربعى بن عامر» وأصحابه طلائع الفتح الإسلامى فى وجه «رستم» ممثل الديكتاتورية الفارسية، يوم قال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله»، بل قد ذهب علماء المسلمين أبعد من ذلك قبل ما يوم دخل أبو مسلم الخولانى، على معاوية بن أبى سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك: أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.. أذكر ذلك لئلا يزايد علينا أحدٌ بقيم الديمقراطية الحديثة معرضا عن حقيقة أن نظام الإسلام فى محاسبة الحاكم سبق غيره بقرون.

مناخ التربص الذى يحاول البعض تعميمه ليصبح المشهد المسيطر على المصريين لا ينم إلا عن طاقة سلبية محتشدة فى النفوس، أرى أنه لابد أن تفرغ فى ممارسة تنموية تركز الجهد على الإصلاح بدلا من التفرغ لصراعات تصفية الحساب.. وجه نقدك للرئيس كما تشاء، وأظهر تخوفك كما تحب.. لكن ميّز بين خوف الحرص، وخوف التربص.

الشرعية المصطنعة - اليوم السابع - 23 يونيو 2012

ثمة فارق هائل بين شرعية «مكتسبة» وأخرى «مصطنعة»، فالأولى تمثل نتاجاً طبيعياً لحقٍ واضح لا يمارى فيه أحد، أو لإجماع شعبيٍ أو حتى توافقٍ على أقل تقدير ويأتى تلقائياً بغير فرضٍ أو إكراه، ويعبر عن اقتناعٍ حقيقى لا يحتاج المرء بذل كبير جهدٍ ليشعر به، أما الشرعية «المصطنعة» فهى تلك التى دائماً ما يراهن أصحاب عقلية القهر ومنظرو منطق الاستبداد على قدرتهم أن يجعلوا منها نسخةً متطابقة من الشرعية الطبيعية المكتسبة مستعينين بتجييش ترسانةٍ ضخمة من أجهزة إعلام مزيفةٍ للحقائق، وكتابٍ ومفكرين وساسةٍ باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس، وقانونيين احترفوا تفصيل القوانين على مقاساتٍ بعينها... وقائمة طويلة تشمل للأسف أيضاً فقهاء سلاطين، ونجوم مجتمع وغيرهم، حتى تكتمل للصناعة أركانها.
ورغم دأب المجلس العسكرى على محاولة «اصطناع الشرعية» الذى كان ملاحظاً بشكلٍ كبير فى ما مضى، لكن خطواته المحمومة المتسرعة خلال أسبوعين اثنين فقط لاسيما مع أخريات عهده بالسلطة من ناحية الجدول الزمنى «النظرى» للفترة الانتقالية، لا يمكن أن يخطأها أحد.
حقيقة ً لست من أنصار أن ينقسم الناس إلى فريقين أحدهما يرى نظرية المؤامرة مكتملة الأركان مع كل خطوةٍ يخطوها فيبالغ فى تقدير حجم خصمه ومن ثم يترك الإحباط يفترسه افتراساً، والآخر يرفض بشدة افتراض أن ثمة مكر يحاك من خلف الأستار فينعكس ذلك عليه غفلة ً تورده المهالك، بل التوسط فى النظر للأمور هو أسلم منهجٍ للتحليل لاسيما فى الأوضاع بالغة الاضطراب التى نحياها.
ومن هذا الباب يسعنا القول إن ترتيب الأحداث وخروجها من جهةٍ محددة تتراوح بين المجلس العسكرى وبين بقايا منظومة العهد البائد، وفى أزمنةٍ متلاحقة يجعلنا أمام سياقٍ واحد يمكننا أن ننظم فيه الأحداث حلقاتٍ تقودنا إلى الخطوات التى انتهجت لاصطناع شرعية زائفة، ومن ثم يصبح من الصعب علينا أن ننتزع إحداها للحكم عليها بمعزلٍ عن باقى الحلقات.... فبدايةً كان الحكم التاريخى بين التناقض فى قضية قتل المتظاهرين، وأعقبه فى ظرفٍ مشبوه قانون الضبطية القضائية الذى جعل الشعب المصرى كله رهن الاعتقال فى أى لحظةٍ، ثم الحكم بحلِ البرلمان وطباعة الحكم ونشره والعمل به فى ساعاتٍ معدودات ٍ تأكيداً على كونه حكماً دُبر بليلٍ، وأعقب ذلك إصدار إعلانٍ دستورى لا شرعى من قبل المجلس العسكرى يمثل أقصى درجات اصطناع الشرعية التى أشرت إليها آنفاً، وأخيراً سلوك اللجنة العليا للانتخابات المثير للريبة بتأخيرها إعلان النتائج أسبوعاً كاملاً بعد تأكيد أكثر من جهةٍ محايدة ٍعلى أحقية د مرسى بالفوز، فيصبح أمراً طبيعياً غير مستهجن أن تساور الشعب المصرى الشكوك حيال التأخير غير المبرر لإعلان النتائج الرسمية من منطلق كاد المريب أن يقول خذونى.
أما الشرعية الحقيقية التى اكتسبتها الثورة بتأييد جماهير الشعب المصرى لها والتى انصبغت بها بعد ذلك المؤسسات التشريعية، فلم تستمد من دستور فقد شرعيته بثورة الناس على نظامٍ وضعه، ولم تستمد من إجراءاتٍ قانونية يسهل على المحامى الحاذق البحث عن ثغراتها، ولم تستمد بقرارت أو تعيينات أو بيانات.. شرعية أتت من طريق دماء الشهداء وآلام الجرحى وأنات شعبٍ كريم ذاق صنوف الذل عقوداً بين قتلٍ جماعى وتعذيبٍ ومتاجرةٍ بقوته حتى بلغ منه الغضب مبلغه.. شرعيةٌ أتت من وقوفٍ فى وجه الظالم حتى انتزع منه الحق انتزاعاً.
الشرعية لا تُصنع، لا تباع، لا توهب.. فقط تُكتسب.

على من ثرنا إذن؟ - اليوم السابع - 16 يونيو 2012

على من ثرنا إذن طالما كان النظام السابق يُعاد استنساخه بكل أركانه ورموزه، بل وخطاياه؟ على من ثرنا إذن، ونحن نسمع دوى آلة إعلام النظام القديم يكاد يصم الآذان، آلة تعمل بكامل طاقتها لتزييف وعى الشعب.. نفس الآلة الإعلامية التى تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، حتى كلمة الرئيس المخلوع ما عدنا نسمعها إلا فيما ندر ليحل محلها بسماجة منقطعة النظير الرئيس السابق، وكأنه لا يقبع الآن فى محبسه كسيراً ذليلاً.

وأزعم أنه لولا بقايا من ورق توتٍ تستر السوءات لصكت مسامعنا جملة «بناء ًعلى توجيهات سيادة الرئيس» الشهيرة!!!! لكن، لا بأس، فقد استعاضت عنها بعض الصحف بمذكرات «فخامة» الرئيس السابق!!!! فظننت وأنا أطالعها -وبالطبع تجشمت عناءً كبيراً وأنا أفعل- أن توجيهات سيادته وآرائه مازالت تحوطنا برعايتها!!

نفس عبارات التهديد والوعيد التى كنا نسمعها من قبل، ويتضح لك بمرور الوقت أنها لا تختلف على مرَّ العصور... فمن عهد الفرعون إلى وقت الناس، هذا طالما كانت «عقلية القهر» هى المسيطرة على النظام الحاكم، وما أشد تشابه جملة «أنا أو الفوضى» بسابقتها «إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد».

على من ثرنا إذن... إذا كان «شفيق» شاهداً و«البلتاجى» متهماً فى موقعة الجمل.. وأىُ عبثٍ مخيف هذا الذى يقلب الضحية جلاداً والقاتل بريئاً والواقع، وهماً فى نفسٍ واحد؟ فإذا كانت أصابع الاتهام الآن تشير ببجاحةٍ غير مسبوقة إلى الإخوان، فهل هذه إرهاصاتٌ يمكن أن نستقرئ من خلالها بوضوحٍ تام ملامح الحكم البوليسى القادم فى نسخته الجديدة؟.. تلفيق قضايا، طمس أدلة، شراء ضمائر، تزييف وعى.. وقائمة ٌ سوداء طويلة لن أكون بأبرع فى سردها ومعرفة خباياها من زبانية أمن الدولة... أمن الدولة الذى يعود مكشراً عن أنيابه وتعلو وجهه ابتسامة شماتةٍ مقيتة، شماتة من عاد لينتقم من شعبٍ بأكمله.. لاسيما وكبيرهم الذى علمهم قواعد الفساد قد خرج إليهم معاف فى بدنه آمناً فى قصره شامتاً فى ثورة بلده!
لماذا ثرنا إذن؟ وقد تبين بعد عامٍ ونصف العام أن كل مكتسبات الثورة -إن كانت هنالك مكتسبات أصلا- أصبحت أثراً بعد عين.. مجلسٌ تشريعىُ مكبل الخطوات، مهدد بالحل منذ يومه الأول، تحاصره أزماتٌ متراكبة بعضها فوق بعض، ثم أريد له يوم الخميس الماضى أن يكون مثالاً يتندر به، كيف أن هذا الشعب لما ظن يوماً أن له الحق فى اختيار من يمثله ويدافع عن حقوقه، استفاق من حلمه الجميل على واقعٍ أليمٍ مرير.

الحيادية والبعد عن التمييز بين المتقاضين هى أبرز سمات القضاء العادل، ومن ثم فإن ابتعاده عن أى تصنيفٍ هو الضمانة الرئيسية لاستمرار حياديته.. هذا المنطق أتى عليه من قواعده المستشار الزند الأسبوع الماضى، فخَّر السقف على رؤوسنا أو كاد، وتوجسنا شراً من القادم... لكن أحداً لم يتخيل أن يكون السيناريو بهذا السوء!

ومن ذا الذي ينتظر حكمًا ؟ - اليوم السابع - 6 يونيو 2012

رُكامٌ هائلٌ من الإحباط تزدحم داخله ركاكة الألفاظ مع اللحن فى أبسط قواعد العربية ويضاف إليهما مخالفة بدهيات المنطق السليم، ناهيك عن «عُجمة» فى التعامل مع آياتِ قرآن ٍشهيرة يتداولها القاصى والدانى.. وعلى قمة ذلك كله تخفق راية الظلم البين.. صورةٌ على الرغم من قتامتها، تُلخص ما ظفر به المصريون من خيبة أمل بعد انقضاءِ عامٍ ونصف العام من الثورة كنا نسلى خلالها أنفسنا أن يوماً مشهوداً تقتصُّ فيه الضحية من جلادها آتٍ لا ريب.

ولكى أكون منصفاً فلن أنسب الفضل كل الفضل للحكم «التاريخى» وحده، بل الحق أنه قد سبقه جهدٌ منظم ٌ وسياسةٌ واضحة المعالم تعاور على تنفيذها قنوات ٌ فضائية وصحف ومفكرون وسياسيون ومجالس وهيئات.. كلهم ما قصَّر مشكوراً فى تهيئة المناخ المناسب لاغتيال الثورة بهدوء، بعد دسِّ كمية المخدر المناسبة لتمنع حالة هيجان «الأدرينالين» الشعبى.

سياسيون ومفكرون روجوا علينا ولاءً مزعوماً للثورة، وقنواتٌ فضائية حسبها المصريون بإحسان ظنٍ أنها والثورة جسد واحد، وهم فى الحقيقة كانوا يقومون بواجبهم فى تزييف الوعى الشعبى على أكمل وجه، وبلغ خداعهم مبلغه أثناء معترك الانتخابات الرئاسية فأوهمونا انتهاجهم الحياد ووقوفهم مذبذبين بين المتنافسين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. ثم لمَّا حصحص الحق واستلزمت الأمور مواقف محددة وما عاد إلا خندقان واحدٌ للثورة والآخر لأعدائها، إذا فريقٌ منهم يسفر عن وجهه القبيح ويجاهر بعداوته، وفريقٌ آخر لازال مصراً على سياسة التهوك وإمساك العصا من المنتصف فى وقتٍ يتطلب شجاعة الحسم وإن أورثتك نقمة الناقمين.. جميلٌ جداً أن تتساقط الأقنعة الآن كأوراق الخريف لتستبين سبيل ُالذين يتاجرون بدماء الشهداء وآهات الثكالى، فيحيا من حى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
ومن عجيب الأمر أننا لو بذلنا الغالى والنفيس وعصرنا أذهاننا واستفرغنا وسعنا بحثاً عن فكرةٍ ننفخ بها الروح فى جسد الثورة الغافى، ما كنَّا لنصل أبداً لنفس النتيجة «المبهرة» التى وصلت إليها محاكمة مبارك وأعوانه.. فلعمر الله قد استثار هذا الحكم حفيظة المصريين وألهب حماسهم ووحد صفوفهم بأكثر مما تفعل عشرات الخطب العصماء ومئات الاجتماعات وآلاف المقالات.. لحظة فريدة يتحرر فيها زبانية «أمن الدولة» من قبضة العدالة لعدم كفاية الأدلة، ولو أنصفنا لكان «تواتر» الأخبار عن حياتهم الحافلة بالبطش والتعذيب والتنكيل قائماً مقام الأدلة المادية.. لحظة فريدة قد يكون فيها الحكم بإدانة من فاق أعتى مجرمى الحرب قسوةً ووحشية هو نفس الحكم الذى يحمل فى طياته براءته المتوقعة حال النقض.. لكنها مع كل ذلك ستبقى لحظة فريدة قد تكون فيها الركاكة لا الفصاحة، والعبث لا المنطق والظلم لا العدل مفاتيحَ حريتنا وخلاصنا.. ولله فى خلقه شؤون وتدابير.. أمَّا حكم النقض فمن ذا الذى ينتظره؟ قد فرغ الشعب من النظر فى قضيته ويتداول الحكم الآن فى ميادين التحرير المختلفة، وسيعلن حكمه هادراً مدوياً واجب النفاذ لا يقبل الأخذ والرد فضلاً عن الطعن.. سيعلنه فى مليونيات حاشدة واعتصاماتٍ متوالية لن تبرح الميادين هذه المرة حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً.