الاثنين، 3 سبتمبر 2012

هكذا قرروا .. 2 - اليوم السابع - 6 أغسطس 2012

وأبعد ما يكون قصدى من وراء تدبيج هذه المقالات مجرد سرد أحداث أو وقائع مرتبة حسب التسلسل التاريخى فلهذا مكان آخر تبسط فيه، وإنما غرضى الأساسى هو إماطة اللثام عن المنهجية المتبعة فى إدارة شؤون الدولة و«أصول الحكم فى الإسلام» عن طريق تحليل أبرز القرارات السياسية المصيرية فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
وقد بدا لى أن نعرض أولاً لتحليل القرارات السياسية التى أديرت بها الأزمات قبل غيرها من القرارات وذلك لأنه «لا تختبر أى إدارة اختبارا جيدا إلا فى مواقف الأزمات» كما يذكر جيرى سيكيتش فى كتابه «جميع المخاطر»..... والحق أن أزمة «طاعون عمواس» وكيفية تعامل عمر بن الخطاب ومجلسه الاستشارى حيالها تعد أنموذجاً فريداً لمبادئ إدارة الأزمة ودرساً فى أصول صناعة القرار السياسى المصيرى فى أحلك الظروف وأشدها، لاسيما مع امتداد مساحة تأثير هذا القرار وتبعاته على كل دول الخلافة الإسلامية فى هذا التوقيت.
وتبدأ فصول الأزمة حينما قرر عمر بن الخطاب بوصفه رئيساً للدولة الخروج فى زيارة تفقدية للشام أحدث الولايات المنضمة إلى الدولة الإسلامية مصطحباً معه كبار رجال دولته ومستشاريه.. وربما قد بلغه تعرضها لمرض وبائى «الطاعون» إلا أن المعلومات التى توافرت لديه وقتها لم تكن مؤَكِدةً على اقتراب درجة الخطورة من «الكارثة» لتثنيه عن القيام بمهمته... حتى إذا كان بمدينة تسمى «سَرْغ» على مقربةٍ من الشام، استقبله وفدٌ رفيع المستوى من وزرائه وقادة جيوشه بالشام على رأسهم: أبو عبيدة بن الجراح، فكان أن أطلعوه على آخر تطورات الموقف بمنتهى الدقة، فأخبروه بانتشار الطاعون فى الناس بمعظم أرض الشام بشكلٍ غير مسبوق حتى عظمت أعداد ضحاياه.... هى إذن أزمة بدأت تتضح ملامحها وبدأنا نعايش أجواءها، لاسيما وقد اكتملت أركانها، وفق ما حدده محمد صدام جبر فى كتابه «إدارة الأزمات: نظرة مقارنة بين النموذج الإسلامى والنموذج اليابانى» إذ يقرر خمس نقاط هى الأبرز فى سمات أى أزمة:
1 - الإدراك بأنها نقطة تحول
2 - تتطلب قرارات سريعة.
3 - تهدد أهداف وقيم الأطراف المشاركة بها.
4 - فقدان أو ضعف السيطرة على الأحداث.
5 - تتميز بضغط عامل الوقت والشعور بالضبابية والاضطراب مما يولد القلق.
لكن الغريب فى الأمر ليس فى استيعاب عمر هذه السمات من فوره واستدعائه على إثر ذلك أركان مجلسه الاستشارى الذى تحول بفعل الظرف الراهن إلى «فريق إدارة الأزمة» لدراسة المعطيات الجديدة، إذ إن هذه تبقى نقطةً ثانوية إذا ما قورنت بطبيعة تشكيل المجلس الاستشارى نفسه أو حتى بمراحل صناعة القرار التى أبهرنا بها عمر ورسم بها ملامح المنهجية التى تكلمنا عنها.
فعادةً ما كان مجلس عمر الاستشارى ثرياً بأنماطٍ مختلفةٍ من صناع القرار، فيشمل الفقهاء وقادة الجيوش وكبار القادة السياسيين ورموز المجتمع، وكان يولى مشورة النابهين من الشباب والنساء اهتماماً بالغاً، وكان كافياً فى ظل الظروف العادية أن يدعو عمر المجلس الاستشارى للانعقاد بكل أعضائه جملةً واحدة، وتكون الشورى المنتهية بالتصويت هى الآلية المتبعة لاتخاذ القرار، لكنه فى ظل «الأزمة» اتبع «تكنيكاً» مختلفاً إلى حدٍ كبير. فقد عمد إلى تقسيم مجلسه هذه المرة إلى ثلاثة أقسامٍ مختلفة، المهاجرون الأولون ثم الأنصار وأخيراً أشياخ قريش من مسلمة الفتح، يعقد مع كل فريقٍ منهم اجتماعاً مستقلاً يستعرض فيه الأزمة وينصت إلى مناقشاتهم وما انتهوا إليه من رأى، ثم يقوم إلى الاجتماع الذى يليه.. أما التفاصيل فلها حديث آخر.

رمضان ومعاني الإحسان 5 - الوطن - 6 أغسطس 2012

«بذل الندى وكف الأذى».. عبارةٌ على اختصارها قد استوعبت ثانى دروس الإحسان التى وقفنا نقلب صفحاتها رمضانية النكهة فى المقالة السابقة.. وهى العبارة التى تناقلها علماء السلوك جيلاً بعد جيل يجيبون بها كل من سألهم عن معنى الإحسان إلى الناس، ويقصدون من ورائها أن يبذل الإنسان المعروف للناس بكل معانيه وأن يكف عنهم فى الوقت ذاته كل معانى الأذى أيضاً.. وحقيقةً لو لم يكن من باعثٍ لهمّة الإنسان على الإحسان إلى الناس سوى الظفر بمنزلة «والله يحب المحسنين» أو الخجل من تأنيب «وأحسن كما أحسن الله إليك» لكان كافياً.
وقد تتبعنا سوياً بذل الندى وكف الأذى بالاستقراء من أحاديث الصيام حتى وصلنا إلى حديث «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إنّى امرؤ صائم»، والأصل أن الامتناع عن إتيان هذه الخصال متأكد فى رمضان وغيره؛ فليس المؤمن بصفةٍ عامة طعاناً فى الناس ولا لعّاناً لهم وليس بفاحشٍ أو بذىء؛ لذا يسعنا القول إن هذا الحديث قد جمع أصول كف الأذى عن الناس قولاً كان أم فعلاً ودرّب النفوس عليها، بل وزاد عليها درجة «الحِلْم» التى يسعى لتحصيلها المحسنون فى رمضان.
و«الحِلْم» خلقٌ يحب الله سبحانه لعباده التخلق به؛ فلقد أثنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أشج عبدالقيس بقوله: «إن فيك خلتين يحبهما الله». قلت: «وما هما يارسول الله؟»، قال: «الحلم والأناة».. ومعنى الحلم -ببساطة- قدرة الإنسان على التعقل وكبح جماح نفسه (السيطرة على نفسه) عند الغضب، وكفها عن مقابلة الإساءة بمثلها والإعراض عن سفاهة المتطاولين.. ومن أشهر ما قيل فى الحلم:
يخاطبنى السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما
كعود زاده الإحراق طيبا
وإذا كان معلوماً أن مدرسة رمضان تحرص على أن يكون «الصبر» بكل صوره هو الركيزة الأساسية لمنهجها التعليمى التربوى للصائمين، فيبدو عند التأمل أن خلق «الحِلْم» ما هو إلا امتدادٌ طبيعىٌ لكل معانى الصبر تلك؛ فالصبر الذى يتعوده الواحد منا بطول معاشرة لمعانى الصيام هو الذى يساعد بالتأكيد على تكوين شخصيةٍ قادرةٍ على تحمل أذى الناس فى رمضان وغيره، أضف إلى ذلك استصحابك لحديث «إنما الحلم بالتحلم» ليكون الإعلان بذلك جاهزاً عن دورة تدريبية مكثفة تفتح الباب على مصراعيه أمام كل من تأسف إن لم يجد من نفسه قدرةً على الحلم ابتداءً، ومن ثم يصبح تحقيق حديث «الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذى لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» سهل المنال.
أما المعنى الثالث الأخير من معانى الإحسان، فقد كفانا جبريل مؤنة السؤال عنه وأجاب عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».. لكن مجال بسط ذلك مقال جديد.. وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 4 - الوطن - 2 أغسطس 2012

قارب شهر رمضان على الانتهاء، وما زالت رحلتنا دائرة فى فلك (الإحسان) تأبى أن تغادره حتى تفرغ من التطواف بكل معانيه، لنحقق الشرط الذى تعاهدنا عليه منذ البداية: (أن تمتد مساحة التعلم لتؤثر على سلوكك بعد رمضان ليصبح الإحسان عادةً ووصفاً ملازماً لك أينما حللت، إذ إن علماء النفس يؤكدون قدرة الإنسان على التخلص من عادةٍ سيئة أو اكتساب أخرى جيدة إذا ما تكلف المواظبة على فعلها أو الإمساك عنها لمدة واحدٍ وعشرين يوماً متتالية.. فما بالك بثلاثين؟).. وقد كان الإحسان إلى الناس هو آخر معنى وقفنا عنده.
وذات أحاديث الصيام التى لا يجهلها منَّا أحد هى محور حديثنا المتجدد، لكن المثير للدهشة أنها تحوى أبعاداً مختلفة تبهرك كلما طالعتها من زاويةٍ مختلفة، فمن منَّا مثلاً ليس فقط يحفظ، بل يتبارى فى تحقيق حديث النبى (صلى الله عليه وسلم): «من فطر صائما كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شىء»؟.. الحديث الذى يدرب النفس البشرية على بذل الإحسان للناس فى واحد من أرقى صوره وأفضلها، فالذى يدعوك إلى طعامِ إفطارٍ قد أعده متحمس إلى أقصى درجة لنيل هذا الثواب سهل المنال، والمدعو للإفطار متحمسٌ بدوره لا يجد فى ذلك تقليلاً لمروءته لعلمه أن ذلك لا ينتقص من ثوابه شيئاً، فالإحسان بين الطرفين متبادلٌ، إذن فقراء كانوا أو أغنياء، أصدقاء أم فرقاء.. والحق أنه تدريبٌ عملى لما سبق وأن حضّ عليه النبى (صلى الله عليه وسلم) فى أول أحاديثه بالمدينة: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام).
ويتكرر الحث على (إطعام الطعام) كصورةٍ من صور الإحسان فى نهاية الشهر الكريم، لكن بصورة التكافل الاجتماعى الإلزامى هذه المرة، وذلك حين فرضت الشريعة على المسلمين إخراج (زكاة الفطر) تطهيراً لصيامهم مما قد شابه، ولا ريب من أوجه التقصير والتفريط، وهى فى هذا قد عمدت أن تشير إلى الإحسان للفقراء تحديداً، وقبل مناسبة يتهيأ فيها الجميع للاحتفال والابتهاج بيوم فطرهم، لعل ذلك أن يحدث الأثر المطلوب فى ترابط المجتمع وتماسك بنيانه، بغرس الإحسان إلى الفقراء فى نفس كل ميسور الحال.
أما قوله (صلى الله عليه وسلم): «الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل» فنوعٌ آخر من تهيئة النفوس وإعدادها لأقصى درجات الأدب وحسن الأخلاق مع الناس، فهو أولاً (صلى الله عليه وسلم) قد عمد إلى النهى عن التلفظ بالفاحش والردىء من الكلام (الرفث) والذى يشمل كل أنواع السباب والشتيمة والسخرية من الآخرين والغمز واللمز والكذب والغيبة والنميمة، ونهى عن الابتداء بالجهل على الناس أى التطاول عليهم بسفهٍ غير مبرر فى قوله: (ولا يجهل) وزاد على ذلك (صلى الله عليه وسلم) أن يمتنع الصائم عن رد الجهل والتطاول عليه بمثله: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى امرؤ صائم» وهو ما يُعد تمريناً عملياً متكرراً على اكتساب صفة (الحلم).
