الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

التحرش الجنسي.. الردع أولاً 4 - الوطن - 3 سبتمبر 2012

أضواؤنا فى المقالة السابقة كانت مسلطة بكل تركيزها على أجهزة الإعلام؛ وتحديداً كنا نشير بأصابع الاتهام إلى مسئوليتها المباشرة عن كثيرٍ من صور التردى الأخلاقى والانحراف السلوكى.. والتحرش الجنسى على رأسها.
فى الظروف الطبيعية تُلح الطبيعة البشرية على صاحبها أن يبرر لنفسه أى جُرم تقترفه يداه.. مسألة شعورية أحياناًً ولا شعورية فى أغلب الوقت؛ قديمة بقدم الإنسان نفسه (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله)؛ وسواء فى ذلك أكان المبرر قوياً أم واهياً؛ وهنا تكمن خطورة المشاهد الجنسية ومشاهد التحرش التى تعج بها كثير من الأفلام والمسلسلات، إذ إنها المسئولة بشكل مباشر عن تبرير المتحرش لنفسه ارتكاب هذا الجرم حينما تصور له المرأة سلعةً رخيصةً لن تردَّ يدَ لامسٍ أو متعرضٍ لها بسوء؛ وهذا هو ما استنكره «ارنست فيشر» Ernst Fischer فى كتابه «ضرورة الفن» وحمل فيه بشدة على الفن الهابط غير السوى الذى يجعل المرأة مجرد أداة لإثارة الشهوات، وإشباع الرغبات ويعطى عنها صورةً نمطية فى غاية السوء تجعلها مجرد سلعةٍ تُستهلك.
واستوقفنى كثيراً أثناء متابعتى لحلقة برنامج «بتوقيت القاهرة» التى خصصها المرازى للحديث عن التحرش تفسير د. عزة كريم، مدير مركز حقوق المرأة، للنسبة المرتفعة من رجالٍ (62٪) اعترفوا بالتحرش الجنسى مرة على الأقل أسبوعياً، حيث أرجعت ذلك لمشاهدتهم الأفلام الجنسية ومشاهد الإغراء فى المسلسلات الدرامية.
و نفس الأمر كان الدكتـور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسى قد أكَّد عليه من قبل حينما اتهمَّ صراحةً العرى والمشاهد الجنسية التى تحاصر الشباب على شاشات الفضائيات بأنها الدافع الرئيسى وراء هذا الانحراف السلوكى.
أمَّا المواقع الإباحية الصريحة فأدهى وأمَرّ، تنخر كالسوس بلا هوادة فى بنيان المجتمع المصرى، ويرى الكثيرون أنها سبب رئيسى فى النظرة الحيوانية التى ينظر بها المتحرش إلى النساء.. سائر النساء.
د. جوديث ريزمان Judith Reisman الباحثة الأمريكية فى شهادتها الشهيرة عن أخطار المواقع الإباحية على المجتمع أمام الكونجرس الأمريكى، نوفمبر 2004، استخدمت تعبير (non-human animals) وتعنى «حيوانات غير آدمية» فى وصفها للصورة الذهنية التى تطبعها المواقع الإباحية عن النساء فى أذهان الكثيرين.
استباحة الأعراض هى تسلسل طبيعى لفكرة الإباحية، فمن ضغط على زناد السعار الجنسى لا يسأل بعدها فى صدر مَن ستستقر الرصاصة القاتلة.. «وللحديث تتمة».

التحرش الجنسي.. الردع أولاً 3 - الوطن - 30 أغسطس 2012

سُررت كثيراً بتفاعل أكثر من مؤسسة وشركة إيجابياً مع ما طرحناه فى المرّة السابقة من دور اجتماعى (social responsibility) للمؤسسات فى مواجهة ظاهرة التحرش، كلهم يريد أن يرعى حملة توعية مجتمعية ضخمة لإعادة ضخ «النخوة» فى شرايين الجسد المصرى.. وإنى لمنتظر تفاعلاً أكبر بالأفكار والآراء لتخرج حملة كهذه على أفضل هيئةٍ ممكنةٍ قبل عيد الأضحى على أقصى تقدير.. وليتنى أستطيع أن أخالف قواعد النشر كى أضع لك عزيزى القارئ (المتفاعل) ألف خطٍ تحت جملة أننا لم نزل بعد أمام الشق الأول من تعاملنا مع هذه الظاهرة، لم نزل بعد نتحدث عن إيقاف الجريمة أولاً، حتى لا يتعجّل أحدٌ الحكم على سلسلةٍ لم تنتهِ بعد.
إعلامٌ شريفٌ يوجِّه، كان أحد أركان معادلتنا لإيقاف النزيف، والحق أن صورةً قاتمةً كانت قد استقرت فى مخيلتى قبل أن أشرع فى كتابة المقال عن حجم الدور السلبى الذى يؤديه الجهاز الإعلامى بكل صوره حيال ترسيخ هذه الظاهرة المؤسفة، وكان أغلب ما يدور فى ذهنى ويتعلق بأجهزة الإعلام منصباً على تعمدها إثارةً فجَّة للغريزة الجنسية عند شبابٍ أقعدته الحاجة والعوز وأشياء أخرى عن إشباع هذه الغريزة، ومن ثمّ تأخذ نصيبها من تحريضٍ يظل غير مباشرٍ.. لكنى أعترف أنى بُهت بتأكيد كثيرٍ من القراء أن الأمر تجاوز التحريض غير المباشر بمراحل، ليصل إلى مشاهد تحرش بدرجاتٍ مختلفة يقوى بتأديتها شبان ممثلون يتخذهم أبناء الخامسة عشرة وما حولها قدوةً ونموذجاً يحتذى! نعم والله هكذا سمعت وهكذا أكّد لى من أثق بصدقهم ممّن يحاول إصلاحاً فى هذا الوسط!
وحتى لا ينصرف الذهن إلى غير ما أريد، أنا لا أتحدث هنا عمّن حاول أن يعالج الظاهرة بطريقةٍ إصلاحية تبرز حجم المأساة كمثل القائمين على فيلم «٦٧٨»، إنما أتحدث عن أفلام يشاهدها فتيان أغرار تشرح لهم بالصوت والصورة تنفيذ الجريمة بكل حذافيرها! نظرات وحركات وألفاظ، كلها يندرج بلا تفكير تحت بند التحرش يقدمها نجوم شباك شباب وآخرون بلغوا من الكبر عتياً بغير رقيب أو حسيب! والأدهى من ذلك أن هذه المشاهد تدور فى إطار من خفة الظل والاستظراف ينطبع به فى ذهن المتلقى غير المميز أن التحرش جزء من نمط الحياة الطبيعية أو هو مكون مهم من مكونات شخصية الشاب المرح المتفتح! والأكثر مرارة أن تُصور المرأة فى كل هذه المشاهد ساكتة غاضة للطرف عما تتعرض له؛ فيخيل للمتحرش مريض النفس بعد ذلك أنها راضية متلذذة بهذا الهوان، فينزل إلى الشارع متصوراً كل النساء كلأً مستباحاً.. وللحديث تتمة.

لا داعي لإيران سيادة الرئيس- الأهرام - 28 أغسطس 2012


في هذه المرحلة الدقيقة التي نعيد فيها ترتيب البيت من الداخل‏;‏ نحتاج إلي رؤية محددة لإعادة هندسة أولويات وتوجهات السياسة الخارجية المصرية‏.‏
رؤية ننطلق منها لنرسم لمصر مكانا محوريا يؤهلها للعب دور قيادي منشود; ومن ثم تصبح زيارات الرئيس الخارجية تنفيذا دبلوماسيا لخط استراتيجي عام وإطار سياسي شامل يعكس أولويات دوائر صنع واتخاذ القرار في مصر بعد الثورة.
علي سبيل المثال; حينما يمم الرئيس وجهه شطر المملكة السعودية في أولي زياراته الخارجية ظننا أنه أعطي دلالات قوية للشرق والغرب لملامح السياسة المصرية الخارجية وأولوياتها بعد الثورة; ومن لم ير فيها ما يدعوه لاستشفاف هذه الملامح أتته كلمات الرئيس في معرض زيارته واضحة لا تحتمل تأويلا: إذا كانت السعودية لمشروع أهل السنة والجماعة راعية فإن مصر لهذا المشروع حامية; وأتت من بعدها زيارته الإفريقية لتكمل رؤية صانع القرار للدوائر الإستراتيجية المحتملة للسياسة المصرية الخارجية.. لكن الرؤية اختلت كثيرا بالإصرار علي زيارة إيران بحجم تمثيل دبلوماسي رفيع المستوي يترأسه زعيم مصر بعد الثورة. إصرار يحمل علامة استفهام مؤرقة عن أهمية الزيارة وتقديرنا للدولة المضيفة.
فلننح جانبا فكرة حتمية الذهاب من الناحية البروتوكولية; إذ يكفي في ذلك وزير الخارجية أو حتي من هو أقل منه منصبا للقيام بهذا الدور; التوقيت غير مناسب بالمرة لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها أن إيران هي الأكثر شراسة واستماتة في الدفاع عن نظام( بشار) فاقد الشرعية; تثبيتا للقوس الفارسي الخصيب آن تنفلت منه أحد أهم حباته; ولولاها لسقط منذ زمن بعيد; وإيران تسعي لاستغلال فرصة قمة عدم الانحياز لكسر العزلة السياسية المفروضة عليه; وهي أحد أهم أوراق الضغط المتوافرة لإسقاط النظام السوري فكيف نساهم في مداواة جراحها ؟
إيران التي دأبت علي دس أنفها في شئون دول كثيرة لن تكون سوريا آخرهم. تصدير المد الشيعي الذي يجري علي قدم وساق في طول إفريقيا وعرضها وفي القلب منها مصر أكبر دول العالم الإسلامي هواية عند النظام الإيراني; العبث بأمن الخليج العربي ورقة ابتزاز يلوح بها من حين لآخر; العراق الذي مثل صمام أمان وبوابة شرقية للأمة العربية والإسلامية أصبح كلأ مستباحا للاستخبارات الإيرانية تعيث فيه فسادا; الدعم اللوجيستي والعسكري للحوثيين في اليمن; إثارة القلاقل في البحرين والتصريح الدائم المستفز أنها إحدي ولايات الدولة الفارسية; التحرش الدائم بالإمارات العربية واحتلال جزء من أراضيه; وأخيرا تصدير أزمة النظام السوري فاقد الشرعية إلي لبنان لتندلع مواجهات أبناء الوطن الواحد من جديد.
الذين يدافعون عن الزيارة باعتبارها ردا علي التهديدات الإسرائيلية بضرب طهران حجتهم داحضة; لأن الحرب الوحيدة التي يمكن أن تنشب بين إيران والصهاينة لا تتجاوز بأي حال معارك إعلامية كلامية تتجدد فصولها المملة من وقت لآخر وترتفع سخونتها حسب رغبة كل فريق لتحقيق مكاسب يرجوها, إما عن طريق ابتزاز شعبه أو لكسب مساحة أكبر من التأثير والنفوذ; وغاية ما هنالك أن تحرك إيران وقتما يحلو لها( حزب الله) مخلب القط الذي تحتفظ به في الجنوب اللبناني; وأبرز الأدلة علي هذا التحليل تصريحات بيريز الأخيرة أن إسرائيل لا تستطيع وحدها توجيه ضربة عسكرية لإيران أشبه بكابح الجماح( الفرامل) التي تعيد الفريقين إلي مضمار السباق من جديد.
أسخف من ذلك توهم إمكانية الضغط علي الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب بزيارة كهذه; ولو أردت عودة إلي الوراء لتدرس بعمق أكثر طبيعة العلاقات الإستراتيجية الأمريكية الإيرانية-وطالما أن الولايات المتحدة أحد طرفي العلاقة فإن ذلك يعني إسرائيل بصورة ضمنية- فلا زالت ذاكرة التاريخ تحفظ في سجلاتها السوداء كلمات علي أبطحي مساعد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي: لولا مساعدتنا لها-لأمريكا يقصد- ما دخلت أفغانستان ولا العراق. وهو نفس الأمر الذي أكده أيضا الباحث الإيراني محمد غلام رضا عقب فوز أوباما بانتخابات الرئاسة الأمريكية; بل أماط اللثام عن ما هو أكثر من ذلك بقوله: إن الحوار بين إيران وأمريكا لم ينقطع, حيث أن طهران كانت في حوار دائم مع واشنطن في بغداد, كما أنها استلمت رسائل من أمريكا عبر السفارة السويسرية. وعلامات غيرها كثيرة علي( استراتيجية) العلاقة الأمريكية الإيرانية.
ربما أراد الرئيس الضغط علي الخليج العربي كله, باستثناء قطر التي تشير التوقعات إلي حضورها, عن طريق لعبة التوازنات واستخدام سياسة العصا والجزرة; لأن التلويح ولو من طرف خفي إلي التقارب المصري الإيراني سيمثل فزاعة حقيقية لمن لايزال يشكك في قدرة مصر تحت قيادة رئيس ينتمي إلي التيار الإسلامي; وسيدفع كل من تلكأ في مساعدة البلاد أن تخرج من أزمتها الإقتصادية. لكن هذا الإفتراض لو صح سيكلفنا الكثير; في وقت نحتاج معه لإستخدام أساليب الإحتواء والطمأنة أكثر من حاجتنا لإستخدام التهديد.
سيادة الرئيس.. لا نريد مد حبال قوية للتواصل مع إيران في الوقت الذي تكفينا فيه شعرة معاوية; وشتان بين الحبل السميك وبين الشعرة المهترئة.

التحرش الجنسي.. الردع أولاً 2 - الوطن - 27 أغسطس 2012

ذكرنا أن إيقاف الجريمة من باب درء المفاسد ينبغى أن يكون شعلنا الشاغل فى المقام الأول ونحن نعالج قضية مجتمعية بالغة الخطورة كالتحرش الجنسى، وكانت أغلب اقتراحاتكم لإيقاف الجريمة تدور حول: داعية نابه يوجه، وتواجد أمنى يُكثف، ويقظة شعبية تتقد؛ وقانون صارم يردع، وإعلام شريف يوعى.. والداعية النابه كان أول أركان الحل التى آوينا إليها.
أغلب المتحرشين إما مراهق أو لم يبلغ الحلم بعد؛ قصرت بيوتهم عن تنشئتهم على خوف الله واتقاء سخطه، يحتاجون لمن يعلمهم قول النبى صلى الله عليه وسلم «لأن يطعن فى رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، ليستشعروا فداحة الجرم الذى يعتبره أكثرهم اكتمال رجولة، يحتاجون لمن يشعرهم أن الله سبحانه حليم يصبر على الإساءة لكنه ليس بغافلٍ عما يعمل الظالمون.
والدعوة إلى ترك رذيلة التحرش الجنسى هى التى ستثمر يقظة شعبية متقدة، هى التى ستنفخ روح النخوة فى أوساط المجتمع المصرى، ليستشعر (أولاد البلد) من جديد أى عارٍ يغرقون فيه حتى الآذان حين تُنتهك حرمة امرأةٍ أمام أعينهم دون أن يكفوا المتحرش بها عن فعلته الشنعاء؛ وتأمل معى ماذا لو انتشر بين هؤلاء الذين يرون بأعينهم وقائع تحرشٍ سافرة ثم لا يحركون ساكناً أن الله سبحانه يغار، وغيرة الله أن تُنتهك محارمه؟ ماذا لو أدركوا أنهم مشاركون فى هذه الجريمة النكراء بسكوتهم عن استباحة أعراض النساء؟
أليس منكم رجال راشدون يلقون القبض على هؤلاء كما يُفعل مع أى لصٍّ أثيم ويقتادونهم إلى أقسام الشرطة؟ بالمناسبة، تذكرت خبراً قرأته فى بداية عام ٢٠١٠ أن د. أحمد درويش وزير التنمية الإدارية وقتئذٍ رأى أحد مجندى الشرطة يتحرش بفتاةٍ فى وضح النهار، فما كان منه إلا أن اصطحبه معه حتى سلمه لقسم الشرطة؛ بالتأكيد وضعه يختلف عن آحاد الناس، لكنه لم يتردد فى أداء واجبٍ ما أملاه عليه إلا فطرته ودينه؛ وحين يأتى الدور فى تحليلنا على التواجد الأمنى؛ سنوضح العلاقة المطلوبة بين المجتمع ورجال الشرطة لكفِّ هذه الظاهرة، كما سنوضح أن التعامل الشرطى نفسه مع المتحرش لا بد أن يتغير بالكلية ليثمر الردع المطلوب؛ لا ليجعله أكثر جرأة على انتهاك حرمات المجتمع.
الدعوة إلى ترك الرذائل والمستقبحات ميزت هذه الأمة بخيريةٍ استمدتها من تشربها لمعانى التناصح والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى الوقت الذى هلكت فيه مجتمعاتٌ أخرى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن منكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)؛ لذلك أرى أن هذا أمرٌ لا يقتصر على أحدٍ بعينه، فالكل يدخل تحت قول النبى صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عنى ولو آية»؛ بل يدخل فيه كل عاقلٍ قادرٍ على نشر الوعى فى ربوع المجتمع، تدخل فيه الشركات والمؤسسات الوطنية بنصيب من مسئوليتها الاجتماعية «social responsibility» فى صورة حملات توعيةٍ فى الشوارع والمنتديات غنيها وفقيرها، بالمطبوعات وبالملصقات، بالندوات والمؤتمرات.

التحرش الجنسي.. الردع اولاً 1 - الوطن - 23 أغسطس 2012

دائماً ما كنت أستشعر اشمئزازاً لا يُوصفُ كلما وقعت عيناى على ذكر «التحرش الجنسى»، وكنت على يقينٍ تام أن «المتحرش» شخصٌ قد انتكست فطرته إلى حدٍ يستوجب إعادة تأهيله «إنسانياً» قبل أن يستوعبه المجتمع فى صفوفه مرةً أخرى.. غير أن هذا الاشمئزاز انقلب ذهولاً عاتياً لمّا تعدت هذه الجريمة حاجز الانحطاط السلوكى الفردى لأسمع عن «التحرش الجنسى الجماعى»، ثم انقلب الذهول بدوره فأصبح مرارةً لا حد لها حينما رأيت صور بعض «المتحرشين» التى نشرتها الصحف تكشف عن هوية صِبية بعضهم مراهق وبعضهم لم يبلغ الحلم بعد.. ثم تحولت المرارة غضباً عارماً لمّا رأيت «مجتمعاً» إما غافلاً لا يُحرك ساكناً، وإما عاجزاً لا يردع مجرماً، وكلاهما يكفى لوصف خللٍ واضحٍ فى منظومة القيم وشرخٍ ظاهرٍ فى بنيان الهوية المصرية، فكيف بمن تلاشت من قلبه آخر أمارات النخوة والرجولة فيشجع المتحرش على فعلته بقوله «يستاهلوا»؟!
أتفهم تماماً أن الحل لا يمكن أن يقدم فى مقالٍ أو حتى سلسلة من المقالات؛ إذ إن حجم المشكلة أكبر من أن يدلى فيه عقلٌ واحدٌ بدلوه، لكنه الجهد المتكامل للدعاة والعلماء والتربويين والكتاب والإعلاميين والقانونيين الذى سيصل بنا حتماً إلى بر الأمان، بل وأنا أيضاً شديد الاقتناع أن التحليل العميق لدوافع هذا السلوك الإجرامى سيساعدنا بشكلٍ تلقائيٍ على ابتكار الحلول قصيرة وبعيدة المدى على السواء.. لكن الواجب الشرعى والمنطقى يقتضى أن نسعى فوراً للأخذ على يد المعتدى لوقف «المفسدة» ابتداءً؛ لأنه وبغض النظر عن الحالة النفسية التى سيطرت على المتحرش وزينت له قبح فعله، أو العوامل الاقتصادية والاجتماعية التى سنعرض لها بالتفصيل، فإننا أمام جريمة مكتملة الأركان تتكرر بشكلٍ يومى فى شوارعنا ومواصلاتنا العامة وجامعاتنا، لن يفلح فى مواجهتها قلم مرتعش أو أنفة من الاعتراف بالتقصير أو دورانٌ فى فلك تحليلٍ سطحى؛ فوجهة نظرى أن يدور الحل على محور تحقيق نظرية الردع أولاً من باب رفع الضرر الذى أُمرنا به فى حديث «لا ضرر ولا ضرار».
وبالمناسبة فإن أغلب ما تخطه يمينى فى هذه المقالات ليس إلا نسجاً لمجموعةٍ من الحلول وردتنى عن طريق اقتراحات زوار موقعى على الـtwitter فى تجربةٍ استفدت منها كثيراً، وشركائى فيها هم قراء أخلصوا وتفاعلوا فأبدعوا.. ودارت أغلب اقتراحاتهم لإيقاف الجريمة أولاً حول: داعية نابه يوجه، ووجود أمنى يُكثف، ويقظة شعبية تتقد، وقانون صارم يردع، وإعلام شريف يوعى.. ببساطة كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته.
أمّا الداعية النابه فهو ذلك الذى يتلقف الشباب من على النواصى وفى المنتديات يبصرهم أن الله سبحانه قد حرم الأعراض كما حرم الدماء والأموال، وخطب بذلك الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى آخر حياته: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب». يدفعهم إلى التخوف من وقوع الجرم نفسه مع أقرب الناس لهم كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع الشاب الذى طلب منه الإذن بالزنا: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟».. الحديث، فلعل ذلك أن يحدث الأثر المطلوب فى نفس شابٍ تحلل من كل قيود الحياء بتخويفه من قانون «افعل ما شئت كما تدين تدان».. وللحديث تتمة.

عمر يواجه طلب الاستجواب! - اليوم السابع - 20 أغسطس 2012

ذكرنا أن عمر بن الخطاب قسًَّم مجلسه الاستشارى الطارئ لبحث أزمة طاعون عمواس إلى ثلاث فرق، يستشير كلاً على حدة ليتحاشى "تأثير هالة" كل فريق على الآخر، حتى انتهى به المطاف إلى استشارة الفريق الذى حوى أهل الخبرة والتجربة الطويلة "مشايخ قريش" فلم يختلف عليه منهم اثنان.. كانت المفاجأة أن هذا المعسكر تحديدا قد حسم أمره بضرورة رجوع قيادات الصف الأول كلها إلى المدينة، والتراجع عن القرار الأول بزيارة الشام، فقالوا: "نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء".

وبذلك لم يعد أمام عمر سوى هذا الخيار تطبيقاً لقواعد الشورى التى تشترط الأغلبية فى إصدار القرار، وهو ما تحقق بجمع من مَالَ إلى هذا القرار من معسكرى المهاجرين الأوائل ثم الأنصار، وأخيرا معسكر مشايخ قريش، وفى ذلك يقول الإمام النووى معلقاً: "وكان رجوع عمر رضى الله عنه لرجحان طرف الرجوع لكثرة القائلين به، وأنه أحوط، ولم يكن مجرد تقليدا لمسلمة الفتح، لأن بعض المهاجرين الأولين وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع، وبعضهم بالقدوم عليه، وانضم إلى المشيرين بالرجوع رأى مشيخة قريش، فكثر القائلون به، مع ما لهم من السن والخبرة وكثرة التجارب وسداد الرأى".

فلمَّا أعلن فى الناس قراره وهمَّ بالرجوع، فوجئ عمر وفوجئ الناس بأن رئيس أركان الجيش وأحد أبرز قيادات الدولة فى ذلك الوقت أبوعبيدة بن الجراح يطلب "استجواباً" علنياً لرئيس البلاد إذ يقول: "أفرارا من قدر الله ؟".. "الاستجواب" كأداة من أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية مثَّل ركناً من أركان النظام السياسى فى الإسلام، لكنه فى هذه الحالة لم يكن له ما يبرره حقيقةً، لأن عمر أدار جلسات استماع مجلس المستشارين بأقصى درجات الشفافية واطلع الجميع على نتائجها، بل إنه حتى لم يستخدم حقه فى إبداء رأيه الشخصى فضلاً عن رأيه المرجح، واعتمد فقط على أصوات الأغلبية وهو ما عبَّر عنه عمر بمرارةٍ قائلا: "لو أن َّغيرك قالها يا أبا عبيدة"، يلوم عليه ذلك، لما بينهما أولاً من شدة انسجامٍ وتفاهمٍ يصعب معه أن لا يعرف أبوعبيدة لمَّ اتخذ عمر هذا القرار، وثانياً لاطلاع أبى عبيدة على عملية الشورى برمتها، وثالثاً لأن هذا اتهامٌ صريح "استجواب" لم يسبقه "طلب إحاطة" يترك لعمر فرصة سوق مسوغات هذا القرار تحديداً.. غير أن القائد الأعلى استجاب لطلب رئيس الأركان، فطالما أنه اتخذ قراراً، فعليه أن يقدم مسوغات هذا القرار لعامة شعبه ويتحمل ذلك نيابةً عن مستشاريه وقادته باعتباره رأس السلطة التنفيذية، فقال: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما مخصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ؟".. لابد أن يدفع عن نفسه تهمة الجبن، وأن يبرهن على قراره بالأسلوب العلمى المنطقى المقنع، لاحظ أن عمر هنا يتحدث بوصفه قائداً سياسياً يصيب ويخطئ، فنزع عن نفسه كل أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم التى زكَّته ورفعت قدره على من سواه، كمثل حديث: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" أو حديث: "لو كان بعدى نبى لكان عمر بن الخطاب" أو غيرهما، فلم يستخدم أياً من ذلك سلطاناً لنهر من استجوبه.. مثال نهمس به فى أذن من يملأ الدنيا ضجيجاً عن مخاوف الدولة الدينية ونقول له لم يعرفها الإسلام يوماً، وأجدنى مدفوعاً أيضاً أن أهمس به فى أذن من يغالى فى حب شخص ينتمى إلى التيار الإسلامى ولا يقبل أن ينتقد محبوبه أحد!

"القياس" كان هو الأسلوب المنطقى التحليلى الذى استخدمه الخليفة الراشد لتبرير موقفه، فلجأ إلى مثالٍ يومى ٍاستقاه من البيئة المحيطة، ليدلل على أن التفكير المنطقى السليم الذى يقود راعى الإبل إلى ترك الأرض المقفرة الجدباء والتوجه بإبله إلى الأرض الخصبة كنوعٍ من الأخذ بأسباب طلب الرزق للبهيمة لا يتم إلا بقدر الله لأنه سبحانه خلق كل شىء بقدر، فكذلك الأمر فى قضيتهم تلك.. وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 7 .. وتعليق على قرارات الرئيس - الوطن - 16 أغسطس 2012

تسرب رمضان من بين أيدينا كعهده فى كل عام دون سابق إنذار وكأنى به يؤكد وصف الله سبحانه «أياماً معدودات»..كل عام وأنتم جميعاً بخير وإلى الله أقرب وعلى الإحسان أحرص. أردنا منذ بداية هذه السلسلة أن يصبح الإحسان وصفاً ملازماً للإنسان فى حياته بعد رمضان؛ وصورنا الشهر الكريم مدرسة تفتح أبوابها مجاناً لكل من أراد تدريب نفسه على تحرى الإتقان؛ وتعود مخالقة الناس بخلق حسن؛ وسعى إلى أن يعبد الله كأنه يراه؛ ثلاثية المعانى التى عشنا فى ظلها على مدار الشهر.. لذلك كانت الإشارة النهائية إلى المفهوم الشامل لعلاقة الإنسان بربه سبحانه التى تحول العادة الدنيوية إلى عبادة يثاب عليها صاحبها إذا ما تحرى النية الصادقة؛ فمن وفّى نفسه حظها من المباحات بكل أنواعها بنية تقويتها على أعمال الطاعات كان مأجوراً على ذلك، كما قال معاذ بن جبل: «إنى أحتسب نومتى كما أحتسب قومتى»؛ يطلب الثواب على فترة نومه طالما أنه ما أراد منها سوى الاستعداد ليوم جديد يتحرى فيه طاعة ربه سبحانه؛ حتى علاقة الرجل بزوجته المبنية أصلاً على تعلق طبيعى؛ يقول فيها النبى صلى الله عليه وسلم: «فى بضع أحدكم -فى إتيانه لشهوته- صدقة؛ قالوا: يا رسول الله، أيأتى أحدنا أهله فيكون له فيه أجر؟ قال: أرأيت إن وضعها فى الحرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان له فيها أجر»، وذلك هو التطبيق العملى لحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى».
الشريعة الإسلامية لم تسعَ إلى صياغة شخصية «رمضانية» تبلغ ذروة عبادتها فى هذا الشهر وحده؛ ثم تعود إلى سابق عهدها إذا ما انقضت أيامه؛ بل سعت إلى أن تكون هذه الأيام المعدودات بمثابة دورة تدريبية مكثفة تخرج إلى الدنيا أشخاصاً يحرصون على التحلى بالتقوى فى كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياتهم.
قبل الختام:
لا أريد فى اللحظة الراهنة أن أضيف كثيراً إلى آراء كل من عكفوا على تناول قرارات الرئيس (الثورية) بالتحليل؛ لكنى كنت قد نوهت من قبل فى مقال «كان الاختبار حتمياً» إلى: أنه فى صراعات الأقوياء؛ إذا ما لم يستطع فريق بعينه أن يحسم معركة القيادة لصالحه من الجولة الأولى؛ فإنه سيحرص على القبول بفكرة تحديد نطاق من النفوذ لا يتعداه هو أو خصمه؛ فلا يتورط فى نزاع يستزف طاقته مع من يماثله أو حتى يقترب منه فى القوة طالما كانت مناطق النفوذ غير مهددة؛ ولما كان تحديد نطاق النفوذ هو ترجمة ضمنية لقوة كل فريق؛ فسيسبقه ولا بد اختبار يقيس هذه القوة سواء أتى اتفاقاً أو عمد أحد الطرفين إلى أخذ زمام المبادرة وقرر القيام بإجراء يختبر به قوة خصمه.. وتستمر اختبارات القوة لتحديد نطاق النفوذ حتى تأتى لحظة حسم تسفر عن انتصار قوى واحد.. وفى حالتنا تلك أتت لحظة الحسم بأسرع مما يتوقع أى أحد.
لم أكترث بمحاولات الأمريكيين الخرقاء إثبات معرفتهم بهذه القرارات قبل وقوعها؛ فهذا دأب الإدارة الأمريكية الذى لن تمل من تكراره؛ إنما الذى أثار حفيظتى حقيقة هو تصديق البعض سيطرة أمريكية متوهمة على مجريات الأمور فى كل بقاع الأرض.. أفيقوا يرحمكم الله أنتم فى زمن الربيع العربى!

رمضان ومعاني الإحسان 6 - الوطن - 14 أغسطس 2012

المعنى الثالث والأخير للإحسان الذى نحط عنده رحالنا هو ذلك الذى أشار إليه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، مجيباً سؤال جبريل عليه السلام: «فَأَخْبِرْنِى عَنْ الإِحْسَانِ».. وأجد أنه يتناغم مع ليالى رمضان العشر الأواخر التى أظلتنا بركاتها أيما تناغم.
فى جملةٍ واحدة يصف لنا الحديث مقامين عظيمين للإحسان بينهما من التفاوت الشىء الكبير، أولهما وأرفعهما قدراً: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فيعبد الإنسان ربه مستحضراً قرب الله منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه (يعنى كأن الإنسان يرى ربه فى التو واللحظة) فيثمر ذلك عنده مهابةً وتعظيماً وحباً ورجاءً تدفعه إلى إتقان العمل على أفضل وجه (لاحظ أننا عدنا إلى معنى الإتقان مرةً أخرى).
أما من لم يستطع تحقيق ذلك فيأتيه المقام الثانى وهو ما اصطلح علماء المسلمين على وصفه بـ«المراقبة» أو الإخلاص «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وهو أن يعمل الإنسان على استحضار أن الله سبحانه مطلعٌ عليه فى سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شىء من أمره كمثل قوله سبحانه منبهاً عباده: «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ»، فإن فعل ذلك أصبح مخلصاً لله لا يلتفت لجزاءٍ من غيره.. وهذا المعنى متحققٌ بحذافيره فى صيام رمضان تحديداً؛ إذ إنها العبادة الوحيدة ربما التى يراقب فيها العبد اطلاع الله سبحانه على سره وباطنه؛ فصيام ثلاثين يوماً إذن نوعٌ من التدريب المتواصل على تحرى الإخلاص فى كل قولٍ وعمل يستمر معنا إلى سائر شهور السنة.
ويمكن باستحضار النية أن يتحول العمل الدنيوى إلى طاعةٍ يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه، ومن ثم يصبح معنى أن تعبد الله كأنك تراه واسعاً إلى حدٍ يشمل ما لا يخطر على أذهان الكثيرين، وذلك قوله سبحانه: «قُلْ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»؛ فمجرد تبسمك فى وجه من تلقاه صدقة لا يستهان بفضلها، وإذا صافحت آخاً لك تساقطت ذنوبكما، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على قلب مسلم، ولكم فى كل كبدٍ رطبةٍ أجر.. وللحديث تتمة.

مجلس عمر الاستشاري لإدارة الأزمة - اليوم السابع - 11 أغسطس 2012

لما كان عمر خبيراً لا يشق له غبار فى تقييم الرجال ومعرفة قدراتهم وفضلهم وتباين نفسياتهم، فقد عمد إلى تقسيم مجلسه هذه المرة إلى ثلاثة أقسامٍ مختلفة.. المهاجرون الأولون، ثم الأنصار، وأخيراً أشياخ قريش من مسلمة الفتح، يعقد مع كل فريقٍ منهم اجتماعاً مستقلاً يستعرض فيه أزمة طاعون الشام «طاعون عمواس» التى نزلت بساحة الدولة الإسلامية وينصت إلى مناقشاتهم وما انتهوا إليه من رأى، ثم يقوم إلى الاجتماع الذى يليه.. وما حمله على ذلك إلا أنه أراد لكل فريقٍ منهم أن يحتفظ بذات خصائصه النفسية المهيمنة على تفكيره دون تأثرٍ برؤية فريقٍ آخر، فقد يحمل الإحراج طائفة أن تتنازل عن رأيها أو تتهيب من الإفصاح عنه إذا ما خالف رأى من يعرفون سبقه أو مكانته... إذن فقد تحاشى عمر بإجرائه هذا ما بات يعرف بعد هذه الواقعة بقرون باسم «تأثير الهالة the halo effect».

تقول رواية ابن عباس: «قال عمر: ادع لى المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عنى».

المهاجرون الأول لا تنقصهم الشجاعة، فهم من شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزواته من أول بدر الكبرى، وهم الذين تركوا أموالهم وأهلهم وراء ظهورهم تلبية لنداء الإيمان، إلى جانب مزيد فضلٍ من العلم والدين ميزهم عن غيرهم.... كلا فريقى المهاجرين لم يُعرِ العاطفة اهتماماً وإنما كان اجتهادهم عملى بحت وفق أصول مناهج الإدارة، فتجد فريقا منهم نظر إلى التأثير السلبى على «المدى القصير»، فرأى أن التراجع عن قرار زيارة الشام لا يتفق ونهج الحزم فى الإدارة، بل من شأنه أن ينال من هيبة الدولة لاسيما مع اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية، فلن تتحمل فى رأيهم الجماهير أن ترى من أمير المؤمنين وكبار مستشاريه تراجعاً.

أما الفريق الثانى فليس قولهم «معك بقية الناس - يعنى وجوههم وأفضلهم - وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» خوفاً على أنفسهم من الموت، فهم يعلمون أن هذا الجيل لابد أن يكون مصيره إلى نهاية محتومة شأن كل الناس، لكنهم ذهبوا فى تحليلهم إلى البعد الاستراتيجى «بعيد المدى» للمسألة، فوجدوا أن دخول الشام وقت الطاعون يحمل نسبة خطرٍ كبيرة على قيادات الصف الأول للدولة، فكان رأيهم أن هذه مغامرة سينتج عنها فراغ قيادى هائل يصعب تعويضه مرةً واحدة.

أما الأنصار وهم من آوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت العسرة ولا ينقصهم فضل العلم والدين أيضاً، فبعدما انفض الاجتماع الأول استدعاهم عمر: «ثم قال: ادع لى الأنصار فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عنى»... قد ذهبوا إلى نفس المسلك، فأصبحت كفتا الرأيين متساويتين، واشتدت صعوبة الموقف على متخذ القرار، فأمر بالاجتماع الثالث: «ثم قال: ادع لى من كان هاهنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء»، ويقصد بمشيخة قريش الذين أسلموا بعد فتح مكة، وهذا المعسكر تحديدا، وإن كان له فضل الصحبة ولا شك، لكن عمر كان يتوسم فيهم خصلتين رئيسيتين عند الاستشارة: السن وكثرة التجارب.. والمفأجأة أنهم لم يختلفوا على رأيين، بل كان جوابهم قولا واحدا حاسما: ضرورة الرجوع.. وللحديث تتمة.

سيناء.. من صنع المشكلة؟ - الأهرام - 11 أغسطس 2012

من وسط رائحة الدماء وآهات الثكالي ودموع الأيتام وصرخات الثأر لابد أن تفكر عقول بروية وتخط أقلام علي الورق بهدوء تشخيصا منطقيا مدروسا لطبيعة الأزمة وبالتالي تصبح سبل العلاج أكثر قبل التحرك بتأثير حمية الغضب فقط‏.‏
صحيح أن التعامل الأمني الصارم مطلوب بشدة لردع من تسول له نفسه العبث بأمننا; لكن أخشي لو اكتفينا بالحسم العسكري وحده أن نستدعي من الذاكرة صورة من يباغت بكرة من اللهب تلقي في حجره فينهمك من ساعته في محاولة هوجاء للتخلص منها حذر أن تحرق ثيابه وتنفذ إلي جلده فيناله منها الأذي, وما أن يتنفس الصعداء بالتخلص منها حتي يباغت بكرة لهب أخري تلقي من جديد في حجره لتأخذ بمجامع فكره; ويستمر مشهد العقاب الـ( بروميثيوسي) الإغريقي الشهير هذا إلي مالا نهاية الذي يتمثل في حالتنا بالسقوط في أسر( ردود الأفعال).
برأيي أن هناك مجموعة من العوامل الرئيسية, تراكم بعضها فوق بعض, هي الي حولت( سيناء) إلي قنبلة موقوتة توشك علي الانفجار في وجه الوطن في أي وقت أركان أربعة, هي القهر والإهمال والعنصرية والظلم أسهمت في خروج سيناء من الحسابات الوطنية بشكل عملي بعيدا عن شعارات أدمنها النظام السابق ولم يكن لها من الواقع رصيد حقيقي.
كان تعامل وزارة الداخلية سلبيا مع مشكلات المخدرات وتهريب السلاح في سيناء بصورة قمعية تعمم العقاب علي الصالح والطالح ولا تعرف عن معان الإنسانية والرحمة حتي في التعامل مع المجرم شيئا; تكريسا لروح( إنا فوقهم قاهرون) بكل حذافيرها; فكانت الشبهة وحدها ذريعة كافية للتنكيل بأهل المتهم وذويه وقبيلته من النساء والرجال والأطفال إشباعا لروح السادية التي تحلي بها رجال( العادلي). وقد كانت نار الثأر تتقد في قلوب بدو سيناء مع كل مداهمة أمنية تنتهك فيها الأعراض; ويزيد الاتقاد عاما بعد آخر.
الجهاز الإعلامي أخذ حظا وافرا من عوامل الظلم والعنصرية; فتفنن عبر عقود في إنتاج أفلام ومسلسلات ترسخ في عقول المصريين صورة ذهنية بالغة السوء عن أهل سيناء; حتي أصبح السيناوي في نظر عموم المصريين أحد رجلين إما خائن لوطنه بالعمالة لإسرائيل أو بالاتجار في المخدرات.. والنار مازالت مشتعلة تحت الرماد. ثم الإهمال بكل صوره. ومن أكثرها بشاعة تغييب المؤسسات الإسلامية وعلي رأسها الأزهر وإقصاء التيارات الإسلامية التي تبنت النهج الإصلاحي عن التواصل مع أبناء سيناء بصورة توضح حقيقة المنهج الإسلامي الفكري البعيد تماما عن اعتناق مذاهب تكفيرية شيطانية; والذي يعلم المسلم منذ نعومة أظافره أن كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه. علي أن غير المسلمين من شركاء الوطن دماؤهم وأموالهم وأعراضهم معصومة; فكان أن تغلغلت أفكار شيطانية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد بين قطاع ليس بالقليل من أبناء سيناء لم يجدوا من يأخذ بيدهم أو يهديهم سبيل الرشاد.
هذا بالإضافة إلي أوضاع اقتصادية متدنية يعيشها أغلب أبناء سيناء في الوقت الذي تبصر فيه عيونهم ملايين الدولارات تدخل جيوب حفنة من رجال أعمال يسيطرون علي منتجعات شرم الشيخ والغردقة. ولو فاض منهم شيء فإنما هو فتات يلقي لأيتام. وقد بلغ اتقاد النار في القلوب ذروته إذن لكنه كمن تحت الرماد يعلن عن نفسه من وقت لآخر. سنوات من الإهمال والعنصرية والظلم وضعت أهلنا السيناويين أمام خيارات ثلاثة لا مناص عنها, إما المخدرات زراعة وتجارة وتهريبا; أو العمالة لأعدي أعدائنا من باب النقمة علي البلد التي ازدرته, أو تكفير لمن يري فيهم صورة جلاد سامه سوء العذاب من قبل... وتلك أدهي وأمر.

ابحث عن المستفيد - الوطن - 9 أغسطس 2012

تريد أن تكشف غموضا يكتنف أى حادث أو جريمة؟ إذن عوِّد نفسك على التفكير بمنطق (دوافع السلوك) الأثير عند علماء النفس؛ ونعنى به فى مقامنا هذا البحث عن المستفيد من وقوع الجريمة؛ إذ إن معرفته تسهل كثيراً الوصول لحل أصعب المعضلات.
مَن المستفيد من وقوع حادث رفح؟ من المستفيد من اضطراب الوضع فى مصر وخروجنا من أزمة إلى أختها فى سلسلة دوامات لا نعرف لها آخراً؟
ضع قائمة تملؤها بمن شئت؛ لكن من فضلك استثن منها غزة وحماس، ولا تسِر على درب من يريدنا أن نلغى عقولنا ونقتنع بأن حماس بعدما صار قادتها يُستقبَلون فى القاهرة استقبال الأبطال، وبعدما تنفس أهل غزة الصعداء أو كادوا بفتح المعبر -رغم أنه مفتوح قبل مجىء مرسى- ينقمون على هذه النعم مرة واحدة ويقررون معاقبة أنفسهم بأياديهم.
وأى سذاجة هذه التى سنتحلى بها لتنطلى علينا التحليلات العبقرية التى تدعى تورطاً (لحماس) متحججة بمزاعم شتى، لعل أسخفها أن لهجة المنفذين كانت فلسطينية؟ أولا يعلم هؤلاء أن لهجة بدو رفح لن تفرق كثيراً عن لهجة فلسطينيى غزة؟ بل الأدهى من ذلك أن (الموساد) و(الشين بيت) لديهما مجموعات استخباراتية يتكلمون العربية كأهلها وبلكنات محلية أيضا، بل -وياللعجب- ملامحهم شرقية كونهم من يهود (السفرديم) وهذه معلومة يعرفها أى باحث هاوٍ؛ فمالهؤلاء الخبراء لا يكادون يفقهون حديثاً؟
وإذا كان توجيه الاتهامات الآن أصبح يمارس بغير تروٍّ أو تثبت فإن البعض قد يدلى بدلوه هو الآخر ويقول: وما المانع أن يكون محمد دحلان متورطاً مثلاً؟ لا سيما وقد تعددت تقارير دولية محايدة تذكر إيواء الأجهزة الأمنية المصرية محمد دحلان وبعض العناصر الخاضعة له بالولاء فى مصر أثناء احتدام معركته مع حكومة حماس، بل ليس فقط إيواء وإنما دعم وإعداد أيضاً..
من قرابة العام وجَّه لنا الصهاينة صفعة مدوية لا يزال صداها تردده الأجواء، فكلكم يذكر قتل جنودنا وقتئذ على الحدود بأيد إسرائيلية، ورغم ذلك أتى ردنا مترنحاً كالذى يتخبطه الشيطان من المسّ، إذ لم تتخذ حكومة تسيير الأعمال المصرية وقتها رداً يرقى إلى مستوى تطلعات شعبها، رغم أن الاعتداء كان صريحاً لا يقبل تأويلا أو صرفا عن معناه الفج المباشر.. وكتبت فى حينها أن التفكير فى (غزة) باعتبارها مشكلة مزمنة تجثم على أنفاسنا ونضيق بها ذرعاً أمرٌ درج عليه الكثيرون للأسف إبان عهد النظام السابق وامتد معهم حتى اللحظة الراهنة، ورغم أن (غزة) قد مثلت لإسرائيل -عدونا الاستراتيجى- خطراًً خشيته كالموت أو أشد خشية، فإن نظام مبارك ألقاها لقمة سائغة للصهاينة بغير شفقة أو رحمة، وظل القطاع صامداً يئن تحت زخات الرصاص ونيران المدافع السَّنة تلو السَّنة، وعملاء الصهاينة يأبون حتى مجرد التنفيس بفتح المعابر، يعاونهم فى ذلك جوقة من الإعلاميين، صورت ما يحدث على تخومنا وكأنه غزوٌ فلسطينى لسيناء.
أرى أن (غزة) التى صُوِّرَت فى الأعوام الأخيرة خنجراً مغمداً فى خاصرتنا يمكن أن تتحول إلى عمق استراتيجى لمصر؛ فيمتد نفوذنا شرقاً بدلاً من التخندق عند آخر حدود مدن قناة السويس وكأننا لم نبرح مكاننا قبل عام 1973 بعد.. يمكننا أن نضرب عشرات العصافير بحجر واحد، لكنه حجر من رامٍ حاذق متقن، فإذا كانت مشكلة الأنفاق تؤرق مضاجعنا لأن الأمر لا يتوقف على إمداد إخواننا بالغذاء فحسب وإنما يتعدى ذلك إلى إضرار حقيقى بالوطن كتهريب البضائع والمخدرات والسلاح وغير ذلك؛ فلمَ لا نستفيد من الوضع القائم أفضل استفادة ممكنة اقتصادياً؟ يمكننا أن ننعش اقتصادنا وكذا اقتصاد قطاع غزة بأكمله إذا ما حولت منطقة المعابر إلى منطقة تجارة حرة تزخر بصنوف السلع المصرية بدلا من اضطرار الغزاويين إلى التهريب أو إلى تعاطى بضائع الصهاينة رغماً عن أنوفهم.

هكذا قرروا .. 2 - اليوم السابع - 6 أغسطس 2012

وأبعد ما يكون قصدى من وراء تدبيج هذه المقالات مجرد سرد أحداث أو وقائع مرتبة حسب التسلسل التاريخى فلهذا مكان آخر تبسط فيه، وإنما غرضى الأساسى هو إماطة اللثام عن المنهجية المتبعة فى إدارة شؤون الدولة و«أصول الحكم فى الإسلام» عن طريق تحليل أبرز القرارات السياسية المصيرية فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
وقد بدا لى أن نعرض أولاً لتحليل القرارات السياسية التى أديرت بها الأزمات قبل غيرها من القرارات وذلك لأنه «لا تختبر أى إدارة اختبارا جيدا إلا فى مواقف الأزمات» كما يذكر جيرى سيكيتش فى كتابه «جميع المخاطر»..... والحق أن أزمة «طاعون عمواس» وكيفية تعامل عمر بن الخطاب ومجلسه الاستشارى حيالها تعد أنموذجاً فريداً لمبادئ إدارة الأزمة ودرساً فى أصول صناعة القرار السياسى المصيرى فى أحلك الظروف وأشدها، لاسيما مع امتداد مساحة تأثير هذا القرار وتبعاته على كل دول الخلافة الإسلامية فى هذا التوقيت.
وتبدأ فصول الأزمة حينما قرر عمر بن الخطاب بوصفه رئيساً للدولة الخروج فى زيارة تفقدية للشام أحدث الولايات المنضمة إلى الدولة الإسلامية مصطحباً معه كبار رجال دولته ومستشاريه.. وربما قد بلغه تعرضها لمرض وبائى «الطاعون» إلا أن المعلومات التى توافرت لديه وقتها لم تكن مؤَكِدةً على اقتراب درجة الخطورة من «الكارثة» لتثنيه عن القيام بمهمته... حتى إذا كان بمدينة تسمى «سَرْغ» على مقربةٍ من الشام، استقبله وفدٌ رفيع المستوى من وزرائه وقادة جيوشه بالشام على رأسهم: أبو عبيدة بن الجراح، فكان أن أطلعوه على آخر تطورات الموقف بمنتهى الدقة، فأخبروه بانتشار الطاعون فى الناس بمعظم أرض الشام بشكلٍ غير مسبوق حتى عظمت أعداد ضحاياه.... هى إذن أزمة بدأت تتضح ملامحها وبدأنا نعايش أجواءها، لاسيما وقد اكتملت أركانها، وفق ما حدده محمد صدام جبر فى كتابه «إدارة الأزمات: نظرة مقارنة بين النموذج الإسلامى والنموذج اليابانى» إذ يقرر خمس نقاط هى الأبرز فى سمات أى أزمة:
1 - الإدراك بأنها نقطة تحول
2 - تتطلب قرارات سريعة.
3 - تهدد أهداف وقيم الأطراف المشاركة بها.
4 - فقدان أو ضعف السيطرة على الأحداث.
5 - تتميز بضغط عامل الوقت والشعور بالضبابية والاضطراب مما يولد القلق.
لكن الغريب فى الأمر ليس فى استيعاب عمر هذه السمات من فوره واستدعائه على إثر ذلك أركان مجلسه الاستشارى الذى تحول بفعل الظرف الراهن إلى «فريق إدارة الأزمة» لدراسة المعطيات الجديدة، إذ إن هذه تبقى نقطةً ثانوية إذا ما قورنت بطبيعة تشكيل المجلس الاستشارى نفسه أو حتى بمراحل صناعة القرار التى أبهرنا بها عمر ورسم بها ملامح المنهجية التى تكلمنا عنها.
فعادةً ما كان مجلس عمر الاستشارى ثرياً بأنماطٍ مختلفةٍ من صناع القرار، فيشمل الفقهاء وقادة الجيوش وكبار القادة السياسيين ورموز المجتمع، وكان يولى مشورة النابهين من الشباب والنساء اهتماماً بالغاً، وكان كافياً فى ظل الظروف العادية أن يدعو عمر المجلس الاستشارى للانعقاد بكل أعضائه جملةً واحدة، وتكون الشورى المنتهية بالتصويت هى الآلية المتبعة لاتخاذ القرار، لكنه فى ظل «الأزمة» اتبع «تكنيكاً» مختلفاً إلى حدٍ كبير. فقد عمد إلى تقسيم مجلسه هذه المرة إلى ثلاثة أقسامٍ مختلفة، المهاجرون الأولون ثم الأنصار وأخيراً أشياخ قريش من مسلمة الفتح، يعقد مع كل فريقٍ منهم اجتماعاً مستقلاً يستعرض فيه الأزمة وينصت إلى مناقشاتهم وما انتهوا إليه من رأى، ثم يقوم إلى الاجتماع الذى يليه.. أما التفاصيل فلها حديث آخر.

رمضان ومعاني الإحسان 5 - الوطن - 6 أغسطس 2012

«بذل الندى وكف الأذى».. عبارةٌ على اختصارها قد استوعبت ثانى دروس الإحسان التى وقفنا نقلب صفحاتها رمضانية النكهة فى المقالة السابقة.. وهى العبارة التى تناقلها علماء السلوك جيلاً بعد جيل يجيبون بها كل من سألهم عن معنى الإحسان إلى الناس، ويقصدون من ورائها أن يبذل الإنسان المعروف للناس بكل معانيه وأن يكف عنهم فى الوقت ذاته كل معانى الأذى أيضاً.. وحقيقةً لو لم يكن من باعثٍ لهمّة الإنسان على الإحسان إلى الناس سوى الظفر بمنزلة «والله يحب المحسنين» أو الخجل من تأنيب «وأحسن كما أحسن الله إليك» لكان كافياً.
وقد تتبعنا سوياً بذل الندى وكف الأذى بالاستقراء من أحاديث الصيام حتى وصلنا إلى حديث «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إنّى امرؤ صائم»، والأصل أن الامتناع عن إتيان هذه الخصال متأكد فى رمضان وغيره؛ فليس المؤمن بصفةٍ عامة طعاناً فى الناس ولا لعّاناً لهم وليس بفاحشٍ أو بذىء؛ لذا يسعنا القول إن هذا الحديث قد جمع أصول كف الأذى عن الناس قولاً كان أم فعلاً ودرّب النفوس عليها، بل وزاد عليها درجة «الحِلْم» التى يسعى لتحصيلها المحسنون فى رمضان.
و«الحِلْم» خلقٌ يحب الله سبحانه لعباده التخلق به؛ فلقد أثنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أشج عبدالقيس بقوله: «إن فيك خلتين يحبهما الله». قلت: «وما هما يارسول الله؟»، قال: «الحلم والأناة».. ومعنى الحلم -ببساطة- قدرة الإنسان على التعقل وكبح جماح نفسه (السيطرة على نفسه) عند الغضب، وكفها عن مقابلة الإساءة بمثلها والإعراض عن سفاهة المتطاولين.. ومن أشهر ما قيل فى الحلم:
يخاطبنى السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما
كعود زاده الإحراق طيبا
وإذا كان معلوماً أن مدرسة رمضان تحرص على أن يكون «الصبر» بكل صوره هو الركيزة الأساسية لمنهجها التعليمى التربوى للصائمين، فيبدو عند التأمل أن خلق «الحِلْم» ما هو إلا امتدادٌ طبيعىٌ لكل معانى الصبر تلك؛ فالصبر الذى يتعوده الواحد منا بطول معاشرة لمعانى الصيام هو الذى يساعد بالتأكيد على تكوين شخصيةٍ قادرةٍ على تحمل أذى الناس فى رمضان وغيره، أضف إلى ذلك استصحابك لحديث «إنما الحلم بالتحلم» ليكون الإعلان بذلك جاهزاً عن دورة تدريبية مكثفة تفتح الباب على مصراعيه أمام كل من تأسف إن لم يجد من نفسه قدرةً على الحلم ابتداءً، ومن ثم يصبح تحقيق حديث «الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذى لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» سهل المنال.
أما المعنى الثالث الأخير من معانى الإحسان، فقد كفانا جبريل مؤنة السؤال عنه وأجاب عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».. لكن مجال بسط ذلك مقال جديد.. وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 4 - الوطن - 2 أغسطس 2012

قارب شهر رمضان على الانتهاء، وما زالت رحلتنا دائرة فى فلك (الإحسان) تأبى أن تغادره حتى تفرغ من التطواف بكل معانيه، لنحقق الشرط الذى تعاهدنا عليه منذ البداية: (أن تمتد مساحة التعلم لتؤثر على سلوكك بعد رمضان ليصبح الإحسان عادةً ووصفاً ملازماً لك أينما حللت، إذ إن علماء النفس يؤكدون قدرة الإنسان على التخلص من عادةٍ سيئة أو اكتساب أخرى جيدة إذا ما تكلف المواظبة على فعلها أو الإمساك عنها لمدة واحدٍ وعشرين يوماً متتالية.. فما بالك بثلاثين؟).. وقد كان الإحسان إلى الناس هو آخر معنى وقفنا عنده.
وذات أحاديث الصيام التى لا يجهلها منَّا أحد هى محور حديثنا المتجدد، لكن المثير للدهشة أنها تحوى أبعاداً مختلفة تبهرك كلما طالعتها من زاويةٍ مختلفة، فمن منَّا مثلاً ليس فقط يحفظ، بل يتبارى فى تحقيق حديث النبى (صلى الله عليه وسلم): «من فطر صائما كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شىء»؟.. الحديث الذى يدرب النفس البشرية على بذل الإحسان للناس فى واحد من أرقى صوره وأفضلها، فالذى يدعوك إلى طعامِ إفطارٍ قد أعده متحمس إلى أقصى درجة لنيل هذا الثواب سهل المنال، والمدعو للإفطار متحمسٌ بدوره لا يجد فى ذلك تقليلاً لمروءته لعلمه أن ذلك لا ينتقص من ثوابه شيئاً، فالإحسان بين الطرفين متبادلٌ، إذن فقراء كانوا أو أغنياء، أصدقاء أم فرقاء.. والحق أنه تدريبٌ عملى لما سبق وأن حضّ عليه النبى (صلى الله عليه وسلم) فى أول أحاديثه بالمدينة: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام).
ويتكرر الحث على (إطعام الطعام) كصورةٍ من صور الإحسان فى نهاية الشهر الكريم، لكن بصورة التكافل الاجتماعى الإلزامى هذه المرة، وذلك حين فرضت الشريعة على المسلمين إخراج (زكاة الفطر) تطهيراً لصيامهم مما قد شابه، ولا ريب من أوجه التقصير والتفريط، وهى فى هذا قد عمدت أن تشير إلى الإحسان للفقراء تحديداً، وقبل مناسبة يتهيأ فيها الجميع للاحتفال والابتهاج بيوم فطرهم، لعل ذلك أن يحدث الأثر المطلوب فى ترابط المجتمع وتماسك بنيانه، بغرس الإحسان إلى الفقراء فى نفس كل ميسور الحال.
أما قوله (صلى الله عليه وسلم): «الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل» فنوعٌ آخر من تهيئة النفوس وإعدادها لأقصى درجات الأدب وحسن الأخلاق مع الناس، فهو أولاً (صلى الله عليه وسلم) قد عمد إلى النهى عن التلفظ بالفاحش والردىء من الكلام (الرفث) والذى يشمل كل أنواع السباب والشتيمة والسخرية من الآخرين والغمز واللمز والكذب والغيبة والنميمة، ونهى عن الابتداء بالجهل على الناس أى التطاول عليهم بسفهٍ غير مبرر فى قوله: (ولا يجهل) وزاد على ذلك (صلى الله عليه وسلم) أن يمتنع الصائم عن رد الجهل والتطاول عليه بمثله: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى امرؤ صائم» وهو ما يُعد تمريناً عملياً متكرراً على اكتساب صفة (الحلم).
(وإنى لمشتاق إلى ظل صاحب.. يرق ويصفو إن كدرت عليه)
.. وللحديث تتمة

رمضان ومعاني الإحسان 3 - الوطن - 30 يوليو 2012

وقبل أن يغادرنا معنى (الإتقان) يأبى إلا أن يتحفنا بمثال آخر؛ بل ربما يكون أحد أبرز أمثلة رمضان؛ ففى نهايات الشهر الكريم كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا دخلت أيام العشر الأواخر «أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر)؛ وقد وضح المفسرون أن عبارة (شد المئزر) هى كناية عن اعتزاله زوجاته رضوان الله عليهن تماما فى هذه الليالى؛ وما ذلك إلا لفرط اهتمامه بالتركيز على تحصيل كل خير ممكن فيها لعله بذلك يصيب ليلة القدر؛ وما ذلك إلا لكون العبادة والتقرب إلى الله فيها خير من ألف شهر كما نصت الآية الكريمة؛ فمن تمام (إتقان) العبادة لمن أدرك هذه الليلة إفراغ القلب من كل شاغل يمكن أن يعيقه عن الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من الخشوع وتدبر الآيات واستحضار القلب عند الدعاء.
بل إن إبهام ليلة القدر وترك تحديدها على وجه قاطع من بين ليالى العشر يشعرك بالحث الربانى غير المباشر أن يتحرى الناس (الإتقان) فى القيام والدعاء والذكر طيلة ليالى العشر؛ وإلا لأصيب الناس بالارتخاء والفتور والتكاسل إذا ما اجتهدوا فى ليلة علموا أنها دون سواها هى المعنية بالتقدير.
وإذا كنا بذلك قد عرفنا الوجه الأول من وجوه (الإحسان) وقد تبين تعلقه بأفعال الإنسان؛ فإن ثانى معانى (الإحسان) متعلق بمعاملة الناس؛ ويقصد به أن يصل الإنسان إلى أفضل تعامل ممكن مع دوائر الخلق المحيطة به بدءا من الوالدين: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وانتهاء بالإحسان إلى الحيوان (ولكم فى كل كبد رطبة أجر) والنبات: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة).
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم/فطالما استعبد الإنسان إحسان
ومن أبرز الأمثلة التى يتأكد منها معنى الإحسان إلى الخلق كافة فى رمضان حديث ابن عباس رضى الله عنهما: (كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود الناس وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه ‏ ‏جبريل ‏ ‏وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود بالخير من الريح ‏ ‏المرسلة).
فقوله (أجود - أى أشد كرما وسخاء- ما يكون) تعنى أن إحسانه صلى الله عليه وسلم للناس فى هذا الشهر قد تضاعف مرات ومرات؛ ولفظة (الخير) فى الحديث تشمل كل معانى الإحسان للخلق التى تناولتها أحاديث شتى فى غير رمضان؛ بدءا من تبسمك فى وجه من تلقاه: (تبسمك فى وجه أخيك صدقة)؛ ومصافحته: (إذا تصافح المؤمنان تساقطت ذنوبهما)؛ ومرورا بالسير معه فى قضاء كل حوائجه الدنيوية: (ولأن أمشى مع أخ لى فى حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى مسجدى هذا شهرا)؛ بكل ما يعنيه قضاء حوائج الناس: (تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا) وعلى رأس ذلك تأتى الصدقة للمحتاج: (ما نقص مال عبد من صدقة) وهى للأقرب فالأقرب: (الأقربون أولى بالمعروف)؛ هذا بالطبع بجانب الإحسان فى القول المجموع فى قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وتشمل تشميت العاطس؛ ورد السلام والابتداء بإلقائه؛ والنصح برفق ولين؛ وأداء الشهادة بالحق؛ وترك انتقاص الناس بالسخرية أو الغيبة أو السب واللعن... وللحديث تتمة

هكذا قرروا 1 - اليوم السابع - 28 يوليو 2012

لأن حالة من الجدل قد ثارت بعد ثورات الربيع العربى عامة وثورتنا المصرية خاصة حول طبيعة علاقة الإسلام بالسياسة، وإذا ما كانت علاقة تكامل أم تضاد، أحببت أن أوضح الفارق الدقيق بين رفض إقحام الآيات القرانية والأحاديث النبوية فى قراراتنا السياسية حتى لا تتخذ ذريعة لإضفاء قدسية على هذه القرارات وبين أن ندرك حقيقة أن المشروع الإسلامى سبق كل مشاريع الديمقراطيات الحديثة فى إرساء قواعد منظمة لصناعة واتخاذ القرار السياسى وفق ركائز أساسية، أولها إرضاء الله سبحانه وتعالى وحده، وثانيها البعد القيمى الأخلاقى، وثالثها المحافظة على الكرامة الإنسانية.. وحيث إنه قد سبق لنا أن تناولنا كيف مثلت ثورة يناير أقصى درجات التعبير عن «إرادة التغيير»، وقلنا إنه بعد ما بلغ السيل الزبى وطاش صواب أكثر الناس حلما من جراء تراكم الظلم والقهر، وصار التغيير فى ضمائر الكثيرين ضرورة حتمية، ينتظرون فقط اللحظة المواتية للإعلان عنه، ثم لما تمَّ المراد بنزع رأس الطغيان من كرسيه، تبقى أمامنا أن نتحول بالمسار الثورى من مجرد إرادة إلى إدارة ترسم لنا خارطة طريق نعبر بها الفجوة بين الواقع المتردى والمستقبل المنشود، وهو ما يطلق عليه علماء الإدارة اسم «إدارة التغيير» التى هى عملية شديدة التنظيم تحتاج إلى خطة زمنية وقرارات مدروسة ودراسة واعية للتاريخ وصبر على النتائج وتفهم لكلفة القرارات؛ لذا صار من وجهة نظرى إلقاء الضوء على عملية صناعة القرار السياسى فى العهد المدنى من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم من بداية تكوين الدولة الإسلامية وحتى بلغت أقصى ازدهار ممكن لها فى عهد الخلفاء الراشدين حاجة ملحة يُستفاد بها على نطاقٍ واسع سواء لفض إشكالية علاقة الإسلام بسياسة الدولة؛ أو لدراسة قرارات كان لها تأثير بالغ على البشرية كلها نستفيد منها فى سياق إدارتنا للتغيير.
فنحن ننتمى إلى أمة أذهلت العالم يوما من الدهر بصورة الدولة متكاملة الأركان فى الوقت الذى كان فيه تقديس الحكام صناعة شيطانية وتقليدا لا إنسانيا توارثته البشرية كابرا عن كابر حتى أتت عليه الشريعة الإسلامية من قواعده فنسفته نسفا؛ ففى الوقت الذى ما كانت الدنيا تسمع فيه بغير الأكاسرة والقياصرة والأباطرة؛ كان أبوبكر الصديق يفرق بين كونه ثانى اثنين فى الغار ينزل بشأنه وحى قرآنى وبين كونه مسؤولاً سياسياً يصيب ويخطئ؛ فيقول فى خطاب توليه: «فإن أحسنت فأعينونى؛ وإن أسأت فقومونى»؛ ووقفت الدنيا مشدوهة تنصت لخطاب «ربعى بن عامر» وأصحابه طلائع الفتح الإسلامى فى وجه «رستم» ممثل الديكتاتورية الفارسية؛ يوم قال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله».
وكتب تراثنا تزخر بمئات بل ألوف الأمثلة توضح كيفية صناعة القرار فى الدولة الإسلامية على كل المستويات من الحرب والمعاهدة والتحالف ومعايير اختيار القادة العسكريين والسياسيين وآليات الإدارة، وكذلك آليات حل الخلاف الذى ينشب بين القيادات؛ وإدارة الكوارث والأزمات.. هذا بخلاف الملامح السياسية للحكم فى هذه الحقبة التى شهدت «ديناميكية» وتطورا غير مسبوقين مع حفاظها على الركائز الرئيسية التى أشرنا إليها من قبل؛ ومن ذلك مجلس الشورى «مجلس الستة» وأسلوب اختيار الحكام والولاة والقضاة، التعامل بين الحاكم والمحكوم، صور المعارضة أثناء حكم الخلافة الراشدة وكيف كانت مرشدة لخدمة الدولة.. التوازن بين سياسة السوق الحر وتحقيق العدالة الاجتماعية، إدارة ولايات الدولة بين المركزية واللامركزية وتطبيق العدالة الانتقالية فى الولايات المفتوحة؛ هذا إلى جانب تجليات مفهوم المواطنة التى بدأت بوثيقة المدينة وتطورت لاسيما مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلى دخول الكثير من الفئات غير العربية فى دواوين الوزارة وتقلدهم مناصب عليا فى الدولة على أساس معيار الكفاءة وحدها دون النظر لانتماء عرقى أو «إثنى».. وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 2 - الوطن - 26 يوليو 2012

مكمن الروعة هذه المرة أن النفوس بعدما تهيأت لصيام يغفر الذنوب كلها يأتيها التحذير النبوى من صيام لا يؤثر كثيرا فى تهذيب سلوك صاحبه
«الإتقان» كان أول صفحات درس «الإحسان» الذى اتفقنا على مطالعته بعد أن عقدنا معاً العزم منذ المقالة السابقة أن ننتظم فى مدرسة «رمضان».. وكان آخر ما سطرناه إذ ذاك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
والحق أنى لن آتى بجديد فى كل ما سأسرده على مسامعك من أحاديث نبوية فمعظمها متداول مشتهر؛ لكنه قد بهرنى ما فيها من إعداد رفيع المستوى للنفس البشرية لكى يصبح «الإتقان» ملازماً لكل حركاتها بل وسكناتها أثناء يوم الصيام وليلته.. فإذا ما تناولت يوم الصيام من بدايته؛ يصادفك حث النبى صلى الله عليه وسلم على «السحور» كعامل مساعد على «إتقان» الصيام نفسه «تسحروا فإن فى السحور بركة».. فمن بركته أن يعين الصائم على أداء الطاعات المختلفة أثناء النهار من صلاة وقراءة وذكر وتحصيل أسباب رزق وطلب لعلم؛ وإلا فإن شدة الجوع ستقعد الصائم عن الكثير من الواجبات؛ وهذا أمر مشاهد ملموس لمن فاتته أكلة السحر.. ويبلغ الحث على «الإتقان» مبلغه حينما يستحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير السحور إلى قبيل الفجر مباشرة ليقلل من المساحة الزمنية للامتناع عن الطعام والشراب التى يكابدها الصائم؛ هذا بالطبع إلى جانب ما فيه من تهيئة تلقائية لأداء صلاة الفجر ومن ثم لاستقبال اليوم الجديد مبكراً.
ولأن البعض قد يظن «الإتقان» رفاهية يسعه أن يتخلى عنها يأتيه حديث «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه» ليرده إلى صوابه ويشعره بأهمية «الإتقان» وتأثيره.. ومكمن الروعة هذه المرة؛ أن النفوس بعدما تهيأت لصيام يغفر الذنوب كلها؛ واشتاقت لقطف ثمرة يكفى أن الله سبحانه قد أبهمها دلالة على عظم قدرها «إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به»؛ يأتيها التحذير النبوى من صيام لا يؤثر كثيراً فى تهذيب سلوك صاحبه فلا يردعه عن ارتكاب الشرور والآثام قولاً وعملاً ومن ثم يصبح مجرد تعذيب للنفس بحرمانها من الملذات دون فائدة تذكر.. بل إن السنة النبوية قد سبقت كل نظم التدريب الحديثة فحذرت أثناء تدريبها للنفس البشرية على تحرى «الإتقان» من العوامل الخارجية التى قد تشوه الصورة المثلى للعمل؛ وهو احتمال وارد التكرر بشكل يومى؛ وهذا الاحتياط ظاهر فى حديث «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم» فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الإجراء «الوقائى» الذى يلزم اتخاذه للمحافظة على «إتقان» الصيام؛ مستبقاً ابتكار «دوائر الجودة quality circles» الذى ظهر بعد ذلك بمئات السنين.
ويستمر التدريب النبوى يغرس فى أعماق النفس البشرية معانى «الإتقان» أكثر وأكثر حينما ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن ختم القرآن فى أقل من أسبوع؛ فعن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأ القرآن فى شهر» قلت: إنى أجد قوة... حتى قال «فاقرأه فى سبع ولا تزد على ذلك»... وما ذلك إلا لحرصه على «الإتقان» فى تدبر القرآن وفهمه؛ وهو ما عبر عنه الحديث الآخر: «لا يفقه -أى لا يفهم- من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث - يعنى ثلاثة أيام»... وللحديث تتمة.

رمضان ومعاني الإحسان 1 - الوطن - 23 يوليو 2012

شهر رمضان الذى نزل بساحتنا ضيفا ًكريماً، ليس فقط فرصةً لاكتساب حالةٍ من الصفاء الروحى؛ وإنما هو مدرسةٌٌ قائمةٌ بذاتها تحفل بألوانٍ من الدروس والعبر، اخترت منها درس (الإحسان) لنعيش فى ظلاله الوارفة على مدار الشهر؛ آخذين فى الاعتبار أن الإحسان نفسه يشتمل على معانٍ كثيرة، سأنتقى منها معنى (الإتقان) للبدء به، فاستصحب معى أن الإحسان سيكون مرادفاً للإتقان فى طيات كلامنا حتى نعدل عنه إلى معنى جديد.
الله سبحانه «يأمرُ بالعدل والإحسان» و«قد كتب الإحسان على كل شىء» كما فى الحديث، فحتى لو صغر الأمر أو اعتقد الإنسان أن لا حاجة إلى تحرى الإتقان فى تأديته مثل ذبح البهيمة، تجده صلى الله عليه وسلم ينبه على ملمح الإحسان المتعلق بذبحها «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ولِيُحِدّ أحدُكم شفْرَته وليُرِح ذبيحته» تنبيهاً على الإحسان فيما هو أعلى من ذلك قدراً وأهمية.
وطالما أن حديثنا مرتبطٌ برمضان، فأغلب الظن أن الذهن سينصرف مباشرة إلى حصر ذلك فى معانى إتقان العبادة وذلك مستمدٌ بالفعل من قول النبى صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» وقوله «رب صائمٍ لا يناله من صيامه إلا الجوع والعطش». لكن المدهش عند التأمل هو اكتشاف أنه يمكن أن تمتد مساحة التعلم لتؤثر على سلوكك بعد رمضان ليصبح الإحسان عادةً ووصفاً ملازماً لك أينما حللت؛ إذ أن علماء النفس يؤكدون قدرة الإنسان على التخلص من عادةٍ سيئة أو اكتساب أخرى جيدة إذا ما تكلف المواظبة على فعلها أو الإمساك عنها لمدة واحدٍ وعشرين يوماً متتالية.. فما بالك بثلاثين؟ فالذى يشغلنى أن نتعلم فى المدرسة الرمضانية تحقيق معادلةٍ للإحسان تجمع بين إتقانٍ فى عبادة وإتقانٍ فى عمل بتحققهما ينصلح حال الدنيا كأفضل ما يكون.. معادلة ٌعبر عنها نبى الله سليمان بصورة مختصرة كما يذكر لنا السياق القرآنى فى قوله «وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين» معلقاً على انبهار بلقيس وافتتانها بما رأت من عظيم ملكه ودقيق صنع ما صاغته أيادى عماله مما لم تبلغ مملكتها عشر معشاره؛ ورغم ذلك فسليمان ومؤمنو مملكته ما يطأطئون الجباه لغير ربهم الذى فى السماء عرشه.. فلعمرى ما قصروا إحسانهم على دنيا وحدها أو على عبادة بمفردها.
معادلة الإحسان التى التزم بها يوسفُ الصديق فصار الإحسانُ وصفاً ملازماً له على مدار حياته، يشهد له بذلك صاحبا السجن «نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين» وقت الكرب والضيق، وأكد على نفس الوصف إخوتُه رغم عدم معرفتهم به وتبدل حاله إلى الرفاهية وأبهة المُلك: «فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين» ومن قبل كل هؤلاء كانت تزكيةُ الله تبارك وتعالى له وقت أن كان عبداً فى قصر العزيز «ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزى المحسنين».. لذا فلم يكن عجباً أن يمكنه فى الأرض لينشر رسالة الإحسان: «وكذلك مَكّنا ليوسف فى الأرض يتبوأُ منها حيث يشاء نصيبُ برحمتنا من نشاءُ ولا نضيع أجر المحسنين».. وبالجملة فإن معانى الآيات والأحاديث التى سقناها مجموعةٌ فى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».. وللحديث تتمة

مسابقة رمضان - الوطن - 19 يوليو 2012

(وهو الغفور الودود) هكذا وصف ربكم سبحانه وتعالى نفسه، يغفر لعباده، وإن بلغت ذنوبهم عنان السماء، طالما أنابوا إليه فندموا على تفريطهم واعترفوا بذنبهم ويزيدهم سبحانه فوق مغفرته وداً منه وحباً: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا» فيتودد إليهم وهو الغنى عنهم وهم أفقر ما يكون إليه، ويتقرب إليهم وهم أبعد ما يكون عنه.. ومن تودده لخلقه سبحانه أن يتفضل عليهم بموسمٍ كشهر رمضان تُفتح فيه أبواب الجنان وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفد فيه الشياطين وينادى أن يا باغى الخير أقبل ويا باغى الشر أقصر.. طبعاً حديث نبوىٌ يحفظه الكثيرون، غير أنهم يُباغتوا فى رمضان من كل عامٍ باتساع رقعة الشر على نحوٍ يدع الحليم منهم حيران يضرب كفاً بآخر متسائلاً: هل صُفدت الشياطين فعلاً؟.. ويستفيض علماء الشريعة فى توضيح أن المقصود من الحديث هم مردة الشياطين، أى أشدهم على الخلق عتيا، أما شياطين الإنس فالكثرة الكاثرة منهم ما زالت تتقافز على الأرض فى نهار رمضان وليله!
كل المؤشرات كانت توحى للعقلاء أن الأجواء مناسبة لنستقبل شهر رمضان بروحٍ جديدة نحتاج فيها لتهدئة أعصابنا من عناء عامٍ ملىء بالاضطرابات والتأرجح والدسائس والمؤامرات، الأجواء مهيأة لاستعادة الهدوء وصفاء القلب واتزان العقل وتجديد العلاقة بالله سبحانه.. لكن يبدو أن الإعلام فى بلدنا له رأى آخر!
أتحدث عن ثمانين مسلسلاً مصرياً منها ثلاثة وعشرون مسلسلاً تنتجها الحكومة (التى ما زال كبيرها د. الجنزورى يُصدّع رؤوس المصريين بحديثه عن خطر إفلاسٍ توشك البلاد على السقوط فى مستنقعه!) ستُعرض فى رمضان، بما يقارب الخمسة آلاف ساعة على أقل تقدير، أما التكلفة فقد حددها تقرير لشبكة CNN الأمريكية بما يتخطى حاجز المليار جنيه، وما قصّرت الصحف المصرية، إذ تتحرى الدقة أكثر من ذلك وتحدد لنا التكلفة بمليار ومائتى مليون جنيه.. وسأستعيض هنا عن علامات التعجب التى انتويت وضعها بما ارتسم على وجهك أنت عزيزى القارئ من أعتى أمارات الذهول.
(سفه) فى إضاعة أموال الأمة، و(سفه) فى إضاعة أوقاتها، والأدهى والأمر هو (السفه) فى إضاعة أخلاقها! فنحن لم نتطرق إلى ما ستنضح به هذه المسلسلات من تفننٍ فى إفساد كل ما تكبده الصائمون من مشقة فى مجاهدة أنفسهم على الطاعة، وللأسف كما فى الحديث: (رب صائمٍ لا يناله من صيامه إلا الجوع والعطش).
سامح الله أساتذة الاقتصاد.. هم من علمونا التفكير بطريقة (تكلفة الفرصة البديلة).. لذا أتأمل متحسراً كل الفرص التى كنا نستطيع اقتناصها فى سباق التنمية والتعمير بآلاف ساعات البث الفضائى ومليار جنيه وجيش من الطاقات البشرية.. ما رأيكم أن تكون هذه مسابقة رمضان؟ سأستقبل على بريدى الإلكترونى مقترحاتكم بهذا الصدد على مدار أسبوع من الآن.. كل عام وأنتم بخير وإلى الله أقرب.

محاورة الند للند - الوطن - 16 يوليو 2012

«التقارب الإخوانى الأمريكى» مصطلح جديد ابتكرته قرائح القائمين على تحديث قاموس التشهير بكل من ينتمى إلى التيار الإسلامى، يثبت أن الخلاف السياسى قد تحول فى حس الكثيرين إلى عداء مستحكم مع التيار الإسلامى لا تحركه إلا الأهواء، حتى لو كان التشهير فى كثير من الأحيان عبثىٌّ متناقض.
من الضرورى أن نتفهم طبيعة واشنطون كعاصمة براجماتية من طراز فريد، تقبع المبادئ بالنسبة إلى ساستها فى الدرك الأسفل من أولوياتهم؛ فلم تكن لتكترث بديكتاتوريات قائمة فى مصر وتونس وغيرهما طالما ظلت مصالحها الحيوية آمنة غير مهددة، وإن كان لها ثمة اعتراض تبديه بين الحين والآخر فكان فقط من قبيل مساحيق تجميل لستر تناقضها أمام شعبها وشعوب العالم، وأيضاً تتيح لها فرض مزيد من الهيمنة عالمياً بزعم الاهتمام بنشر الديمقراطية. لذا؛ وبعد أن بوغتت بسلسلة ثورات الربيع العربى تسحب البساط من تحت أقدام نفوذها، ويتساقط رجالها الواحد تلو الآخر وعلى رأسهم (مبارك)، فقد استوعبت الصدمة سريعاً وعمدت إلى إعادة ترتيب الأوراق وتغيير (التكتيكات) فى محاولة لاستكشاف طبيعة التحول الذى طرأ على المنطقة العربية ومن ثم رسم سياساتها الجديدة التى تحفظ لها استمرار رعاية مصالحها الحيوية... و الذى يهمنا من وراء ذلك هو إدراك عبث من يحاول جهده وصف زيارة كلينتون بالتقارب أو التأييد الأمريكى للتيار الإسلامى.. وصف يقترب فى سذاجته من الذى ما زال يعتقد أن ثمة عداء حقيقى مثلاً بين واشنطون وإيران.. وإن كانت هذه العلاقة تحتاج إلى مساحة أكبر فى التحليل ستخرجنا عن سياق حديثنا.
وبالطبع لست أقصد بذلك اعتراضاً على تظاهر بعض جموع الشعب المصرى فى استقبال كلينتون؛ فهكذا الحال مع أى مجتمع يحافظ على حقه فى الاعتراض والاحتجاج السلميين ليصل صوته إلى من يهمه الأمر؛ فرجل الشارع متحررٌ من حسابات الساسة وتوازناتهم؛ فلن يستاء من احتجاجه إلا أنظمة القهر التى جثمت على صدره بغير إرادة منه.. أما الحكومات المنتخبة فقد تستغل تصعيد الشارع ضد الولايات المتحدة وسياساتها كظهير لها أثناء المباحثات والتفاهمات... وهذا هو ما ينبغى أن يشغلنا الآن: أن نأخذ بزمام المبادرة ونرتب نحن قائمة الأولويات وفق مصالحنا.. فلنحسن إذن لغة الأقوياء ومحاورة الند للند، التى ورثناها كابراً عن كابر تراثاً إسلامياً وإباءً عربياً.. أما الارتماء فى أحضان الأمريكان فخصلة نفاق لا نحسنها ولا تليق بنا، بل قد تشرّب بها آخرون كان الواحد منهم لا يستحيى أن يطلب علناً من سادة البيت الأبيض التدخل المباشر فى مصر، وليت شعرى لِمَ لمْ نسمع من هؤلاء صوتاً حينما سربت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تفاصيل اجتماع الفريق شفيق إبَّان حملته الانتخابية الثانية برجال أعمال فى الغرفة التجارية الأمريكية وذكرت أن شفيق أكد أنه لم يندم أبداً عند وصفه للرئيس السابق مبارك بأنه قدوة وأن الحاضرين انفجروا من التصفيق بعد هذه الكلمة.
ويثور سؤالٌ آخر: هل لو كان شفيق هو الذى يتولى زمام القيادة وزارت كلينتون البلاد زيارتها الروتينية أكنَّا سنسمع لهؤلاء صوتاً؟

كان الاختبار حتمياً - الوطن - 12 يوليو 2012

لن أنسج على منوال الكثيرين ممن استفاضوا طيلة الأيام الماضية فى بحث قرار الرئيس بعودة مجلس الشعب للانعقاد من الناحية القانونية المجردة.. ليس فقط لنفورى الشخصى من توصيفٍ تقليدى لظروفٍ غارقة فى الاستثنائية، وإنما -وعلى الرغم من إيمانى بأهمية إعلاء قيم دولة القانون- لأنى على يقينٍ تام من أن لـ«الشرعية المصطنعة» رجالاً قادرين على تأويل نصوص القانون حمالة الأوجه كيفما يحلو لسادتهم وكبرائهم.. فإن الخلاف من وجهة نظرى ليس على قانونية القرار؛ فقليلون هم من طالعت رأيهم وأحسست فيه بالنفس القانونى المتجرد عن الرغبات الشخصية، علاوةً على إصرار المحكمة الدستورية الزج بنفسها فى صراعٍ سياسى تلعب فيه دور (المحلل) للمجلس العسكرى، ولا يدخر الثنائى (الجبالى والزند) وسعاً فى الإعراب ليس فقط عن عداءٍ منقطع النظير لرأس السلطة التنفيذية المنتخب، بل فى الإتيان على مبدأ حيادية القضاء من القواعد إلى حد أن يبلغ الزهو بالجبالى مبلغه وهى تصرح بدور المحكمة الدستورية فى ضمان سيطرة المجلس العسكرى على مقاليد الحكم.. فعلام إذن أطيل النفس فى التنقيب عمن أيد ومن عارض وقد لاح لكل ذى عينين أن المسألة كانت منذ البداية وربما ستظل إلى أجلٍ غير قريب تنازعا سياسيا بامتياز،0 يسعى فيه كل فريق إلى إثبات وجوده وتوسيع نطاق نفوذه.
ففى عالم الأقوياء إذا ما لم يستطع فريقٌ بعينه أن يحسم معركة القيادة لصالحه من الجولة الأولى، فإنه سيحرص على القبول بفكرة تحديد نطاقٍ من النفوذ لا يتعداه هو أو خصمه، فلا يتورط فى نزاعٍ يستنزف طاقته مع من يماثله أو حتى يقترب منه فى القوة، ما دامت مناطق النفوذ غير مهددة. ولما كان تحديد نطاق النفوذ هو ترجمة ضمنية لقوة كل فريق، فسيسبقه ولا بد اختبار يقيس هذه القوة سواءٌ أتى اتفاقاً أو عمد أحد الطرفين إلى أخذ زمام المبادرة وقرر القيام بإجراءٍ يختبر به قوة خصمه.
لذا فإن قرار مرسى بعودة البرلمان كان بمثابة اختبار القوة الحتمى الأول الذى اختار أن يكون هو من يبادر به.. وقد كانت الإشارة إلى عودة مجلس الشعب المنتخب مبكرة وواضحة ًجداً فى ثنايا خطابه أمام جامعة الأزهر؛ إذ لا أتصور أن جملة كهذه يمكن أن تكون مرتجلة أو مقحمة على الخطاب فى توقيتٍ شديد الحساسية وأجواء تربصٍ تحدق بالرئيس منذ اليوم الأول. وبشىء من المنطقية فى التفكير يمكن حتى لغير الخبير أو المطلع أن يتخيل ما دار فى كواليس المجلس العسكرى من تحليلٍ لهذا الخطاب ولغيره، وبالتالى من استعدادٍ وفق نظرية تحديد نطاق النفوذ لرد الفعل المناسب.
وإذا كان من حقيقة لا بد أن أذكر بها، فلتكن أن الصلاحيات لا تستجدى وإنما تكتسب برفق أو تنتزع عنوةً، وأظن أن مرسى والمجلس العسكرى كليهما ليس لديه الرغبة فضلا عن النية لتجربة فكرة الانتزاع بالقوة.. وبالتالى فإن تحديد نطاق النفوذ عبر سلسلةٍ من اختبارات قياس القوة هى النظرية الأقرب للحدوث.

بين خوف الحرص وخوف التربص- اليوم السابع - 4 يوليو 2012

كان طبيعيا أن نعيش وقت انتخابات جولة الإعادة أجواء مشحونة بالتربص وارتفاع نبرة التراشق وشيئا من توتر العلاقات بين أبناء الوطن الواحد؛ والتعليق عليها بأنها كانت «طبيعية» –وإن كانت تمزق نياط قلوب من أشربوا حب هذا الوطن– لائق ٌ من وجهة نظرى وإن كان الظرف كله استثنائيا، لأن المنافسة وقتئذ كانت محتدمة بين مرشح التيار الإسلامى وآخر يقف فى خانة عداء غير مستتر للثورة.. وهذه الثنائية رغم حرصنا على تجنبها منذ البداية بانحيازنا فى الجولة الأولى لمرشح آخر، ورغم أن أشد المتشائمين لم يكن ليتوقعها، إلا أنها لم تخلُ أيضا من فائدة، بل من عدة فوائد إن شئت الدقة، فقد ساعدت بشكل كبير على هتك أستار من تغنى بأشعار الثورة وتسربل بأغطيتها وأعلامها والحق أن له فيها مآرب أخرى! وأثمرت أيضا إظهار معادن أُناس تحلوا بوطنية حقيقية وقد كانوا على طرف النقيض من المشروع الإسلامى برمته، لكن إخلاصهم للثورة وأهدافها حسم خيارهم وانحيازهم بمنتهى الوضوح.

وتوقعنا لأجواء التربص تلك أن تنقشع بعد إعلان النتائج الرسمية وأن يتنفس الشعب المصرى الصعداء على إثر ذلك ليتفرغ لمعركة البناء ملتفا حول رئيسه الجديد، لكن المثير للدهشة حقيقة أن ثلة من كتاب وساسة وإعلاميين أبوا إلا أن يتحول «مناخ التربص» إلى أسلوب حياة يفترض أن نتعايش معه كنوع من العقاب الجماعى.. والتربص الذى أعنيه هو ذلك الذى يستفيض فى طرح مخاوف وهمية لا رصيد لها واقعيا على أسماع الناس، ولا مانع أن توشى ببعض الأكاذيب على غرار «ابن مرسى يسلم الغنوشى درعا رئاسيا فى مطار القاهرة بتكليف من والده»! ويرهب الرئيس المنتخب بإرادة حرة إرهابا فكريا عبر سيل من عبارات التهديد والوعيد ظاهرها الممارسة الديمقراطية وباطنها تربص الدوائر!.. تربص من عينة أن نحصى كم مرة ذكر فيها الرئيس كلمة «مدنية» فى خطابه، وأغفل من خطابه ذكر الفئة الفلانية، وغير ذلك كثير وكأنها ضربات استباقية إجهاضية لوأد أى محاولة تهدف إلى تجميع المصريين على كلمة سواء رغم محاولات بذلت ولازالت لمحو آثار الفُرقة التى كانت.

ولكى يفهم كلامنا فى سياقه الطبيعى ولا يذهبن خيالُ أحد إلى تحميله ما لا يحتمل، نحتاج أن نتفق سويا على أن تقديس الحكام كان صناعة شيطانية وتقليدا لا إنسانيا توارثته البشرية كابرا عن كابر حتى أتت عليه الشريعة الإسلامية من قواعده فنسفته نسفا، ففى الوقت الذى ما كانت الدنيا تسمع بغير الأكاسرة والقياصرة والأباطرة، كان أبو بكر الصديق يفرق بين كونه ثانى اثنين فى الغار ينزل بشأنه وحى قرآنى وبين كونه مسؤولا سياسيا يصيب ويخطئ، فيقول فى خطاب توليه «فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى» ووقفت الدنيا مشدوهة تنصت لخطاب «ربعى بن عامر» وأصحابه طلائع الفتح الإسلامى فى وجه «رستم» ممثل الديكتاتورية الفارسية، يوم قال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله»، بل قد ذهب علماء المسلمين أبعد من ذلك قبل ما يوم دخل أبو مسلم الخولانى، على معاوية بن أبى سفيان، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك: أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.. أذكر ذلك لئلا يزايد علينا أحدٌ بقيم الديمقراطية الحديثة معرضا عن حقيقة أن نظام الإسلام فى محاسبة الحاكم سبق غيره بقرون.

مناخ التربص الذى يحاول البعض تعميمه ليصبح المشهد المسيطر على المصريين لا ينم إلا عن طاقة سلبية محتشدة فى النفوس، أرى أنه لابد أن تفرغ فى ممارسة تنموية تركز الجهد على الإصلاح بدلا من التفرغ لصراعات تصفية الحساب.. وجه نقدك للرئيس كما تشاء، وأظهر تخوفك كما تحب.. لكن ميّز بين خوف الحرص، وخوف التربص.

الشرعية المصطنعة - اليوم السابع - 23 يونيو 2012

ثمة فارق هائل بين شرعية «مكتسبة» وأخرى «مصطنعة»، فالأولى تمثل نتاجاً طبيعياً لحقٍ واضح لا يمارى فيه أحد، أو لإجماع شعبيٍ أو حتى توافقٍ على أقل تقدير ويأتى تلقائياً بغير فرضٍ أو إكراه، ويعبر عن اقتناعٍ حقيقى لا يحتاج المرء بذل كبير جهدٍ ليشعر به، أما الشرعية «المصطنعة» فهى تلك التى دائماً ما يراهن أصحاب عقلية القهر ومنظرو منطق الاستبداد على قدرتهم أن يجعلوا منها نسخةً متطابقة من الشرعية الطبيعية المكتسبة مستعينين بتجييش ترسانةٍ ضخمة من أجهزة إعلام مزيفةٍ للحقائق، وكتابٍ ومفكرين وساسةٍ باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس، وقانونيين احترفوا تفصيل القوانين على مقاساتٍ بعينها... وقائمة طويلة تشمل للأسف أيضاً فقهاء سلاطين، ونجوم مجتمع وغيرهم، حتى تكتمل للصناعة أركانها.
ورغم دأب المجلس العسكرى على محاولة «اصطناع الشرعية» الذى كان ملاحظاً بشكلٍ كبير فى ما مضى، لكن خطواته المحمومة المتسرعة خلال أسبوعين اثنين فقط لاسيما مع أخريات عهده بالسلطة من ناحية الجدول الزمنى «النظرى» للفترة الانتقالية، لا يمكن أن يخطأها أحد.
حقيقة ً لست من أنصار أن ينقسم الناس إلى فريقين أحدهما يرى نظرية المؤامرة مكتملة الأركان مع كل خطوةٍ يخطوها فيبالغ فى تقدير حجم خصمه ومن ثم يترك الإحباط يفترسه افتراساً، والآخر يرفض بشدة افتراض أن ثمة مكر يحاك من خلف الأستار فينعكس ذلك عليه غفلة ً تورده المهالك، بل التوسط فى النظر للأمور هو أسلم منهجٍ للتحليل لاسيما فى الأوضاع بالغة الاضطراب التى نحياها.
ومن هذا الباب يسعنا القول إن ترتيب الأحداث وخروجها من جهةٍ محددة تتراوح بين المجلس العسكرى وبين بقايا منظومة العهد البائد، وفى أزمنةٍ متلاحقة يجعلنا أمام سياقٍ واحد يمكننا أن ننظم فيه الأحداث حلقاتٍ تقودنا إلى الخطوات التى انتهجت لاصطناع شرعية زائفة، ومن ثم يصبح من الصعب علينا أن ننتزع إحداها للحكم عليها بمعزلٍ عن باقى الحلقات.... فبدايةً كان الحكم التاريخى بين التناقض فى قضية قتل المتظاهرين، وأعقبه فى ظرفٍ مشبوه قانون الضبطية القضائية الذى جعل الشعب المصرى كله رهن الاعتقال فى أى لحظةٍ، ثم الحكم بحلِ البرلمان وطباعة الحكم ونشره والعمل به فى ساعاتٍ معدودات ٍ تأكيداً على كونه حكماً دُبر بليلٍ، وأعقب ذلك إصدار إعلانٍ دستورى لا شرعى من قبل المجلس العسكرى يمثل أقصى درجات اصطناع الشرعية التى أشرت إليها آنفاً، وأخيراً سلوك اللجنة العليا للانتخابات المثير للريبة بتأخيرها إعلان النتائج أسبوعاً كاملاً بعد تأكيد أكثر من جهةٍ محايدة ٍعلى أحقية د مرسى بالفوز، فيصبح أمراً طبيعياً غير مستهجن أن تساور الشعب المصرى الشكوك حيال التأخير غير المبرر لإعلان النتائج الرسمية من منطلق كاد المريب أن يقول خذونى.
أما الشرعية الحقيقية التى اكتسبتها الثورة بتأييد جماهير الشعب المصرى لها والتى انصبغت بها بعد ذلك المؤسسات التشريعية، فلم تستمد من دستور فقد شرعيته بثورة الناس على نظامٍ وضعه، ولم تستمد من إجراءاتٍ قانونية يسهل على المحامى الحاذق البحث عن ثغراتها، ولم تستمد بقرارت أو تعيينات أو بيانات.. شرعية أتت من طريق دماء الشهداء وآلام الجرحى وأنات شعبٍ كريم ذاق صنوف الذل عقوداً بين قتلٍ جماعى وتعذيبٍ ومتاجرةٍ بقوته حتى بلغ منه الغضب مبلغه.. شرعيةٌ أتت من وقوفٍ فى وجه الظالم حتى انتزع منه الحق انتزاعاً.
الشرعية لا تُصنع، لا تباع، لا توهب.. فقط تُكتسب.

على من ثرنا إذن؟ - اليوم السابع - 16 يونيو 2012

على من ثرنا إذن طالما كان النظام السابق يُعاد استنساخه بكل أركانه ورموزه، بل وخطاياه؟ على من ثرنا إذن، ونحن نسمع دوى آلة إعلام النظام القديم يكاد يصم الآذان، آلة تعمل بكامل طاقتها لتزييف وعى الشعب.. نفس الآلة الإعلامية التى تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، حتى كلمة الرئيس المخلوع ما عدنا نسمعها إلا فيما ندر ليحل محلها بسماجة منقطعة النظير الرئيس السابق، وكأنه لا يقبع الآن فى محبسه كسيراً ذليلاً.

وأزعم أنه لولا بقايا من ورق توتٍ تستر السوءات لصكت مسامعنا جملة «بناء ًعلى توجيهات سيادة الرئيس» الشهيرة!!!! لكن، لا بأس، فقد استعاضت عنها بعض الصحف بمذكرات «فخامة» الرئيس السابق!!!! فظننت وأنا أطالعها -وبالطبع تجشمت عناءً كبيراً وأنا أفعل- أن توجيهات سيادته وآرائه مازالت تحوطنا برعايتها!!

نفس عبارات التهديد والوعيد التى كنا نسمعها من قبل، ويتضح لك بمرور الوقت أنها لا تختلف على مرَّ العصور... فمن عهد الفرعون إلى وقت الناس، هذا طالما كانت «عقلية القهر» هى المسيطرة على النظام الحاكم، وما أشد تشابه جملة «أنا أو الفوضى» بسابقتها «إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد».

على من ثرنا إذن... إذا كان «شفيق» شاهداً و«البلتاجى» متهماً فى موقعة الجمل.. وأىُ عبثٍ مخيف هذا الذى يقلب الضحية جلاداً والقاتل بريئاً والواقع، وهماً فى نفسٍ واحد؟ فإذا كانت أصابع الاتهام الآن تشير ببجاحةٍ غير مسبوقة إلى الإخوان، فهل هذه إرهاصاتٌ يمكن أن نستقرئ من خلالها بوضوحٍ تام ملامح الحكم البوليسى القادم فى نسخته الجديدة؟.. تلفيق قضايا، طمس أدلة، شراء ضمائر، تزييف وعى.. وقائمة ٌ سوداء طويلة لن أكون بأبرع فى سردها ومعرفة خباياها من زبانية أمن الدولة... أمن الدولة الذى يعود مكشراً عن أنيابه وتعلو وجهه ابتسامة شماتةٍ مقيتة، شماتة من عاد لينتقم من شعبٍ بأكمله.. لاسيما وكبيرهم الذى علمهم قواعد الفساد قد خرج إليهم معاف فى بدنه آمناً فى قصره شامتاً فى ثورة بلده!
لماذا ثرنا إذن؟ وقد تبين بعد عامٍ ونصف العام أن كل مكتسبات الثورة -إن كانت هنالك مكتسبات أصلا- أصبحت أثراً بعد عين.. مجلسٌ تشريعىُ مكبل الخطوات، مهدد بالحل منذ يومه الأول، تحاصره أزماتٌ متراكبة بعضها فوق بعض، ثم أريد له يوم الخميس الماضى أن يكون مثالاً يتندر به، كيف أن هذا الشعب لما ظن يوماً أن له الحق فى اختيار من يمثله ويدافع عن حقوقه، استفاق من حلمه الجميل على واقعٍ أليمٍ مرير.

الحيادية والبعد عن التمييز بين المتقاضين هى أبرز سمات القضاء العادل، ومن ثم فإن ابتعاده عن أى تصنيفٍ هو الضمانة الرئيسية لاستمرار حياديته.. هذا المنطق أتى عليه من قواعده المستشار الزند الأسبوع الماضى، فخَّر السقف على رؤوسنا أو كاد، وتوجسنا شراً من القادم... لكن أحداً لم يتخيل أن يكون السيناريو بهذا السوء!

ومن ذا الذي ينتظر حكمًا ؟ - اليوم السابع - 6 يونيو 2012

رُكامٌ هائلٌ من الإحباط تزدحم داخله ركاكة الألفاظ مع اللحن فى أبسط قواعد العربية ويضاف إليهما مخالفة بدهيات المنطق السليم، ناهيك عن «عُجمة» فى التعامل مع آياتِ قرآن ٍشهيرة يتداولها القاصى والدانى.. وعلى قمة ذلك كله تخفق راية الظلم البين.. صورةٌ على الرغم من قتامتها، تُلخص ما ظفر به المصريون من خيبة أمل بعد انقضاءِ عامٍ ونصف العام من الثورة كنا نسلى خلالها أنفسنا أن يوماً مشهوداً تقتصُّ فيه الضحية من جلادها آتٍ لا ريب.

ولكى أكون منصفاً فلن أنسب الفضل كل الفضل للحكم «التاريخى» وحده، بل الحق أنه قد سبقه جهدٌ منظم ٌ وسياسةٌ واضحة المعالم تعاور على تنفيذها قنوات ٌ فضائية وصحف ومفكرون وسياسيون ومجالس وهيئات.. كلهم ما قصَّر مشكوراً فى تهيئة المناخ المناسب لاغتيال الثورة بهدوء، بعد دسِّ كمية المخدر المناسبة لتمنع حالة هيجان «الأدرينالين» الشعبى.

سياسيون ومفكرون روجوا علينا ولاءً مزعوماً للثورة، وقنواتٌ فضائية حسبها المصريون بإحسان ظنٍ أنها والثورة جسد واحد، وهم فى الحقيقة كانوا يقومون بواجبهم فى تزييف الوعى الشعبى على أكمل وجه، وبلغ خداعهم مبلغه أثناء معترك الانتخابات الرئاسية فأوهمونا انتهاجهم الحياد ووقوفهم مذبذبين بين المتنافسين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. ثم لمَّا حصحص الحق واستلزمت الأمور مواقف محددة وما عاد إلا خندقان واحدٌ للثورة والآخر لأعدائها، إذا فريقٌ منهم يسفر عن وجهه القبيح ويجاهر بعداوته، وفريقٌ آخر لازال مصراً على سياسة التهوك وإمساك العصا من المنتصف فى وقتٍ يتطلب شجاعة الحسم وإن أورثتك نقمة الناقمين.. جميلٌ جداً أن تتساقط الأقنعة الآن كأوراق الخريف لتستبين سبيل ُالذين يتاجرون بدماء الشهداء وآهات الثكالى، فيحيا من حى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
ومن عجيب الأمر أننا لو بذلنا الغالى والنفيس وعصرنا أذهاننا واستفرغنا وسعنا بحثاً عن فكرةٍ ننفخ بها الروح فى جسد الثورة الغافى، ما كنَّا لنصل أبداً لنفس النتيجة «المبهرة» التى وصلت إليها محاكمة مبارك وأعوانه.. فلعمر الله قد استثار هذا الحكم حفيظة المصريين وألهب حماسهم ووحد صفوفهم بأكثر مما تفعل عشرات الخطب العصماء ومئات الاجتماعات وآلاف المقالات.. لحظة فريدة يتحرر فيها زبانية «أمن الدولة» من قبضة العدالة لعدم كفاية الأدلة، ولو أنصفنا لكان «تواتر» الأخبار عن حياتهم الحافلة بالبطش والتعذيب والتنكيل قائماً مقام الأدلة المادية.. لحظة فريدة قد يكون فيها الحكم بإدانة من فاق أعتى مجرمى الحرب قسوةً ووحشية هو نفس الحكم الذى يحمل فى طياته براءته المتوقعة حال النقض.. لكنها مع كل ذلك ستبقى لحظة فريدة قد تكون فيها الركاكة لا الفصاحة، والعبث لا المنطق والظلم لا العدل مفاتيحَ حريتنا وخلاصنا.. ولله فى خلقه شؤون وتدابير.. أمَّا حكم النقض فمن ذا الذى ينتظره؟ قد فرغ الشعب من النظر فى قضيته ويتداول الحكم الآن فى ميادين التحرير المختلفة، وسيعلن حكمه هادراً مدوياً واجب النفاذ لا يقبل الأخذ والرد فضلاً عن الطعن.. سيعلنه فى مليونيات حاشدة واعتصاماتٍ متوالية لن تبرح الميادين هذه المرة حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً.

النور وأبو الفتوح..عن كثب - اليوم السابع - 29 مايو 2012

على الرغم من أنه فى أقل من أسبوعين اثنين يُتهم السلفيون فى أبوالفتوح من طريقين متنافرين وسببين متناقضين لا يجمع بينهما إلا قلة الإنصاف وغياب التثبت؛ إلا أن الأسطر المقبلة لم أسردها لتتكسر عليها سهامٌ أرادت نهش لحومنا فقط؛ وإنما صغتها تبياناً للحق ووفاءً لكل من حمل عبء الدعوة إلى مشروع الوطن؛ مشروع مصر القوية.. وربما تأتى أيضاً مفسرةً للحالة الإسلامية السياسية الراهنة ولو من بعيد.

لا أحب إضفاء صفة ملائكية على تيارٍ أنتسب إليه؛ وإنى لأرجو الله أن أحافظ ما حييت على إنصافٍ يمكننى من رد الباطل على صاحبه، وإن كان قريباً منى، وعلى قبول الحق من صاحبه، وإن كان بعيداً عنى؛ فإن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، ولن أطيل النفس فى إعادة الحديث عن الأشواط التى قطعناها والدراسات المستفيضة التى أعددناها والمناقشات المطولة التى خضنا غمارها حتى استقر بنا المقام عند تأييد د. أبوالفتوح عن قناعةٍ تامة وبعد ممارسةٍ شورية راقية، فلقد ذكرت من تفاصيل ذلك سابقاً ما أظنه يكفى.. لكنى سأتوقف عند كم ِّالبذاءات التى جُرحت بها ذواتنا وهيئاتنا من بنى جلدتنا أولاً، ثم من تياراتٍ أخرى كان مجرد دعمنا لأبو الفتوح من وجهة نظرهم جريمة لا تغتفر لا بد وأن يحمل وزرها أحد الطرفين. فكان الاتهام وقتها جاهزاً: ما الذى وعدكم به أبوالفتوح؟
نكرر فى كل مناسبة أنه ما وعد بشىء وأن شيمنا تأبى علينا ذلك؛ فما يزيدوننا غير تجريحٍ.. تجريح ٌ نال أبوالفتوح منه حظاً وافراً؛ فتارة يصفونه بالمتطرف وتارةً بالمتلون الذى يخطب ود كل تيارٍ بما يروق له؛ إلى آخر سلسةٍ طويلة من افتراءات لا تعبر إلا عن عنصريةٍ حقيقية ورفضٍ لفصيلٍ وطنى كل ذنبه أنه مارس حقه السياسى فى اختيار من يراه الأنسب لقيادة البلاد.

إنما الاتهام الأشد علينا وطأة ً والأعظم نكايةً كان الاتهام الثانى بلا شك عقب الجولة الأولى مباشرة، وبغير ما يشعر أصاحبه ومطلقوه أنه يناقض الاتهام الأول.. لماذا خنتم أبوالفتوح؟
كيف نخونه وقد دعمه كل قيادات الصف الأول فيما تسنى لهم من مؤتمرات ٍبطول البلاد وعرضها.. أما كنا نخشى على أنفسنا من معرة أن ندعم مرشحاً بشكلٍ صورى ثم يفتضح أمرنا بعد ذلك؟ علماء النفس يتحدثون عن دوافع السلوك.. فهل من الناس رجلٌ رشيد يعطنا مبرراً واحداً يدفعنا لأن نسلك مع أبوالفتوح مسلك الخيانة؟ ما الذى سنجنيه من جراء ذلك وقد تجشمنا عناءً يفوق الوصف لإقناع قواعدنا الشعبية بخيارنا هذا؟

وعلى ذكر القواعد السلفية الشعبية نصل إلى بيت القصيد إذ إن المتابع للحالة السلفية يسهل عليه أن يفهم لمَ كانت حشود السلفيين أضخم فى حالة الانتخابات التشريعية من مثيلتها فى الرئاسة.. ذلكم أن القواعد السلفية ضخمة العدد بلغت أوج حماسها إبان الانتخابات التشريعية لعوامل كثيرة من أهمها أنها كانت تمثل بالنسبة للتيار السلفى أول تجربة سياسية يبحث فيها عن إثبات وجوده وتقديم مشروعه؛ وكان الهدف مدعوماً بضغط الأيديولوجية من أجل وضع دستورٍ يعبر عن هوية الوطن ذات الطابع الإسلامى.

أما فى حالة الرئاسة، فالأمر كان مختلفاً إلى حدٍ كبير، فمنذ اليوم الأول لطرح فكرة الرئاسة ونحن نسأل أنفسنا: هل تتحمل مصر رئيساً منتمياً للتيار الإسلامى؟ واستعرضنا فى سبيل ذلك تجارب كثيرين غيرنا خلال العقود المنصرمة ووازنَّا بين المصالح والمفاسد ورأينا أنه من المناسب أن يكتفى التيار الإسلامى بمكسبٍ غير مسبوق فى المجالس التشريعية وأن ينأى بنفسه عن خطورة تحمل مسؤولية الرأس التنفيذية فى هذا التوقيت شديد الخطورة؛ واخترنا أن ننهى حالة الاحتقان الموجودة بالشارع؛ لذا أردنا مديراً تتوافر فيه صفات القيادة ويحقق استقراراً للجميع نتمكن فيه من الوصول إلى عموم الناس بدعوتنا ومنهجنا أكثر وأكثر فى مناخٍ من الهدوء يسمح بوصول المعلومة سالمةً غير مشوهة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم «خلوا بينى وبين الناس».. لكن.. كثيرةٌ هى أعداد من لم يقرأ منذ البداية أننا لسنا بصدد اختيار خليفةٍ للمسلمين - العبارة التى مللت شخصياً من تكرارها - وأنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم؛ فإن عصر القائد الملهم المسدد؛ الذى تهرول الملايين من خلفه إذا ما عنَّ له الانطلاق يمنةً أو يسرة لهوى فى نفسه قد ولى بغير رجعة؛ لنبدأ حقبة من العمل المؤسسى؛ ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة على أساس مصالح وطنية عليا يسهم الرئيس فقط فى ابتكار ما يعينه على تحقيقها.. وهذا الصنف من الناس تحديداً أصابه من الفتور ما أصابه بعد اختيارنا هذا، ولاسيما بعد خروج مرشح الرئاسة الذى كان يعنى له من ناحية السمت على الأقل الصورة المجسمة لحلم الخلافة؛ وأقصد الشيخ حازم فى هذا المقام.

أضف إلى ذلك حملة شرسة غير مسبوقة للنيل من «ديانة» أبوالفتوح نفسه والترويج على بسطاء التيار السلفى أن قياداتهم باعت المنهج القويم بترشيحها من يُقدح فى التزامه وتخلت عن من هو أفضل منه؛ فكان أن ثبطت همم نصف التيار السلفى فلم يبرح بيته يومى الانتخاب أصلاً؛ أما النصف الآخر فما بين ملتزمٍ أدبياً بشورى حزبه ودعوته وآخر مجتهد يرى الصواب فى إعطائه صوته لمرشحٍ آخر.

سياسات الفارس النبيل - الأهرام - 26 مايو 2012


علي مدي يومين نشطت ذاكرتنا الوطنية لتستعيد مشهد الجموع الغفيرة مرتسمة أعتي أمارات العزم علي ملامحها‏,‏ مصممة علي صناعة قرارها بيدها‏..‏
مشهد يكفي وحده لبعث النشوة في عروق ملايين المصريين للمرة الثالثة خلال عام ونصف العام, النشوة التي لم يعرف المصريون لذتها إلا أياما معدودات علي مدي تاريخهم الطويل.
هذه النشوة مرشحة لأن تتضاعف عشرات المرات يوم يحصد المصريون ثمرة نضالهم وصبرهم ودماء أبنائهم رئيسا مدنيا منتخبا, اتصور أنه سيمثل في مخيلة الكثيرين فارسا نبيلا يحمل لواء الثورة بيسراه في الوقت الذي تطعن يمناه الفساد والفقر والجهل والمرض طعنات نافذة, علي أن صبغة النبل هذه ورغم كونها مستعارة من وصف عتيق للطبقة الارستقراطية الأوروبية الشهيرة, إلا فإنها في مثالنا تناقضها من كل جانب, لأن فارس المصريين لن يكون نبله مزيفا مصطعنا مستمدا من عراقة نسبه أو ثراء رفل فيه أو دماء زرقاء تجري في عروقه. بل سيكون نبلا حقيقيا مستمدا من اخلاصه لله سبحانه وتعالي يبتغي مرضاته ومن ثم يخلص لثورة فتية فيحقق أهدافها, ولشعب مكلوم فيداوي جراحه, ولشهيد مغدور فيأخذ بثأره.. والحق اقول إنه ليس كثيرا علي شعب تجرع العذاب صنوفا وألوانا ان يحلم بفارس دمائه كالشهيد حمراء اللون, لا زرقاء كدماء كل دكتاتوري متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
إلي هنا أقف ولا استطرد, مخافة أن يظن البعض بالأمنية الجميلة الظنونا, أو ينجرف فريق آخر من غير ان يشعر ليكرر مأساة القائد الملهم المفدي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, المأساة التي تبنت تجسيدها نفوس مريضة استخفها الطغاة فأطاعتهم وغالت في تقديسهم ضاربة بعرض الحائط نهي الشرع والعقل وقوانين الفطرة وقواعد المنطق...ويسعني هنا القول إنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم, فإن عصر القائد الملهم المسدد, الذي تهرول الملايين من خلفه إذا ما عن له الانطلاق يمنة أو يسرة لهوي في نفسه قد ولي بغير رجعة, لنبدأ حقبة من العمل المؤسسي, ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة علي اساس مصالح وطنية عليا, يسهم الرئيس فقط في ابتكار مايعينه علي تحقيقها.
جملة لا بأس بها من الملامح العامة لسياسة الدولة يمكنك بقليل من العناء اكتشاف أنها تمثل أرضية مشتركة, أو علي أقل تقدير تحظي بتفهم حقيقي من جانب جميع تيارات العمل الوطني في تأريخ ما بعد الثورة سواء تلك المتعلقة بالجانب الاقتصادي أو الامني أو حتي شق السياسة الخارجية.
الجانب الاقتصادي وحده يكفي للتدليل علي ذلك إذا ما سلطنا الضوء علي بعض المبادئ العامة التي تحدد اطار النهضة الاقتصادية المرجوة, كالانطلاق نحو اقتصاد سوق حر يوفر مناخا جاذبا للاستثمار مادامت آلية العرض والطلب هي المحددة للسعر, ويمكن الاستدلال علي ذلك بحديث انس رضي الله عنه إذ يقول: غلا السعر علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم, فقالوا: يارسول الله سعر لنا, فقال: إن الله هو القابض والباسط المسعر الرزاق, وإني أرجو أن ألقي الله وليس أحدا منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال, والحديث واضح الدلالة عند جمهور الفقهاء علي تحرير السوق من أي تدخل محتمل للسلطة التنفيذية, وتبقي هذه النظرية صحيحة ما لم تجد علي الساحة ممارسة احتكارية تعكر الصفو, فإدا ما كان تم احتكار فالكل مجمع علي ضرورة التدخل لتصحيح خلل المعادلة وحديث: لايحتكر إلا خاطئ الذي يرويه معمر بن عبد الله جاهز للتدليل أيضا.
النهضة الاقتصادية المؤهلة عند الجميع لن تأخذ من الرأسمالية وحشيتها إذ تطحن الفقير طحنا لا هوادة فيه, وإنما تنحاز إلي الفقراء فتؤكد حتمية الحل الزكوي: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. وتذهب أبعد من ذلك حين تنظر إلي الفقراء نظرة تنموية تحولهم إلي طاقة إيجابية منتجة ومن ثم تدمجهم في التنمية الشاملة, ويكفي أن نسوق مثالا علي ذلك تشجيع ودعم المشاريع المتوسطة وتلك الصغيرة وحتي المتناهية في الصغر, ونحن مسبوقون في هذا المضمار بتجربة البرازيل الفريدة, أما الخلاف علي دعم السلع. فشكلي اصلا, لأن احدا لاينازع في مسئولية الدولة تجاه مواطنين يعانون شظف العيش, إنما التأكد من حصولهم علي الدعم يظل المشكلة الرئيسية التي تنتظر حلولا مبتكرة لحلها.

شورى السلفيين - اليوم السابع - 16 مايو 2012

إصرارنا على التحذير من خطر الغلو فى الأشخاص، أو الهيئات ينبع من رؤيتنا لضرورة النقد الموضوعى لكل من تصدى للعمل السياسى كضمانٍ لعدم انحرافه عن النهج السليم، تأسيسًا على قول أبى بكر «إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى».

أقول إن هذا الإصرار يتوازن مع حرصنا الشديد على المحافظة على الكيانات الإسلامية الكبيرة التى تحملت عبء الدعوة الإسلامية على مدى عقود، وبذلت فى سبيل ذلك ما لا تنكره إلا عين حاقد.

ومن هذا الباب، فإن محاولات البعض للوقيعة بين السلفيين والإخوان اللذين يمثلان التيار الإسلامى فى مصر، فتنة ينبغى الحرص من الانجرار خلفها، لاسيما فى هذا التوقيت الحرج الذى اختار فيه كل فصيل- وفق آليات اجتهاده- من يراه الأنسب لقيادة مصر فى الفترة المقبلة.

ومن جملة «الإحن» التى تُلقى بذورها الآن فى قلوب أتباع الفريقين، إشاعة القول بأن أحد أهم أقطاب المدرسة السلفية، بل مؤسسها الأول فضيلة الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم، يجهر بتأييد مرشح آخر للرئاسة غير د. عبدالمنعم أبوالفتوح الذى أعلنت الدعوة السلفية دعمها الرسمى له.

والذى يعلم ما للدكتور محمد إسماعيل المقدم من مكانة كبيرة فى قلوب أبناء التيار الإسلامى على اختلاف مشاربهم، سيفهم خطورة هذا الادعاء فيما سيقتضيه من أثرٍ فى بلبلة الأفكار، وتضارب الآراء داخل التيار الواحد. وحقيقة، فإن ما قاله فضيلة د. محمد إسماعيل بنفسه قبل انعقاد مجلس شورى الدعوة السلفية كان نصه: «الرأى لكم، وصوت أقل واحد منكم كصوت أكبر واحد تماماً»، ومن بعد ذلك كانت أغلبية الأصوات مع ترشيح د. عبدالمنعم أبوالفتوح للرئاسة، فالبديهى أن يكون هذا هو خيار الشيخ المقدم- وقد كان بالفعل- وإلا فما معنى الشورى؟

وما كنت أحسب الأمر يحتاج لتوضيح، حتى سمعت بنفسى من يتحجج بآراء ما قبل التصويت، وكأنه يعلمها، وما هو إلا رجم بالغيب يقال لأصحابه هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وللأسف فإن هؤلاء حجتهم داحضة من وجوه متعددة؛ أبرزها مستمد من فعل النبى صلى الله عليه وسلم نفسه يوم «أُحد»، إذ كان يرى وقتها حتمية البقاء فى المدينة المنورة، والتترس بداخلها لمواجهة المشركين، فى الوقت الذى رأت فيه أغلبية الشباب ضرورة الخروج لملاقاتهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأى الشورى المخالف لرأيه، وخرج لملاقاة المشركين، فهل عاد بعد ذلك يلوم على رأى الأغلبية ويذكرهم بسابق رأيه؟
أما من جهة الواقع، فإننا لم نسأل مثلاً جماعة الإخوان المسلمين عن اثنين وخمسين عضواً من مجلس شورى الإخوان «رفضوا» فكرة نزول م. خيرت الشاطر، ومن بعده د. محمد مرسى الانتخابات، بل على العكس احترمنا قرار أغلبية الأصوات، وتعاملنا معه باعتباره رأى الجماعة كلها. وللعلم أعرف ثلاثة من كبار قيادات الإخوان مصرّين على أن أبوالفتوح هو الأفضل، وأن صوتهم لن يذهب إلا إليه، لكن المبادئ التى تربينا عليها تمنعنى من ذكر أسمائهم؛ فتفريق الصفوف ليس من شيمنا.

وإن تعجب فعجبٌ أن لا يزال هناك من يشكك فى اختيار حزب النور لدعم أبوالفتوح على أى أساس تمّ؛ وقد سبق لى أن نشرت فى صحيفة الأهرام مقالاً بعنوان «كيف صنعنا القرار؟»، وضحت فيه تفاصيل مرحلة الاختيار، بغض النظر عن نتيجة الشورى التى تلت هذه المرحلة، وفعل ذلك بأفضل مما كتبت فضيلة الشيخ ياسر برهامى أكثر من مرة، فكيف إلى الآن لا يستوعب البعض الأساس العلمى الذى اخترناه للحكم على مرشحى الرئاسة، ويصر على إلصاق التهم بنا زوراً وبهتاناً؟ فهل عصىٌّ على فهم من يزايد على قرارنا معنى وصفنا للدكتور أبوالفتوح بأنه الأنسب لهذه المرحلة؟

أما الطعن على د. عبدالمنعم أبوالفتوح بما لا أساس له من الصحة، والحكم على نيته بتسلط منقطع النظير، فأمر يدع الحليم منا حيران.. فكما قبلنا من د. محمد مرسى تراجعه عن تصريحات قالها وفهمت بشكل سيئ عنه، فكذلك فعل د. عبدالمنعم فى كل ما يمس الثوابت العقدية للأمة.. وقد أكدنا مرارًا أننا على ثوابتنا محافظون؛ ولن نداهن فيها أحداً.. ومن جديد أشدد على أن مصر بأسرها، وليس السلفيون أو الإخوان وحدهم، بصدد اختيار «مدير تنفيذى»، وليس خليفة للمسلمين؛ فالقصد فى تأييدنا للمرشحين، والبعد عن تقديسهم أو الغلو فيهم كان نهجنا ولا يزال.

"الهرْج" سيد الموقف - اليوم السابع - 5 مايو 2012

حينما يصبح «الهرْج» هو سيد الموقف فمن الضرورى أن نتوخى الحذر فى كلماتنا وتحركاتنا بل وحتى فى لحظنا وسكوننا، فالأمر ليس هيناً حينما يتعلق بدماءٍ معصومة تشتد حرمتها عند الله سبحانه لتتجاوز حرمة الكعبة نفسها؛ وإن الله يغار وغيرته أن تنتهك محارمه؛ والإسلام غرس فى نفوس أتباعه أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التى يتدين الإنسان بصونها فلا يبذلها إلا نصرةً لدينه أو دفعاً للأذى عن نفسه ووطنه وأهله وماله، وعلى ذلك فإن «الهرج» الذى أعنى، هو ما وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله فما هو؟ قال: «القتل القتل».

والذى يدفعنا إلى التأمل أكثر وأكثر واصطحاب وصف «الهرج» أثناء رؤيتنا لأحداث العباسية هو التوصيف النبوى الدقيق لحالة الهرج الملتبسة المنصبغة بلون الدم فى قوله صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده ليأتينَّ على الناس زمان لا يدرى القاتل فى أى شىء قَتل ولا يدرى المقتول على أى شىء قُتل».

أعلم يقيناً أن ثمة استدراج واضح قد تعرض له معتصمو التحرير فانخرطوا على أثره فى قتال شوارع للدفاع المشروع عن أنفسهم.. ونعم أصدق روايات من قال إن بلطجية قد تم تأجيرهم لبدء المذبحة؛ وافهم أن تعمداً قد بيت بليل لإلصاق كبر التهمة بالتيار الإسلامى؛ وأعى أن استهتاراً بالغاً بالدماء قد حدث من جانب الأمن فلم يتدخل لوقف نزيف الدماء.. لكن الذى أعتقده جازماً أن الشبهة هى أقل ما يوصف به هذا الاقتتال، وسميته اقتتالا لوقوع الضحايا من الجانبين.. اقتتال شبهة؛ يلتبس فيها الحل بالحرمة؛ يكفيك مروراً سريعاً على ألا يمكنك أن تغفل عن شهادات الناس من الطرفين لتعلم قدر الالتباس والغموض فى سير الأحداث، وأن القتل قد استحًَّر فى الطرفين، فما فرق بين معتصمى العباسية ومواطنيها؛ فبين قائلٍ أن الشرارة الأولى اندلعت من قبل اهل المنطقة بتعمدهم الاحتكاك بالمعتصمين فرد عليهم الآخرون سواءً بسواء، وزادوا على ذلك أن احتجزوا بعض من يشتبهون فى كونهم بلطجية مأجورين؛ وبين جازمٍ أن المعتصمين هم من تعمدوا استفزاز أهل المنطقة وضيقوا عليهم معاشهم، فما كان أمام السكان إلا الدفع عن أنفسهم بأنفسهم فى غيابٍ تامٍ من قوات الأمن النظامية شرطةً كانت أو جيش.

فإذا كان الشعب المصرى عن بكرة أبيه قد استقر فى ضميره أن عماد هذه الثورة ورأس مالها تمثل فى ترابط كل أطياف الشعب على هدفٍ واحدٍ من جهة وإصرارهم على سلمية وسائلهم من جهةٍ أخرى؛ وفى نفس الوقت قد تقرر عند كل العقلاء أن أذناب النظام السابق لن يهدأ لهم بال حتى يفسدوا علينا ثورتنا بزرع بذور الفوضى واتباع المنهج الإبليسى الخبيث «فرق تسد»؛ فإن فى سد الذرائع وغلق باب الفتن لفقه أصيل تلقاه الصحابة منذ نعومة أظفارهم فى حقل الدعوة الإسلامية ففهموا فى ضوء قول الله تعالى «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» تفويت الفرصة على كل عدوٍ يتربص النيل بهم؛ وتلقفه المسلمون من بعدهم، فلا يسعنا إلا أن ننسج على نفس المنوال إذا كنا عازمين على استكمال طريق التحول على طريق العدالة الانتقالية.

كيف صنعنا القرار - الأهرام - 29 أبريل 2012


ليس انحيازا لحزب النور‏-‏ وإن كنت بالطبع مدرك أن التزام حياد كامل عند النقد أو الكتابة أمر مستحيل فما يبقي إلا تحري الموضوعية قدر المستطاع‏.
 لكن تجربة الحزب الفريدة في صناعة قرار بحجم اختيار رئيس مصر القادم أجدني مدفوعا إلي نقل محدداتها ونتائجها ليستفاد بها وطنيا.علي نطاق واسع; وأنا مسبوق في ذلك بما بات يعرف عالميا بالمشاركة في المعرفة.
أثناء عملية صناعة القرار; حاولنا قدر استطاعتنا اتباع المنهج العلمي في التفكير والتقيد بالحسابات المنطقية البعيدة عن التأثر السلبي بالعواطف وحدها; لأن العاقل يدرك إلي أي حد يمكن أن تذهب به العاطفة إذا ما اعتمد عليها وحدها في صناعة قراره. فلم يتسرع حزب النور في إعلان دعمه لأي مرشح استجابة لضغط قواعده- مع احترامه طبعا لتلك القواعد التي لولاها لما شكل الحزب أصلا- والذي وصل إلي حد التلويح ثم الإقدام علي استقالات( إعلامية) لم يكذب الإعلام خبرها فطار بها في الآفاق ليمارس بدوره ضغطا آخر علي صناع القرار, فكان الذي عزمنا عليه منذ البداية والتزمناه حتي آخر رمق هو التمهل إلي حين إعلان الأسماء النهائية لمرشحي الرئاسة. الأمر الذي وقانا إلي حد كبير حرجا وقع فيه غيرنا من الأحزاب الضاربة في العراقة, تسرع في دعم مرشح ثم تراجع عنه إلي غيره دون مبرر واضح ثم عاد إلي دعم الأول مجددا بعد انسحاب مدعومه من السباق بشكل مفاجئ.
ونسجا علي منوال حجب العاطفة وثبات الإنفعال وقت صناعة القرار فأزعم أن( النور) قد أظهر ثباتا حقيقيا أمام محاولات تثبيط عزم قياداته وإحراجهم بالترويج لفكرة أن( النور) يسير في ركاب( الإخوان المسلمين) علي غير بصيرة; ونشطت هذه المحاولات في الآونة الأخيرة تحديدا لزرع بذور الإحن في قلوبنا وقلوب إخواننا; فكان ردنا الواضح أن إخواننا إن وافق اجتهادهم رؤيتنا فلا جرم نتبعهم لأن الإصرار علي المخالفة فقط لإظهار التميز والحضور خصلة من خصال العصبية الجاهلية; أما إن اختلفت الرؤي فلا حرج علينا أن يختار كل منا ما اطمأن إليه ويعذر بعضنا بعضا.
أما الحرص علي جمع الإسلاميين خلف مرشح واحد فلقد مثل عاملا محوريا في التأثير علي قرارنا لإدراكنا خطورة أن يتحمل أي فصيل إسلامي تبعات قرار اختيار رئيس لأكبر دولة إسلامية و أزعم أننا صبرنا علي ذلك حتي النهاية. ولعلها أن تكون تجربة مفيدة علي طريق وحدة حقيقية وقت اتخاذ القرارات المصيرية, أبي الله أن تتحقق في الظرف الراهن لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه لكنها تظل مرشحة بقوة للحدوث في المستقبل المنظور. كذلك الحرص علي استطلاع آراء أغلب التيارات الوطنية, التي وإن كنا نختلف معها في الطرح بحكم تباين مرجعياتنا إلا أن وطنا يستوعب الجميع وثورة ما فرقت بين تيار وآخر قد حتما علينا تغليب النظرة الوطنية الأممية علي النظرة الحزبية الضيقة فلم نعبأ كثيرا بأن هذا المرشح أو ذاك سيكون الأقرب إلينا فكريا في الوقت الذي قد يتفوق عليه غيره بالكفاءة ولو نسبيا; لاسيما و أننا نعي جيدا الفارق الشاسع بين اختيار رئيس هو أقرب ما يكون إلي مدير تنفيذي منه إلي خليفة للمسلمين; وهي تفصيلة جوهرية غابت عن الكثيرين.
التقينا بمرشحي الرئاسة كل علي حدة أكثر من مرة للوصول إلي رأي متكامل عن كل مرشح بعيدا عن أي تصورات مسبقة. وكانت أهم محاور اللقاءات تركز علي رؤية المرشح الحقيقية للخروج بمصر من رحم الأزمة الحالية ولمدة أربع سنوات مقبلة فحسب بعيدا عن برامج التوك شو التي تحوي كثيرا من الإستعراض الإعلامي الذي لا يعبر بصدق عن رؤية متكاملة راشدة.
فهم كل مرشح لصلاحيات الرئيس في دولة ما بعد الثورة كان أحد أهم العناصر التي بني عليها القرار. إضافة إلي طبيعة الفريق الرئاسي الذي يعتمد عليه المرشح.. وفريق رئاسي في حسنا لا يعني فريقا لإدارة حملة دعائية إنتخابية; وإنما فريق حقيقي يعتمد عليه الرئيس عند اتخاذ قراره بعد ممارسة شورية حقيقية.
هذا بالإضافة إلي تقييم شخصية المرشح من الجانب النفسي; بقياس ثباته الإنفعالي وقدرته علي مواجهة الضغوط والحلم والصبر وقوة الاقناع والتاثير والكاريزما إلي آخر قائمة طويلة عكف خبراؤنا النفسيون علي قياسها. وأخيرا كان الإنتقال من صناعة القرار إلي اتخاذه أنموذجا يحتذي في الممارسة الشورية تمثل في عرض خلاصة ما تم التوصل إليه من دراسة مستفيضة علي طبقة أهل الحل والعقد الموسعة( الجمعية العمومية) المتمثلة في هيئة الحزب العليا وهيئته الرلمانية ومسئولي المحافظات للتصويت الحر المباشر علي شخص الرئيس الذي يدعمه الحزب.
يا لحزب النور

الغلو شرٌ كله - اليوم السابع - 21 أبريل 2012

الغلو ممقوت بكل ألوانه، سواءٌ فى ذلك أكان غلواً فى شخصٍ أو فكرة، ذلك أنه يورد صاحبه المهالك من أقصر طريق، فقد يعميه غلوه فى شخصٍ أو تعصبه لفكرةٍ عن رؤية الحق فى مواطن كثيرة لمجرد أنه أتى على غير هواه أو من خلاف طريقه.

 ولأن أكثر صنوف الغلو خطراً ذلكم المتعلق بالأشخاص فقد حرص الإسلام على نبذ تقديس الأشخاص أيما حرص فربى أبناءه تربية الأحرار من اليوم الأول، وإن شئت فى ذلك فصل الخطاب فتأمل  كيف حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغلو فى شخصه الكريم بقوله: «لا تطرونى – الإطراء مبالغة الحد فى المدح والثناء – كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

تأمل كيف اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرأى مراراً  وبعضهم كان أعلى فى المكانة والفضل من مخالفيه بكثير فلم يحملهم ذلك على اتهام بعضهم بعضاً بالتهم التى يتساهل فيها إخواننا اليوم تساهلاً عجيباً وما يدرون أنها تحلق الدين حلقاً.
   
تعلمون كيف اختلف الصحابة فى تفسير أمره صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة» فكان منهم من صلى فى بنى قريظة حتى بعد فوات الوقت وكان منهم من صلى العصر فى وقته وفهم أن المراد من الأمر هو حثهم على الإسراع فقط، فلم  يثرب فريقٌ منهم على من خالفه اجتهاده أو حاول حمله قسراً على ما فهم واستوعب.

ويوم حادثة الإفك تأخر الوحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  امتحاناً من ربه وتمحيصاً لصفوف المؤمنين فاستشار صلى الله عليه وسلم اثنين من خاصة أصحابه فى شأن فراقه لعائشة رضى الله عنها، فأما أسامة بن زيدٍ، فقال: يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما على بن أبى طالب، فقال لم يضيق الله عز وجل عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، وعلى بقوله هذا لم يشر عليه بترك عائشة لشىء فيها وإنما كما يوضح ابن حجر: «وهذا الكلام الذى قاله على حمله عليه ترجيح جانب النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذى قيل، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الغيرة فرأى علىّ أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها».

وترى خليفة المسلمين أبابكر  فى أول أيام حكمه قد أحاط به  قطاعٌ عريضٌ من الصحابة يحاولون إثناءه عن المضى قدماً فى قراره بإرسال أحد عشر جيشاً دفعة ًواحدة  فما يزيدونه غير إصرار، وكان موطن معارضتهم الرئيسية فى قضيتين، قضية إنفاذ بعث أسامة التى كانت مركبة فى حقيقة الأمر من مادتين أولاهما الاعتراض على مقارعة الروم فى توقيت حرجٍ كانت الروم فيه فى أوج قوتها وثانيها سن أسامة نفسه الذى اعترض عليه كثيرون، والقضية الثانية فى قتال مانعى الزكاة على ماهو معروفٌ مشتهر.

حتى الرأى فى الرجال وتقييمهم، قد اختلفت فيه تقديراتهم وكلهم مجتهدٌ مأجور، فقد اختلف  مثلاً رأى عمر وأبى بكر فى شأن خالد،  ولهذا كان أبوبكر الصديق رضى الله عنه يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يؤثر عزل خالد، واستنابة أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان ليناً كأبى بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولى من ولاه، ليكون أمره معتدلاً والكلام هنا لابن تيمية فى السياسة الشرعية.

وعزل عمر «سعد بن أبى وقاص» على إثر اعتراض أهل الكوفة على شخصه، فما عزله إلا  درءاً للفتنة؛ قائلا فى شأن ذلك: «فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة».. وهو مع ذلك قد جعله ضمن مجلس الستة الذى ائتمنه على خليفة المسلمين من بعده.

واختلف المهاجرون والأنصار على فريقين يوم علم عمر أن الطاعون قد ضرب دمشق وهو إذ ذاك فى طريقه إلى الشام، فدعاهم ليستشيرهم؛ فاختلفوا فقال بعضهم‏:‏ قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه‏؛ وقال بعضهم‏:‏ معك بقية الناس وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فكان  آخر أمره آن عزم على الرجوع فلم يدخل دمشق.. وقتها عارضه أبوعبيدة بقوله: أفراراً من قدر الله؟ ورغم ما فيها من اتهام صريح فإن أحداً لم يراجع أبا عبيدة فى ما قاله، وتقبلها منه عمر بقبولٍ حسن، قائلاً: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.

ومن ذلك رفض أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه قتال محاصريه، رغم أن كثيرا من الصحابة كانوا على خلاف رأيه فى وجوب الدفاع عنه حتى الموت، مما اضطره أن يقول: أعزم على كل من رأى أن لى عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم عندى عناء من كف يده وسلاحه. وقد كانت داره يومئذ غاصة بسبعمائة، لو يدعهم لضربوا محاصريه حتى يخرجوهم من أقطارها، منهم: ابن عمر والحسن بن على وعبدالله بن الزبير كما يحكى ابن سيرين.

الفن وحرية الإبداع - اليوم السابع - 31 مارس 2012

على ذكر الفن وحرية الإبداع، أتعجب كثيراً كلما دعيت إلى ندوةٍ أُسأل فيها: هل الفن حرام؟
شريعةٌ قال مبلغها، صلى الله عليه وسلم: «الله جميل يحب الجمال» لا يمكن أبداً أن تحرم النفوس البشرية من تذوق الإبداع الفنى، وإنما هى فقط تهذب الحاسة الفنية، وتيمم وجهها شطر السمو عن نوازع الغى والفساد .. وإلا فـ«ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم»؟

والمتأمل آيات الجمال المعمارى التى خلفها المسلمون وراءهم فى الأندلس والعراق ومصر والشام، يدرك أن النفوس التى رباها القرآن، وصاغها الحديث النبوى ليست قادرة على تذوق الإبداع الفنى فحسب، وإنما تستطيع أن تبز أقرانها ممن لم ينالوا ما نالت من حظٍ عظيم، بل تفوقهم عبقرية وتفردا.

وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها، وفى الحديث «وإن من الشعر لحكمة» سواء خرج من جوف مؤمنٍ أو كافر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان إذا سمع بيت «لبيد بن ربيعة» الشهير «ألا كل شىء ما خلا الله باطل» يقول صدق، وإذا قال «وكل نعيم لا محالة زائل» يقول النبى صلى الله عليه وسلم: كذب، إلا نعيم الجنة.. لا يزول .. فعلى ذلك يقبل المسلم الحق من كل من جاء به، ونستفيد مما يحويه أدب غير المسلمين روايةً كان أو شعراً مادام المشترك بيننا البحث عن حكمة أو تهذيب نفس أو حكاية تجربة إنسانية مفيدة، وإلا لما وجدنا من ربنا سبحانه وتعالى تأكيداً على صحة الحكمة البليغة التى لقنتها «بلقيس» لقادة جيشها وأركان دولتها، وكانت حينئذ على شرك بالله واضح، فما أقرها القرآن على باطلها، ولكنه لم يُغفل أيضاً الحق الذى نطقت به «إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة» بتعقيب الله سبحانه «وكذلك يفعلون».

فليست مسألة تمييز الغث من السمين إذن هى محور القضية المثارة الآن، إنما ما يدفع به البعض من أنه حينما ننتقد روايةً أدبيةً لما حوته من مظاهر انحراف عن النهج الإسلامى أياً كانت درجة تميز صاحبها من ناحية الحرفة أو الصناعة الفنية، فإننا فى زعم هؤلاء نتغافل عن حقيقة مجتمع مصرى حوى نماذج وأنماط الشخصيات التى ترتكب من الموبقات ما لا يختلف على حرمته اثنان، فبالتالى لمَ الاعتراض؟

نقول: إن المشكلة لا تتركز فى إبراز هذه النماذج وتسليط الضوء عليها واعتبار مظاهر حياتها العابثة هى محور الرواية الرئيس، وإنما السياق القصصى هو العائق الأول فى قبول هذه الرواية من ردها، بمعنى أن القرآن الذى هذب النفوس بأحسن القصص - سواء كان ذلك متعلقا بنبى الله يوسف أو غيره - من تأمل فى سياق قصصه على اختلافها، نعم سيجد صورةً متكاملة الأركان للمجتمع بما كان عليه المشركون من تعاطٍ للخمر واستهزاءٍ بالمرسلين، وتكذيب بالبعث، وغير ذلك كثير، بل قد اهتم القرآن بسرد شبهات مناوئى الرسل ورافضى الحق بحذافيرها، لكن سياق قصصه كان يوجه بوصلة أهل التدبر للتفكير فى عاقبة ومآل هذه المخالفات البشرية بشكل لا يمكن أن يثير أفكارا مريضة أو يتسبب فى فساد فطرة.

السبت، 31 مارس، 2012

بوضوح! السبت، 10 مارس 2012

مخطئ من يتصور أن الانتساب إلى التيار الإسلامى يعصم صاحبه من الزلل أو يضفى عليه هالة ً من القداسة، وأعظم منه خطأ ًمن يتربص الدوائر بالمنهج الإسلامى نفسه لينقض عليه فى شراسةٍ إذا ما ندت من بعض منتسبيه هفوةٌ أو زلة.

لأن الإسلام الذى هو دينٌ ومنهاج حياة، دائماً ما يرسى مبدأ أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال باتباعهم الحق، لذا فاعرف الحق تعرف أهله، لأن الكل يأخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتظل الشريعة دائماً بمعزلٍ آن تُخذل لأن فلاناً عصى أو علانا خالف النهج، فإن من يكسب إثماً إنما يكسبه على نفسه، لن يضر شرع الله شيئاً، فالله متم نوره وإن تخاذلنا أو أقعدتنا الذنوب.

وتتجلى صورة تفريق القرآن بين المنهج وبين أتباعه، فى لومه لكل من أخطأ أو تجاوز منهم لوماً يصل إلى حد التقريع المباشر كما فى قصة «بنى أُبيرق» من الأنصار إذ سرق أخٌ لهم يُدعى «طُعمة» درعاً «لقتادة بن النعمان» وخبأ الدرع فى جوال «دقيق» سُرعان ما ثُقب لأجل حظه العاثر تاركاً أثراً على خطوات «طعمة» ستجعل الشبهات تحوم حوله، لاسيما وقد لاقاه «رفاعة» عمِ «قتادة» على هذه الحال وهو قافلٌ من بيت «قتادة».
المهم أن صاحبنا هذا عمد إلى بيت يهودى يُدعى «زيد» استودعه جوال الدقيق متحججاً بكونه مثقوبا، على أن يعود ليأخذه مجدداً، وتنفس بعد هذه الحركة الخسيسة الصعداء أن تخلص من الدرع المسروقة وألصقها برقبة اليهودى.

فلما اكتشفت السرقة هُرع «طعمة» إلى قومه فحكى لهم خبره وناشدهم الرحم إلا ناصروه على باطله، وأوعز إليهم أن يتهموا اليهودى لأن الدرع موجودةٌ عنده، فأجمعوا أمرهم على إلصاق التهمة بـ«زيد»، ولتساعدهم على ذلك سيرة يهود غير السوية فى المدينة وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم التى لا تحتاج إلى برهان، فظل القوم بالنبى صلى الله عليه وسلم يقنعونه أن صاحبهم برىء، وأنه يرى أن الذى سرق الدرع «زيد» اليهودى، قالوا قد أحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، وكيف يُتهم أهل أُبيرق وهم بيت إسلامٍ وصلاح ويُترك اليهودى–رغم وجود شهودٍ معه على أن طعمة هو الذى استودعه الجوال وما يدرى اليهودى ما فيه، فلما همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبرئة «طعمة» أنزل الله من فوق سبع سماوات -لأنه عدلٌ قد حرم الظلم على نفسه- عشر آياتٍ بتمامها تبرئ اليهودى وتدين أهل أُبيرق كلهم مفتتحةٌ بقوله تعالى «إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا» ســورة النســاء «104–115»
شريعةٌ لا تعرف محاباة ً لأحد، ولا تنصر ظالماً لمجرد كونه مسلماً ولو حتى كان من السابقين الأولين، فقد حكم الله أنه «لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً» أى أن الأمنيات وحدها لا تكفى لتعذر صاحبها بين يدى من لا تخفى عليه خافيةٌ فى الأرض ولا فى السماء، بل يسرى قانون الثواب والعقاب على الجميع.

سيادة وطن السبت، 3 مارس

صحيح ٌ أن مشهد خروج المتهمين الأمريكيين من مطار القاهرة مثل صورة ً مزرية لضياع سيادة الوطن صدمت مشاعر كل المصريين، لكنى أرى أن تحليل المشهد يتجاوز بكثير الحديث عن جرحٍ غائرٍ للكرامة الوطنية أو طعنة نافذة لأحلام شعبٍ ضاق ذرعاً بالذل والهوان ..يتجاوز ذلك إلى الحديث عن أزمةٍ حقيقية نعيشها.. أزمة فى صناعة القرار السياسى.

وأقول «قرارٌ سياسى» لأن توقيف أى أجنبى بغض النظر عن جنسيته للتحقيق معه، إذا ما خالف قوانين البلاد بشكلٍ واضحٍ صريح، لابد أن يؤثر على العلاقة مع بلاده، ويتباين التأثير تبعاً لحجم الدولة، فكيف إذا ما كانت الدولة بحجم الولايات المتحدة؟ فالمفترض أن يكون صانع القرار – وهو هنا المجلس العسكرى – على دراية بتبعات هذا القرار، إذ أنه بلا شك يتفهم موازين القوى الدولية ويتفهم أن تحديه السافر لواشنطن يلزم منه أن يكون مستعداً للمواجهة، لاسيما فى هذا التوقيت الحرج الذى يجاهد فيه المجلس لحفظ ماء وجهه أمام شعبه، فلماذا أقدم من البداية على اختبار القوة؟

كان بوسعه أن ينزل إلى ساحة البطولة من أيسر طريق، لو أصدر قراراً بالقبض على المتهمين ومن ثم ترحيلهم بوصفهم أشخاصاً «غير مرغوبٍ فيهم»، إذن لأنقضت المواجهة من الجولة الأولى ولحاز المجلس العسكرى قصب السبق أمام شعبه والعالم أجمع ولأثبت سيادةً وطنيةً غير منقوصة، ولفتَّ ذلك فى عضد الإدارة الأمريكية ولسببَّ لها إحراجاً بالغاً، لكنه سينتهى بها إلى الرد بتصريحات نارية نعلم أنها لن تحدث فارق كبير، طالما قد استعادت رجالها ولو بشكلٍ مهين، ولكفى الله المؤمنين القتال من البداية.

أما وقد حسمت أمرك واتخذت قرارك «السياسى» بنقل المواجهة إلى ساحة القضاء على أرضك؛ فلا بد أنك قد درست ردود الأفعال وقدرت لها قدرها وحللت المعطيات جيداً قبل ما تطرح قرارك للتنفيذ، وتعلم أن احتمال الإدانة قائمٌ بلا شك، فأنت مستعدٌ بالتالى لتطبيق عقوبة ما على الأمريكيين، وإلا فإن أحكام القضاء لا يمكن أن تقبل مساومة أو مفاوضة، فلتتحمل تبعات قرارك إلى النهاية بشجاعة إذن وسيقف الشعب المصرى كله من خلفك كما أوضحنا من قبل.. لكنك فجأة وبلا مقدمات قررت الانسحاب من المواجهة، فأضحينا كالمنبَّت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فأى ُ قرارٍ هذا؟

قرار أراق ماء وجه شعبٍ بأسره، وهز ثقته بشدة فى السلطة القضائية بعدما رأى إلى أى حدٍ تُكبَّل إرادتها، ولعل السؤال الأخطر الذى يبرز هنا، هو إذا كنا قد اشتممنا رائحة تحريكٍ سياسى لملف قضيةٍ كهذه، فكيف تطمئن قلوبنا لسير المحاكمات مع رموز نظامٍ سابق عُينت الهيئات القضائية تحت سمعه وبصره؟

أما واشنطون فمصرةٌ على ضرب الذكر صفحاً عن دروس التاريخ، تتحدث عن القانون فى كل سهلٍ ووادى، فإذا ما طُبق القانون بساحتها أقامت الدنيا ولم تقعدها، ولعمر الله لهذا أحد مظاهر الغطرسة التى أهلكت أمماً قبلها كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.