السبت، 31 ديسمبر 2011

مقال اليوم السابع ( حوار الثقافة)

ثقافة الحوار
إذا كانت مصرتمرالآن بمرحلة فارقة تعيد فيها ترتيب أوراقها و يكتب فيها أبناؤها من كل الفصائل و التيارات تاريخها ، فإن حاجتنا إلي إنشاء مساحات ٍمن التفاهم والتعاون تتعاظم أكثر من أي وقت ٍمضي ، وأزعم ان البداية لن تكون أبدا ًبغير الحوار.
وطالما ارتضينا الحوار وسيلة ً للتقارب فحتماً سيلحظ الكثيرون أن ثمة خللا ً واضحا ً في تحرير معني الحوار ، أو بالأحري أن قطاعا ًعريضا ًمن المتحاورين علي الساحة المصرية يفتقر إلي ( ثقافة الحوار) .
أضرب لكم مثلا ًبأغلب المتحاورين علي شاشات التلفاز أيامنا هذه ، كيف ترتفع أصواتهم بالتشغيب علي الآخر بغير انتقادٍ موضوعي لمنهجه أو لطرحه، والمتضرر الوحيد في ظني من هذا السجال غير الفكري هو المواطن المصري الذي يرقب عن كثب هذه المحاورات ولا يكاد يخرج منها بغير طنين الصوت العالي.
في حين أنك لو تأملت معي كيف ضرب القصص القرآني أمثلة ً متعددة تخط لنا طريقا ًهو الأمثل أن نقيس عليه ثقافة الحوار ، فلربما تحمست مثلي لنقلها وبثها في العالمين علنا نصل إلي طريقةٍ أرقي للحوار.
فلا يمكن أن ينمحي من ذاكرة التاريخ أبدا ًمشهد نبي الله موسي إذ يقف وحده ممثلا ًللحق المطلق يحاور باطللا ًلا يختلف اثنان علي جبروته وظلمه ، ورغم أن موسي قد علم سلفا ًحكم الله سبحانه بشأن الفرعون ( إنه طغي) لكنه اتبع أمر ربه (فقولا له قولا ليناً) فطفق موسي يشرح منهجه للطاغية وحاشيته غير عابئ ٍ بسباب الفرعون أو تجريحه ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون).
بل وحتي في محاورته للسحرة أنفسهم وما اجتمعوا وقتها إلا للنيل منه علي رؤوس الأشهاد حرص (موسي) عليه السلام مرة ثانية علي البدء بالحوار فنصحهم بقوله: ( ويلكم لا تفتروا علي الله كذباً ).
( ثقافة الحوار) تتجلي في صورة ٍأخري لا تقل عن هذه روعة ً، حين يصر نبي الله
( شعيب) علي استكمال حواره مع قومه رغم سبق تطاولهم و سخريتهم اللاذعة إذ يتهكموا عليه بقولهم ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) ، فيصل حرصه من خلال الحوار علي الوصول إلي نقطة تفاهم حتي ولو أدي به ذلك أن يتغافل عن تجريحهم (لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح) رغم أنهم أجرموا في حقه وحق أنفسهم بعداوته ، لكنه أراد أن لا تكون عداوتهم له سببا ًفي صدهم عن الحق ، بل يتمادي في نصحه أكثر وأكثر (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)فأي ُ منطقٍ في الحوارهذا؟
هل يمكن ان نري نماذج راقية في الحوار نلتزم فيها التركيز علي تقديم المعلومة المفيدة والحرص علي البحث عن المشترك بدلاً من الإصرار علي النيل من الآخر والحط من شأنه ، فيسمع كل محاور رأي غيره بهدوء ثم يصلا في نهاية المطاف ولو إلي نقطة اتفاق واحدة.
وبالمناسبة لو كانت نقطة الاتفاق بين الجميع هي إقرار ثقافة ٍللتحاور...فأجزم أن الأمر سيصبح جديرا ً بالـتأمل ، و...والحوار!

مقال اليوم السابع ( حوار الثقافة)

ثقافة الحوار
إذا كانت مصرتمرالآن بمرحلة فارقة تعيد فيها ترتيب أوراقها و يكتب فيها أبناؤها من كل الفصائل و التيارات تاريخها ، فإن حاجتنا إلي إنشاء مساحات ٍمن التفاهم والتعاون تتعاظم أكثر من أي وقت ٍمضي ، وأزعم ان البداية لن تكون أبدا ًبغير الحوار.
وطالما ارتضينا الحوار وسيلة ً للتقارب فحتماً سيلحظ الكثيرون أن ثمة خللا ً واضحا ً في تحرير معني الحوار ، أو بالأحري أن قطاعا ًعريضا ًمن المتحاورين علي الساحة المصرية يفتقر إلي ( ثقافة الحوار) .
أضرب لكم مثلا ًبأغلب المتحاورين علي شاشات التلفاز أيامنا هذه ، كيف ترتفع أصواتهم بالتشغيب علي الآخر بغير انتقادٍ موضوعي لمنهجه أو لطرحه، والمتضرر الوحيد في ظني من هذا السجال غير الفكري هو المواطن المصري الذي يرقب عن كثب هذه المحاورات ولا يكاد يخرج منها بغير طنين الصوت العالي.
في حين أنك لو تأملت معي كيف ضرب القصص القرآني أمثلة ً متعددة تخط لنا طريقا ًهو الأمثل أن نقيس عليه ثقافة الحوار ، فلربما تحمست مثلي لنقلها وبثها في العالمين علنا نصل إلي طريقةٍ أرقي للحوار.
فلا يمكن أن ينمحي من ذاكرة التاريخ أبدا ًمشهد نبي الله موسي إذ يقف وحده ممثلا ًللحق المطلق يحاور باطللا ًلا يختلف اثنان علي جبروته وظلمه ، ورغم أن موسي قد علم سلفا ًحكم الله سبحانه بشأن الفرعون ( إنه طغي) لكنه اتبع أمر ربه (فقولا له قولا ليناً) فطفق موسي يشرح منهجه للطاغية وحاشيته غير عابئ ٍ بسباب الفرعون أو تجريحه ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون).
بل وحتي في محاورته للسحرة أنفسهم وما اجتمعوا وقتها إلا للنيل منه علي رؤوس الأشهاد حرص (موسي) عليه السلام مرة ثانية علي البدء بالحوار فنصحهم بقوله: ( ويلكم لا تفتروا علي الله كذباً ).
( ثقافة الحوار) تتجلي في صورة ٍأخري لا تقل عن هذه روعة ً، حين يصر نبي الله
( شعيب) علي استكمال حواره مع قومه رغم سبق تطاولهم و سخريتهم اللاذعة إذ يتهكموا عليه بقولهم ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) ، فيصل حرصه من خلال الحوار علي الوصول إلي نقطة تفاهم حتي ولو أدي به ذلك أن يتغافل عن تجريحهم (لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح) رغم أنهم أجرموا في حقه وحق أنفسهم بعداوته ، لكنه أراد أن لا تكون عداوتهم له سببا ًفي صدهم عن الحق ، بل يتمادي في نصحه أكثر وأكثر (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)فأي ُ منطقٍ في الحوارهذا؟
هل يمكن ان نري نماذج راقية في الحوار نلتزم فيها التركيز علي تقديم المعلومة المفيدة والحرص علي البحث عن المشترك بدلاً من الإصرار علي النيل من الآخر والحط من شأنه ، فيسمع كل محاور رأي غيره بهدوء ثم يصلا في نهاية المطاف ولو إلي نقطة اتفاق واحدة.
وبالمناسبة لو كانت نقطة الاتفاق بين الجميع هي إقرار ثقافة ٍللتحاور...فأجزم أن الأمر سيصبح جديرا ً بالـتأمل ، و...والحوار!

الأحد، 4 ديسمبر 2011

مقال جريدة النور الجديد: محاكم التفتيش!

(محاكم التفتيش ) تبقي دائما ًسُبة في جبين الأوربيين، من فرط ما اقشعر لها بدن التاريخ وتحاكي الناس بفظاعتها قرونا ًوتناقلت الأجيال جرائمها كابراً عن كابر.
لكن إذا كان مصطلح (محاكم التفتيش) قد ارتبط في الأذهان بمحاكماتٍ صورية نصبها الأسبان لأهل الأندلس مسلمين كانوا أو يهودا ً علي أساسٍ الهُوية ، آلت إلي تعذيبٍ يشيب لهوله الولدان ، أو قتل ٍ بأبشع الوسائل ، أو علي أحسن تقدير إلي إبعادٍ قسري للأندلسيين عن أرض آبائهم وأجدادهم ....فنحن اليوم بصدد محاكم تفتيشٍ جديدة ، لكنها من نوعٍ فريد لم يكتف مبتكروه بمصادرة آراء مخالفيهم فحسب وإنما تعدوا ذلك إلي حد أن يحاكموا شعباً بأكمله لأنه أخطأ بزعمهم ورسب في اختبار( الديمقراطية ) إذ يعطي الإسلاميين صوته واثقا ًفي أمانتهم ، ومعتمدا ًعلي استقامة سيرتهم.
( محاكم تفتيش جديدة ) تشهدها مصر بعد نتائج المرحلة الأولي من الإنتخابات التشريعية ،القضاة ُفيها هم الليبراليون وحدهم ..ويشاركهم ( البغي) كل من امتلأ قلبه علي الإسلاميين غيظا ًوكمدا ً ..... (محاكم تفتيش) لا يحق لك فيها أن تدافع عن نفسك ولو دافعت فلن يستمع لقولك أحد ، ولو استمعوا فمن ذا يُنصفك، وإذا حكموا عليك فلا حق لك في طعن ٍأو استئناف .. لسان حالهم :
بغاة ظالمين وما ظلمنا *** ولكنــــــــــــا سنبدأ ظالمينا
لماذا يصر ُ الليبراليون علي تكرار مأساة الجزائر بكل فصولها ، وكانهم يؤكدون للدنيا أن الديمقراطية مقبولة طالما كانت بمعزل ٍعن الإسلاميين تحديدا ً ، (فاشية ٌ) في التفكير ما كنت أعتقد أن يُصرح بها الليبراليون بهذا الوضوح في بلاد ٍخرجت لتوها من رحم ثورة ٍعاتية اتت علي أخضر الظلم ويابسه وازاحت طغاة ًجثموا علي صدور المصريين عقودا ....( فاشية) لأن الديمقراطية تظل مقبولة ً مستساغة عند القوم طالما كانت حكرا ًعليهم ، أمّا لوحاز الإسلاميون قصب السبق ، فسيكشر الليبراليون عن أنيابهم ويهيمون في كل وادٍ والشرر يتطاير من أعينهم يرفعون عقيرتهم بلعن الديمقراطية التي كشفت إفلاسهم وخسارتهم أمام رهان الشعب علي الإسلاميين .
أستميحك عذراً أن تتتحامل علي نفسك لتتابع معنا وقائع (محاكم التفتيش) في أي قناة ٍفضائية أو جريدة سيارة يومية تشاء، وتحامل علي نفسك أكثر وجرب أن تقبع معنا خلف الأسوار لتستقبل سيلاً منهمرا ً من الأسئلة سيمطرك بها (قضاة التفتيش) ، والمطلوب منك أن تجيب عليها بما يعتقده سدنة الليبرالية حتي لو خالف دينك وهويتك وما تربيت عليه طيلة عمرك ، وإلا فالويل لك، كل الويل ....لن تسلم من اتهام ٍ بالرجعية والتخلف والجهل ومن ثم يُحكم عليك فوراً بالطرد والإبعاد علي طريقة ( أخرجوا آل لوطٍ من قريتكم إنهم أناس ٌيتطهرون)!
لزاماً عليك إذن ، لو أردت مكاناً تحت شمس ( الفاشية الليبرالية) التي يتحاكم إليها قضاة ( محاكم التفتيش الجديدة) أن توافق علي تسمية الإلحاد فنا ً، والتطاول علي الشريعة أدباً رفيعاً ، والتعري حرية ًشخصية ، والتنصل من العقيدة تقدما ًوتنويراً .
تكلمهم عن الإستقراروبناء البلد من جديد ويأبون إلا الفوضي التي أسموها خلاقة ... تتحاور معهم لتصل إلي توافق فيصرون علي الإختلاف ، تمد إليهم يدك لنتعاون علي البر والتقوي فما يزيدهم غير عنادٍ واستكبار ، فمال ِهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديث الديمقراطية إلا حينما يوافق أهوائهم؟ ...ألم أقل لك (محاكم تفتيش)!

الأحد، 27 نوفمبر 2011

عقلية القهر

نزول أبناء حزب النور إلي ميدان التحرير إبان الأسبوع المنصرم كان حتمياً لأسباب ٍ متعددة ، يأتي علي رأسها أن الوضع في ميدان التحرير تحول إلي ما يشبه مذبحةً مصغرة ً نكلت فيها أجهزة الأمن بشباب ٍ في عمر الزهور قتلا ًوسحلا ًوتعذيباً ، بل وحتي الفتيات لم يسلمن من البطش والتنكيل ، وكل ذلك لأن أجهزة الأمن مازالت مصرة ً علي التحلي بروح ( إنا فوقهم قاهرون) بكل حذافيرها ....عقول وضمائرُ رجال الشرطة مازالت ممتلأة ًكبرا ًوتعاليا ً، إذ تظن نفسها قادرةً بنفس أسلوبها القديم علي قمع كل من تسول له نفسه مخالفة أمرها بمنتهي الوحشية ،ويجب ساعتها علي الناس أن تقف صامتة ًلا تحرك ساكنا ً، وإلا فقل لي بربك كيف يمكن أن نفسر مقتل أربعين شابا ً وإصابة الآلاف أغلبهم بعاهات ٍمستديمة في غضون أربعة أيامٍ فحسب من جراء فض اعتصام ميدان التحرير إلا بأن نفسية وعقلية القهر مازالت هي التي تدير الأمور في أجهزة الأمن؟
كان لزاما ًعلينا إذن النزول إلي ميدان التحرير ونحن نري الظلم يكشر عن أنيابه ليفترس أبناء جلدتنا بغير ذنب ٍ اقترفته أياديهم اللهم إلا التعبير عن آرائهم التي لا تروق كثيرا ًلمتخذي القرار ، كان لزاماً علينا أن نلقي وراء ظهورنا أوهام الخوف التي استبدت بنفوس البعض وصورت لها أن السلامة أولي وأن الأمر ما يلبث أن ينجلي وتعود الأمور إلي سابق عهدها ....و للأسف الشديد ما تزال طائفة ٌ من الناس كثير ٌ عددها لم تستوعب بعد أن الدور سيأتي عليها حتما ً لامحالة ليفترسها الظالم بغير رحمة إن لم تقف الآن في صف المظلوم أياً كان انتماؤه ووجهته ، لم تستوعب أن الظلم لا يتجزأ بل يمتد ليشمل الجميع طالما لم يزأر في وجه الظالم أحد ، بل إنها حتي لم تستوعب أن أفضل الجهاد كلمة حق ٍ عند سلطان ٍجائر فبخلت بتوجيه نقدٍ صريح ل(لمجلس العسكري) توبخه فيها علي صمته المريب ودماء الأبرياء تهراق أنهاراً ، وحجة هذه الطائفة المحافظة علي استقرار البلاد وحمايتها من الوقوع في دوامات الفوضي.
نعم ..أتفهم أن أبناء التيار الإسلامي تحديداً معرَّضون أكثر من غيرهم لتحمل تبعات أي أزمة قد تندلع في البلاد ، لذا ينبغي عليهم توخي الحرص والحذر قبل الإقدام أو الإحجام ، لكن الذي أتعجب له حقيقة ً أن يتحول الحذر إلي جبن ٍوتخاذلٍ نسوغ لأنفسنا التلبس بهما ونحن نزعم أن هذا هو الأفضل لمصلحة باقي أبناء الوطن ، ولسان حالنا يردد : فليذهب المعتصمون في التحرير إلي الجحيم لو اقتضي الأمر لنحافظ علي أمةٍ بأسرها....فهمٌ مغلوط عارٌ علينا ان نلتزم به ، لا أقول أن ثورة يناير تكذبه ، بل الشواهد من حولنا كلها تطعن في مصداقيته ، لأن من يجسر علي الفتك بالضعفاء في ميدان التحرير – حتي لو سلمنا أنهم من وجهة نظرنا مخطأون باعتصامهم- من الذي سيحول بينه وبين الفتك بكل أبناء التيار الإسلامي بعد ذلك بنفس فعقلية ( إنا فوقهم قاهرون) ؟ أكره أن استعمل مثالا ًبلي من كثرة تكراره ، لكني لا أجد شاهداً علي ما أقول غير ( أ ُكلت يوم أ ُكل الثور الأبيض)!
ثم إن التيار الإسلامي بكل أطيافه لا بد وأن يتخلص من حالة الإنفصال النفسي التي اختارها بينه وبين باقي أبناء شعبه وإلا فإن ميدان التحرير قد امتلأ عن آخره بأطياف ٍ شتي من الشباب أنا علي يقين أنها لا تعبر عن هوية أو تفكير الغالبية العظمي من شعب مصر ، فكيف تترك لهم ساحة التحريريصورون للدنيا بأسرها أنهم وحدهم القادرون فيها علي النضال ومن ثم إذا ما تكلموا لا بد أن يُسمع لقولهم دون غيرهم ؟

المندوب السامي!

انتابني شعور غريب بأنه لن يكون ثمة َكبير فارق ٍ من حيث المبدأ بين طرح وثيقة (السلمي ) في حقبة ما بعد الثورة ، وبين نفس الوثيقة لو كان قرأها علينا (المندوب السامي) إبان فترة رزوح مصر تحت الوصاية البريطانية ، ففي الحالتين كلتيهما لا يطلب منا إلا أن نسمع ونطيع بغير مناقشة ، وإلا فالدبابات البريطانية ستحاصر قصر الملك في حالة ( المندوب السامي ) ، ولا ندري بعد ما الذي ينتظرنا من الويل و الثبور وعظائم الأمور في حالة ( السلمي)!
لذا فأنا أجزم أن أن عقلية (المندوب السامي )البريطاني كانت مسيطرة ًبشدة علي نفس وفكر من خط بيمينه وثيقة (السلمي) التي اصطُلِح شعبيا ًعلي تسميتها ب(وثيقة العار)، في محاولة يائسة لإستحضار روح (ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) الفرعونية العتيدة ، التي تأنف أن يشارك الرعية في صنع القرار أو إبداء الرأي.
ولأن النخبة التي أتحفتنا بالوثيقة ما آنست بعد من الشعب المصري رشداً ، ولأنها تعتبره غير قادر علي تحيد مصيره بنفسه، لذا تبذل الآن وسعها في إقناع الشعب المصري أنه حيران استهواه الإسلاميون وضللوه، ووحدها النخبة الليبرالية المزعومة هي التي تدعوه إلي الهدي ائتنا .
فإذا ما تجشمت العناء ياسيدي الفاضل واستعنت بالله وبدأت في مطالعة بنود الوثيقة كي لا تتهمك النخبة بانك ظلامي هلامي انهدامي...إلي آخر ما هنالك ، لتقلصت أمعاؤك من فورها ، وأنت تستعرض ستة مواد كاملة تحذرك أن تفكر مجرد التفكير في تعديل أو مناقشة ،أو- لا سمح الله - المطالبة بعد ذلك بإلغاء هذه الوثيقة المقدسة ، لا أنت و لا أحفادك ..أطال الله في عمرك!
ثم تُفجع بموادٍ تصنع من المجلس العسكري إلها ً فوق المحاسبة ،إذا قضي أمرا ًفينبغي علي الجميع السمع و الطاعة بغير مناقشة ٍ أو تفكير.
تعلمُ كم دأب الليبراليون علي إمطارنا صباح مساء بكلمات الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان - وهم يعلمون قبل غيرهم أن الإسلام احتوي كل ذلك وزاد عليه – فتُبهت أن وثيقة السلمي ناضحة ٌ بكل ما يخالف الحرية و الديمقراطية التي صدعوا بها رؤوسنا مخالفة ًصارخة ، بل تشبعها قتلا ً، ثم يملأون الدنيا بعد ذلك ضجيجا ً يحكون للناس كيف أن الإسلاميين لا يريدون التفاوض ولا يفهمون لغة الحوار!
ولكي تصبح المسألة أكثر إقناعا ًلرجل الشارع البسيط المغلوب علي أمره ،كان ينبغي أن تعترض بعض الأحزاب و التيارات علي مواد تقديس المجلس العسكري ، وبعد طول إلحاح في وسائل الإعلام يرضي (المندوب السامي) ...آ .. آسف أقصد د .السلمي بالنزول علي رغبة الجماهير ، طبعا ً من منطلق أن من تواضع لله رفعه ، وأن الإعتراف بالحق فضيلة ، ومن ثم تختفي المادة المثيرة للجدل التي عُلم ابتداء ًأنها ستغير، ليتبقي أمام الناس أن الإسلاميين ليس لديهم مبرر هذه المرة ولابد أن يقبلوا بالبنود المعدلة أذلة ًوهم صاغرون!
خبث ٌ أري استحالة أن يكون صناعة ًمصرية ًخالصة ً!! ربما التعبئة و التجميع وقطع الغيار ...إنما ثمة توليفة شيطانية من الخبث بالنكهة الأوروبية والمذاق الأمريكي الفريد تطغي علي الوثيقة من قمة رأسها وحتي أخمص قدميها.
لكن المكر السيئ لا يحيق في النهاية إلا بأهله ، وعلي الباغي تدور الدوائر، و توفيق الله سبحانه مع ضبط النفس وحساب الخطوات سيكون عاملا ًحاسما ًبلا شك في نهاية المطاف .

هل سنكتب التاريخ ؟ (3-3)

هو ذا إذن يا رسول الله – صلي الله عليه وسلم- حديثك يتحقق بحذافيره .. فوعد ربك أن لا يستأصل شأفة أمتك عدوٌ من خارجها قد تحقق ولا يزال ، أما أن يكون بأس أبنائها بعضهم علي بعض شديد الضراوة ، فقد حدث للأسف تماما ًكما حذرت.
ولعمر الله لم تنجح خطة ( فرق تسد) مع أحدٍ من العالمين كما نجحت كلما جربت ضد المسلمين علي اختلاف العصور، فدائما ما يجد التربة خصبة ممهدة أيُ شيطان ٍ يريد التحريش بيننا ، دائما ًما نساعده علي النيل منا ببراعةٍ لا يبارينا فيها أحد ، رغم أننا نحفظ جيداً ( واعتصموا بحبل الله جميعا ًولا تفرقوا).
لذا كانت عبقرية الرجال أصلٌ أصيل في كتابة التاريخ.... وعبقرية الرجال تتجلي حينما يسمو الرجال فوق أهوائهم ويرتفع صوت العقل في أعماقهم، ويبذل كل واحدٍ منهم وسعه ، ويلين في أيدي إخوانه ويتغافل عن زلاتهم ويقيل عثراتهم ، فساعتها حدث عن النصر و الفتح القريب، أما بغير ذلك ...فلا تضيع وقتك فستذهب اللحظة النادرة و لا شك.
عن الرجال العباقرة إذن نبحث ، عن الرجال القادرين علي وضع أهوائهم ورغباتهم تحت النعال لو اقتضي الأمر في سبيل هدفهم الأسمي الذي لأجله استعملهم ربهم ، رجال لو كان مجد أمتهم في الثريا ...في أعلي عليين ..لنالته أياديهم.
رجالٌ من عينة نبي الله شعيب ، إذ يحذر قومه مشفقا ًناصحا ًأمينا ً: (يا قومي لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ أو قوم هود ٍأو قوم صالح) فلا يريد أن تكون عداوة قومه له سبباً في صدهم عن الهدي الذي وُكل بإبلاغه ، ورغم أنهم قد أجرموا في حق نبي ٍبعداوته علي هذا النحوإلا أن تركيزه لم يزل معلقا ًبدعوتهم فأي تجردٍ هذا؟
رجال ٌمن معدن خالد بن الوليد إذ يكتب التاريخ و العالم من حوله مشدوه كيف تهرول أمامه جحافل الجيش الروماني تلعق جراحها والدنيا تنتظر أن يكلل جبين خالد القائد المظفر بأكاليل الغار إذا بأمر القيادة العليا ينزل علي النفوس كالصاعقة بعزل خالد...فيضرب رضي الله عنه المثل باستمراره في كتابة التاريخ من ساقة الجيش وينزل لأبي عبيدة بن الجراح بطيب خاطر عن الإمرة و القيادة.
الأمثلة كثيرة ...ولكني أخشي أن يكون تسويد الصفحات بأمثلة عبقرية من تاريخ ناصع البياض هو كل ما نجيده، في وقتٍ ماعادت لتشفع لنا فيه مصمصة الشفاه وحرارة الزفرات ونحن مطالبون للمرة الأولي منذ قرون أن نثبت عبقرية ًمماثلة يفترض أن نكون قد استوعبناها جيدا صمن طول قراءة ٍللسنن الشرعية و الكونية وكنا فقط ننتظر بفارغ الصبر وقت ترجمتها علي أرض الواقع مواقفا ًوأفعالا ً.
لن يغفر لنا أحدٌ أن إرهاصات التمكين كانت نواصيها بيدنا ثم تركناها تنسل من بين أصابعنا بمنتهي السهولة...... وقطعا ًلن تبكِ علينا السماء و الأرض بعد أن نولي عن الدنيا وقد فرطنا في اللحظة التي يبدأ المسلمون فيها مرحلة ًجديدة من رحلة استعادة التمكين الضائع... اللحظة النادرة التي لا تكرر في عمر التاريخ كثيرا...لحظة كتابة التاريخ...فهل سنكتب التاريخ؟

هل سنكتب التاريخ ؟ (2-3)

أقول أن الأفغان كانوا علي موعد ٍمع كتابة التاريخ ... يوم أن دُحر السوفييت في جبال قندهاروأودية كابل و مزقوا كل ممزق ، وانتظرالجميع أن ينتقل المجاهدون إلي ساحات جهادٍ من نوع ٍجديد لتطبيق الشريعة الإسلامية وانتشال البلاد من الحالة المزرية التي كانت عليها ، فإذا بالأشقاء يتصارعون فيما بينهم صراعا ًأشد ضراوة ، تضيع معه اللحظة النادرة....... وإن تعجب فعجب ٌأن خانت الرجال َعقولهم أحوج ماكانوا إليها.
فرغم البطولات المبهرة التي سطرها الأفغان طيلة عقد ٍ كامل في حربٍ غير متكافئة ، ورغم الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب آنئذٍ ، ورغم وقوف أغلب المسلمين في ذات خندق أبناء كابل ، إلا أنه ومع لحظات الحرية الأولي ظهر اختلاف الأراء وتنوع الأهواء ، وظهرت الدنيا ممثلة ً في أي الفرق أحق ببسط النفوذ والسلطان ، فتنافس الأفغان الدنيا كما فعل من كان قبلهم فأهلكتهم في أوديتها كما أهلكتهم ، ونزفت أفغانستان كما لم تنزف من قبل و قد تفطر قلبها لوعة ًعلي أبنائها ، ونسي الأشقاء وقتها أو تناسوا (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) فذهبت ريحهم كل مذهب ، ووهنت قوتهم إلي حد أن سال لعاب الذئاب حولهم من جديد.
ومالي لا أتذكر هذه الفاجعة التي لانزال نعاني آثارها إلي يوم الناس هذا، ونحن في مصر علي أعتاب اللحظة الفارقة التي سنجلس فيها لكتابة التاريخ نسمع بين أبناء الفصيل الواحد فضلا ًعن فرق التيار الإسلامي الأخري نبرات الأثرة ورؤية النفس والحقد علي الأقران ترتفع رويدا ًرويدا ًحتي يصم طنينها الآذان.
هل عجز الكثيرون حقا ًعن قراءة الواقع الجديد ، ومااستوعبوا اللحظة النادرة ، ولا بدت لهم ارهاصات التمكين تلوح في أفق ٍقريب فوقفوا عن غير قصد ٍ حجر عثرة ٍ أمام كتابة أبناء الصحوة الإسلامية لتاريخ مصر الجديد ؟ أم أن خلو الساحة من جبارٍ طاغية قد سمح لعورات النفوس أن تعلن عن نفسها بغير مواربة ؟ هل لابد من طريقة (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر) فإذا لم نحز دورا ًفي المقدمة وقلب المشهد قلبنا المائدة علي رؤوس الجميع ؟ أم يكفي الإنسان إخلاص نية ، وعزم لا يلين ، وعمل دؤوب ، وانخراط ٌ في مجموعٍ كبير وإن كان مغمورًا لم يحز الشهرة ؟

أقول هذا لأن نتن رائحة الفتنة زكّم أنفي و دمعت له عيني ، صحيح ٌأني ما أبرئ منها نفسي ، لكن الأمر ليس أبدا ًبالسهل علي النفس ... ليس سهلا ًأن تري لحظة ًاشتاق لها المصريون قرونا ًوقد باتت قاب قوسين أو أدني من التحقق ولكنها مهددة أن تتحول إلي وهمٍ متبدد بين لحظة ٍوأخري.
وهمٌ يتبدد لأن فلانا ًيري نفسه أحق بالترشح من أخيه ، وعلانا ًينقم علي إخوانه أن همشوا دوره ولم ينزلوه المنزل اللائق به ، وآخرَ آثر أن يكون في وادٍ والدنيا بأسرها في واد ٍآخر، فقبع في برجه العاجي يأصل لبدعية العمل السياسي ، وفريقا ً يدق علي صدره ويرفع عقيرته ليملأ الدنيا ضجيجا ًبأنه هو الأقدم والأعلم و الأكثر خبرة ًبدروب السياسة ، وبإزائه فريق ٌأعجبته كثرته وقال لن نهزم اليوم عن قلة....وللحديث تتمة.