(وإنى لمشتاق إلى ظل صاحب.. يرق ويصفو إن كدرت عليه)
.. وللحديث تتمة

رمضان ومعاني الإحسان 3 - الوطن - 30 يوليو 2012

وقبل أن يغادرنا معنى (الإتقان) يأبى إلا أن يتحفنا بمثال آخر؛ بل ربما يكون أحد أبرز أمثلة رمضان؛ ففى نهايات الشهر الكريم كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا دخلت أيام العشر الأواخر «أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر)؛ وقد وضح المفسرون أن عبارة (شد المئزر) هى كناية عن اعتزاله زوجاته رضوان الله عليهن تماما فى هذه الليالى؛ وما ذلك إلا لفرط اهتمامه بالتركيز على تحصيل كل خير ممكن فيها لعله بذلك يصيب ليلة القدر؛ وما ذلك إلا لكون العبادة والتقرب إلى الله فيها خير من ألف شهر كما نصت الآية الكريمة؛ فمن تمام (إتقان) العبادة لمن أدرك هذه الليلة إفراغ القلب من كل شاغل يمكن أن يعيقه عن الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من الخشوع وتدبر الآيات واستحضار القلب عند الدعاء.
بل إن إبهام ليلة القدر وترك تحديدها على وجه قاطع من بين ليالى العشر يشعرك بالحث الربانى غير المباشر أن يتحرى الناس (الإتقان) فى القيام والدعاء والذكر طيلة ليالى العشر؛ وإلا لأصيب الناس بالارتخاء والفتور والتكاسل إذا ما اجتهدوا فى ليلة علموا أنها دون سواها هى المعنية بالتقدير.
وإذا كنا بذلك قد عرفنا الوجه الأول من وجوه (الإحسان) وقد تبين تعلقه بأفعال الإنسان؛ فإن ثانى معانى (الإحسان) متعلق بمعاملة الناس؛ ويقصد به أن يصل الإنسان إلى أفضل تعامل ممكن مع دوائر الخلق المحيطة به بدءا من الوالدين: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وانتهاء بالإحسان إلى الحيوان (ولكم فى كل كبد رطبة أجر) والنبات: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة).
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم/فطالما استعبد الإنسان إحسان
ومن أبرز الأمثلة التى يتأكد منها معنى الإحسان إلى الخلق كافة فى رمضان حديث ابن عباس رضى الله عنهما: (كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود الناس وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه ‏ ‏جبريل ‏ ‏وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود بالخير من الريح ‏ ‏المرسلة).
فقوله (أجود - أى أشد كرما وسخاء- ما يكون) تعنى أن إحسانه صلى الله عليه وسلم للناس فى هذا الشهر قد تضاعف مرات ومرات؛ ولفظة (الخير) فى الحديث تشمل كل معانى الإحسان للخلق التى تناولتها أحاديث شتى فى غير رمضان؛ بدءا من تبسمك فى وجه من تلقاه: (تبسمك فى وجه أخيك صدقة)؛ ومصافحته: (إذا تصافح المؤمنان تساقطت ذنوبهما)؛ ومرورا بالسير معه فى قضاء كل حوائجه الدنيوية: (ولأن أمشى مع أخ لى فى حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى مسجدى هذا شهرا)؛ بكل ما يعنيه قضاء حوائج الناس: (تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا) وعلى رأس ذلك تأتى الصدقة للمحتاج: (ما نقص مال عبد من صدقة) وهى للأقرب فالأقرب: (الأقربون أولى بالمعروف)؛ هذا بالطبع بجانب الإحسان فى القول المجموع فى قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وتشمل تشميت العاطس؛ ورد السلام والابتداء بإلقائه؛ والنصح برفق ولين؛ وأداء الشهادة بالحق؛ وترك انتقاص الناس بالسخرية أو الغيبة أو السب واللعن... وللحديث تتمة

هكذا قرروا 1 - اليوم السابع - 28 يوليو 2012

لأن حالة من الجدل قد ثارت بعد ثورات الربيع العربى عامة وثورتنا المصرية خاصة حول طبيعة علاقة الإسلام بالسياسة، وإذا ما كانت علاقة تكامل أم تضاد، أحببت أن أوضح الفارق الدقيق بين رفض إقحام الآيات القرانية والأحاديث النبوية فى قراراتنا السياسية حتى لا تتخذ ذريعة لإضفاء قدسية على هذه القرارات وبين أن ندرك حقيقة أن المشروع الإسلامى سبق كل مشاريع الديمقراطيات الحديثة فى إرساء قواعد منظمة لصناعة واتخاذ القرار السياسى وفق ركائز أساسية، أولها إرضاء الله سبحانه وتعالى وحده، وثانيها البعد القيمى الأخلاقى، وثالثها المحافظة على الكرامة الإنسانية.. وحيث إنه قد سبق لنا أن تناولنا كيف مثلت ثورة يناير أقصى درجات التعبير عن «إرادة التغيير»، وقلنا إنه بعد ما بلغ السيل الزبى وطاش صواب أكثر الناس حلما من جراء تراكم الظلم والقهر، وصار التغيير فى ضمائر الكثيرين ضرورة حتمية، ينتظرون فقط اللحظة المواتية للإعلان عنه، ثم لما تمَّ المراد بنزع رأس الطغيان من كرسيه، تبقى أمامنا أن نتحول بالمسار الثورى من مجرد إرادة إلى إدارة ترسم لنا خارطة طريق نعبر بها الفجوة بين الواقع المتردى والمستقبل المنشود، وهو ما يطلق عليه علماء الإدارة اسم «إدارة التغيير» التى هى عملية شديدة التنظيم تحتاج إلى خطة زمنية وقرارات مدروسة ودراسة واعية للتاريخ وصبر على النتائج وتفهم لكلفة القرارات؛ لذا صار من وجهة نظرى إلقاء الضوء على عملية صناعة القرار السياسى فى العهد المدنى من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم من بداية تكوين الدولة الإسلامية وحتى بلغت أقصى ازدهار ممكن لها فى عهد الخلفاء الراشدين حاجة ملحة يُستفاد بها على نطاقٍ واسع سواء لفض إشكالية علاقة الإسلام بسياسة الدولة؛ أو لدراسة قرارات كان لها تأثير بالغ على البشرية كلها نستفيد منها فى سياق إدارتنا للتغيير.
فنحن ننتمى إلى أمة أذهلت العالم يوما من الدهر بصورة الدولة متكاملة الأركان فى الوقت الذى كان فيه تقديس الحكام صناعة شيطانية وتقليدا لا إنسانيا توارثته البشرية كابرا عن كابر حتى أتت عليه الشريعة الإسلامية من قواعده فنسفته نسفا؛ ففى الوقت الذى ما كانت الدنيا تسمع فيه بغير الأكاسرة والقياصرة والأباطرة؛ كان أبوبكر الصديق يفرق بين كونه ثانى اثنين فى الغار ينزل بشأنه وحى قرآنى وبين كونه مسؤولاً سياسياً يصيب ويخطئ؛ فيقول فى خطاب توليه: «فإن أحسنت فأعينونى؛ وإن أسأت فقومونى»؛ ووقفت الدنيا مشدوهة تنصت لخطاب «ربعى بن عامر» وأصحابه طلائع الفتح الإسلامى فى وجه «رستم» ممثل الديكتاتورية الفارسية؛ يوم قال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله».
وكتب تراثنا تزخر بمئات بل ألوف الأمثلة توضح كيفية صناعة القرار فى الدولة الإسلامية على كل المستويات من الحرب والمعاهدة والتحالف ومعايير اختيار القادة العسكريين والسياسيين وآليات الإدارة، وكذلك آليات حل الخلاف الذى ينشب بين القيادات؛ وإدارة الكوارث والأزمات.. هذا بخلاف الملامح السياسية للحكم فى هذه الحقبة التى شهدت «ديناميكية» وتطورا غير مسبوقين مع حفاظها على الركائز الرئيسية التى أشرنا إليها من قبل؛ ومن ذلك مجلس الشورى «مجلس الستة» وأسلوب اختيار الحكام والولاة والقضاة، التعامل بين الحاكم والمحكوم، صور المعارضة أثناء حكم الخلافة الراشدة وكيف كانت مرشدة لخدمة الدولة.. التوازن بين سياسة السوق الحر وتحقيق العدالة الاجتماعية، إدارة ولايات الدولة بين المركزية واللامركزية وتطبيق العدالة الانتقالية فى الولايات المفتوحة؛ هذا إلى جانب تجليات مفهوم المواطنة التى بدأت بوثيقة المدينة وتطورت لاسيما مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلى دخول الكثير من الفئات غير العربية فى دواوين الوزارة وتقلدهم مناصب عليا فى الدولة على أساس معيار الكفاءة وحدها دون النظر لانتماء عرقى أو «إثنى».. وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 2 - الوطن - 26 يوليو 2012

مكمن الروعة هذه المرة أن النفوس بعدما تهيأت لصيام يغفر الذنوب كلها يأتيها التحذير النبوى من صيام لا يؤثر كثيرا فى تهذيب سلوك صاحبه
«الإتقان» كان أول صفحات درس «الإحسان» الذى اتفقنا على مطالعته بعد أن عقدنا معاً العزم منذ المقالة السابقة أن ننتظم فى مدرسة «رمضان».. وكان آخر ما سطرناه إذ ذاك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
والحق أنى لن آتى بجديد فى كل ما سأسرده على مسامعك من أحاديث نبوية فمعظمها متداول مشتهر؛ لكنه قد بهرنى ما فيها من إعداد رفيع المستوى للنفس البشرية لكى يصبح «الإتقان» ملازماً لكل حركاتها بل وسكناتها أثناء يوم الصيام وليلته.. فإذا ما تناولت يوم الصيام من بدايته؛ يصادفك حث النبى صلى الله عليه وسلم على «السحور» كعامل مساعد على «إتقان» الصيام نفسه «تسحروا فإن فى السحور بركة».. فمن بركته أن يعين الصائم على أداء الطاعات المختلفة أثناء النهار من صلاة وقراءة وذكر وتحصيل أسباب رزق وطلب لعلم؛ وإلا فإن شدة الجوع ستقعد الصائم عن الكثير من الواجبات؛ وهذا أمر مشاهد ملموس لمن فاتته أكلة السحر.. ويبلغ الحث على «الإتقان» مبلغه حينما يستحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير السحور إلى قبيل الفجر مباشرة ليقلل من المساحة الزمنية للامتناع عن الطعام والشراب التى يكابدها الصائم؛ هذا بالطبع إلى جانب ما فيه من تهيئة تلقائية لأداء صلاة الفجر ومن ثم لاستقبال اليوم الجديد مبكراً.
ولأن البعض قد يظن «الإتقان» رفاهية يسعه أن يتخلى عنها يأتيه حديث «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه» ليرده إلى صوابه ويشعره بأهمية «الإتقان» وتأثيره.. ومكمن الروعة هذه المرة؛ أن النفوس بعدما تهيأت لصيام يغفر الذنوب كلها؛ واشتاقت لقطف ثمرة يكفى أن الله سبحانه قد أبهمها دلالة على عظم قدرها «إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به»؛ يأتيها التحذير النبوى من صيام لا يؤثر كثيراً فى تهذيب سلوك صاحبه فلا يردعه عن ارتكاب الشرور والآثام قولاً وعملاً ومن ثم يصبح مجرد تعذيب للنفس بحرمانها من الملذات دون فائدة تذكر.. بل إن السنة النبوية قد سبقت كل نظم التدريب الحديثة فحذرت أثناء تدريبها للنفس البشرية على تحرى «الإتقان» من العوامل الخارجية التى قد تشوه الصورة المثلى للعمل؛ وهو احتمال وارد التكرر بشكل يومى؛ وهذا الاحتياط ظاهر فى حديث «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم» فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الإجراء «الوقائى» الذى يلزم اتخاذه للمحافظة على «إتقان» الصيام؛ مستبقاً ابتكار «دوائر الجودة quality circles» الذى ظهر بعد ذلك بمئات السنين.
ويستمر التدريب النبوى يغرس فى أعماق النفس البشرية معانى «الإتقان» أكثر وأكثر حينما ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن ختم القرآن فى أقل من أسبوع؛ فعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأ القرآن فى شهر» قلت: إنى أجد قوة... حتى قال «فاقرأه فى سبع ولا تزد على ذلك»... وما ذلك إلا لحرصه على «الإتقان» فى تدبر القرآن وفهمه؛ وهو ما عبر عنه الحديث الآخر: «لا يفقه -أى لا يفهم- من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث - يعنى ثلاثة أيام»... وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 1 - الوطن - 23 يوليو 2012

شهر رمضان الذى نزل بساحتنا ضيفا ًكريماً، ليس فقط فرصةً لاكتساب حالةٍ من الصفاء الروحى؛ وإنما هو مدرسةٌٌ قائمةٌ بذاتها تحفل بألوانٍ من الدروس والعبر، اخترت منها درس (الإحسان) لنعيش فى ظلاله الوارفة على مدار الشهر؛ آخذين فى الاعتبار أن الإحسان نفسه يشتمل على معانٍ كثيرة، سأنتقى منها معنى (الإتقان) للبدء به، فاستصحب معى أن الإحسان سيكون مرادفاً للإتقان فى طيات كلامنا حتى نعدل عنه إلى معنى جديد.
الله سبحانه «يأمرُ بالعدل والإحسان» و«قد كتب الإحسان على كل شىء» كما فى الحديث، فحتى لو صغر الأمر أو اعتقد الإنسان أن لا حاجة إلى تحرى الإتقان فى تأديته مثل ذبح البهيمة، تجده صلى الله عليه وسلم ينبه على ملمح الإحسان المتعلق بذبحها «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ولِيُحِدّ أحدُكم شفْرَته وليُرِح ذبيحته» تنبيهاً على الإحسان فيما هو أعلى من ذلك قدراً وأهمية.
وطالما أن حديثنا مرتبطٌ برمضان، فأغلب الظن أن الذهن سينصرف مباشرة إلى حصر ذلك فى معانى إتقان العبادة وذلك مستمدٌ بالفعل من قول النبى صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» وقوله «رب صائمٍ لا يناله من صيامه إلا الجوع والعطش». لكن المدهش عند التأمل هو اكتشاف أنه يمكن أن تمتد مساحة التعلم لتؤثر على سلوكك بعد رمضان ليصبح الإحسان عادةً ووصفاً ملازماً لك أينما حللت؛ إذ أن علماء النفس يؤكدون قدرة الإنسان على التخلص من عادةٍ سيئة أو اكتساب أخرى جيدة إذا ما تكلف المواظبة على فعلها أو الإمساك عنها لمدة واحدٍ وعشرين يوماً متتالية.. فما بالك بثلاثين؟ فالذى يشغلنى أن نتعلم فى المدرسة الرمضانية تحقيق معادلةٍ للإحسان تجمع بين إتقانٍ فى عبادة وإتقانٍ فى عمل بتحققهما ينصلح حال الدنيا كأفضل ما يكون.. معادلة ٌعبر عنها نبى الله سليمان بصورة مختصرة كما يذكر لنا السياق القرآنى فى قوله «وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين» معلقاً على انبهار بلقيس وافتتانها بما رأت من عظيم ملكه ودقيق صنع ما صاغته أيادى عماله مما لم تبلغ مملكتها عشر معشاره؛ ورغم ذلك فسليمان ومؤمنو مملكته ما يطأطئون الجباه لغير ربهم الذى فى السماء عرشه.. فلعمرى ما قصروا إحسانهم على دنيا وحدها أو على عبادة بمفردها.
معادلة الإحسان التى التزم بها يوسفُ الصديق فصار الإحسانُ وصفاً ملازماً له على مدار حياته، يشهد له بذلك صاحبا السجن «نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين» وقت الكرب والضيق، وأكد على نفس الوصف إخوتُه رغم عدم معرفتهم به وتبدل حاله إلى الرفاهية وأبهة المُلك: «فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين» ومن قبل كل هؤلاء كانت تزكيةُ الله تبارك وتعالى له وقت أن كان عبداً فى قصر العزيز «ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزى المحسنين».. لذا فلم يكن عجباً أن يمكنه فى الأرض لينشر رسالة الإحسان: «وكذلك مَكّنا ليوسف فى الأرض يتبوأُ منها حيث يشاء نصيبُ برحمتنا من نشاءُ ولا نضيع أجر المحسنين».. وبالجملة فإن معانى الآيات والأحاديث التى سقناها مجموعةٌ فى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».. وللحديث تتمة