الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

رمضان ومعاني الإحسان 3 - الوطن - 30 يوليو 2012

وقبل أن يغادرنا معنى (الإتقان) يأبى إلا أن يتحفنا بمثال آخر؛ بل ربما يكون أحد أبرز أمثلة رمضان؛ ففى نهايات الشهر الكريم كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا دخلت أيام العشر الأواخر «أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر)؛ وقد وضح المفسرون أن عبارة (شد المئزر) هى كناية عن اعتزاله زوجاته رضوان الله عليهن تماما فى هذه الليالى؛ وما ذلك إلا لفرط اهتمامه بالتركيز على تحصيل كل خير ممكن فيها لعله بذلك يصيب ليلة القدر؛ وما ذلك إلا لكون العبادة والتقرب إلى الله فيها خير من ألف شهر كما نصت الآية الكريمة؛ فمن تمام (إتقان) العبادة لمن أدرك هذه الليلة إفراغ القلب من كل شاغل يمكن أن يعيقه عن الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من الخشوع وتدبر الآيات واستحضار القلب عند الدعاء.
بل إن إبهام ليلة القدر وترك تحديدها على وجه قاطع من بين ليالى العشر يشعرك بالحث الربانى غير المباشر أن يتحرى الناس (الإتقان) فى القيام والدعاء والذكر طيلة ليالى العشر؛ وإلا لأصيب الناس بالارتخاء والفتور والتكاسل إذا ما اجتهدوا فى ليلة علموا أنها دون سواها هى المعنية بالتقدير.
وإذا كنا بذلك قد عرفنا الوجه الأول من وجوه (الإحسان) وقد تبين تعلقه بأفعال الإنسان؛ فإن ثانى معانى (الإحسان) متعلق بمعاملة الناس؛ ويقصد به أن يصل الإنسان إلى أفضل تعامل ممكن مع دوائر الخلق المحيطة به بدءا من الوالدين: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وانتهاء بالإحسان إلى الحيوان (ولكم فى كل كبد رطبة أجر) والنبات: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة).
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم/فطالما استعبد الإنسان إحسان
ومن أبرز الأمثلة التى يتأكد منها معنى الإحسان إلى الخلق كافة فى رمضان حديث ابن عباس رضى الله عنهما: (كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود الناس وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه ‏ ‏جبريل ‏ ‏وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أجود بالخير من الريح ‏ ‏المرسلة).
فقوله (أجود - أى أشد كرما وسخاء- ما يكون) تعنى أن إحسانه صلى الله عليه وسلم للناس فى هذا الشهر قد تضاعف مرات ومرات؛ ولفظة (الخير) فى الحديث تشمل كل معانى الإحسان للخلق التى تناولتها أحاديث شتى فى غير رمضان؛ بدءا من تبسمك فى وجه من تلقاه: (تبسمك فى وجه أخيك صدقة)؛ ومصافحته: (إذا تصافح المؤمنان تساقطت ذنوبهما)؛ ومرورا بالسير معه فى قضاء كل حوائجه الدنيوية: (ولأن أمشى مع أخ لى فى حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى مسجدى هذا شهرا)؛ بكل ما يعنيه قضاء حوائج الناس: (تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا) وعلى رأس ذلك تأتى الصدقة للمحتاج: (ما نقص مال عبد من صدقة) وهى للأقرب فالأقرب: (الأقربون أولى بالمعروف)؛ هذا بالطبع بجانب الإحسان فى القول المجموع فى قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وتشمل تشميت العاطس؛ ورد السلام والابتداء بإلقائه؛ والنصح برفق ولين؛ وأداء الشهادة بالحق؛ وترك انتقاص الناس بالسخرية أو الغيبة أو السب واللعن... وللحديث تتمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق