السبت، 31 ديسمبر، 2011

مقال اليوم السابع ( حوار الثقافة)

ثقافة الحوار
إذا كانت مصرتمرالآن بمرحلة فارقة تعيد فيها ترتيب أوراقها و يكتب فيها أبناؤها من كل الفصائل و التيارات تاريخها ، فإن حاجتنا إلي إنشاء مساحات ٍمن التفاهم والتعاون تتعاظم أكثر من أي وقت ٍمضي ، وأزعم ان البداية لن تكون أبدا ًبغير الحوار.
وطالما ارتضينا الحوار وسيلة ً للتقارب فحتماً سيلحظ الكثيرون أن ثمة خللا ً واضحا ً في تحرير معني الحوار ، أو بالأحري أن قطاعا ًعريضا ًمن المتحاورين علي الساحة المصرية يفتقر إلي ( ثقافة الحوار) .
أضرب لكم مثلا ًبأغلب المتحاورين علي شاشات التلفاز أيامنا هذه ، كيف ترتفع أصواتهم بالتشغيب علي الآخر بغير انتقادٍ موضوعي لمنهجه أو لطرحه، والمتضرر الوحيد في ظني من هذا السجال غير الفكري هو المواطن المصري الذي يرقب عن كثب هذه المحاورات ولا يكاد يخرج منها بغير طنين الصوت العالي.
في حين أنك لو تأملت معي كيف ضرب القصص القرآني أمثلة ً متعددة تخط لنا طريقا ًهو الأمثل أن نقيس عليه ثقافة الحوار ، فلربما تحمست مثلي لنقلها وبثها في العالمين علنا نصل إلي طريقةٍ أرقي للحوار.
فلا يمكن أن ينمحي من ذاكرة التاريخ أبدا ًمشهد نبي الله موسي إذ يقف وحده ممثلا ًللحق المطلق يحاور باطللا ًلا يختلف اثنان علي جبروته وظلمه ، ورغم أن موسي قد علم سلفا ًحكم الله سبحانه بشأن الفرعون ( إنه طغي) لكنه اتبع أمر ربه (فقولا له قولا ليناً) فطفق موسي يشرح منهجه للطاغية وحاشيته غير عابئ ٍ بسباب الفرعون أو تجريحه ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون).
بل وحتي في محاورته للسحرة أنفسهم وما اجتمعوا وقتها إلا للنيل منه علي رؤوس الأشهاد حرص (موسي) عليه السلام مرة ثانية علي البدء بالحوار فنصحهم بقوله: ( ويلكم لا تفتروا علي الله كذباً ).
( ثقافة الحوار) تتجلي في صورة ٍأخري لا تقل عن هذه روعة ً، حين يصر نبي الله
( شعيب) علي استكمال حواره مع قومه رغم سبق تطاولهم و سخريتهم اللاذعة إذ يتهكموا عليه بقولهم ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) ، فيصل حرصه من خلال الحوار علي الوصول إلي نقطة تفاهم حتي ولو أدي به ذلك أن يتغافل عن تجريحهم (لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح) رغم أنهم أجرموا في حقه وحق أنفسهم بعداوته ، لكنه أراد أن لا تكون عداوتهم له سببا ًفي صدهم عن الحق ، بل يتمادي في نصحه أكثر وأكثر (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)فأي ُ منطقٍ في الحوارهذا؟
هل يمكن ان نري نماذج راقية في الحوار نلتزم فيها التركيز علي تقديم المعلومة المفيدة والحرص علي البحث عن المشترك بدلاً من الإصرار علي النيل من الآخر والحط من شأنه ، فيسمع كل محاور رأي غيره بهدوء ثم يصلا في نهاية المطاف ولو إلي نقطة اتفاق واحدة.
وبالمناسبة لو كانت نقطة الاتفاق بين الجميع هي إقرار ثقافة ٍللتحاور...فأجزم أن الأمر سيصبح جديرا ً بالـتأمل ، و...والحوار!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق