الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

الشرعية المصطنعة - اليوم السابع - 23 يونيو 2012

ثمة فارق هائل بين شرعية «مكتسبة» وأخرى «مصطنعة»، فالأولى تمثل نتاجاً طبيعياً لحقٍ واضح لا يمارى فيه أحد، أو لإجماع شعبيٍ أو حتى توافقٍ على أقل تقدير ويأتى تلقائياً بغير فرضٍ أو إكراه، ويعبر عن اقتناعٍ حقيقى لا يحتاج المرء بذل كبير جهدٍ ليشعر به، أما الشرعية «المصطنعة» فهى تلك التى دائماً ما يراهن أصحاب عقلية القهر ومنظرو منطق الاستبداد على قدرتهم أن يجعلوا منها نسخةً متطابقة من الشرعية الطبيعية المكتسبة مستعينين بتجييش ترسانةٍ ضخمة من أجهزة إعلام مزيفةٍ للحقائق، وكتابٍ ومفكرين وساسةٍ باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس، وقانونيين احترفوا تفصيل القوانين على مقاساتٍ بعينها... وقائمة طويلة تشمل للأسف أيضاً فقهاء سلاطين، ونجوم مجتمع وغيرهم، حتى تكتمل للصناعة أركانها.
ورغم دأب المجلس العسكرى على محاولة «اصطناع الشرعية» الذى كان ملاحظاً بشكلٍ كبير فى ما مضى، لكن خطواته المحمومة المتسرعة خلال أسبوعين اثنين فقط لاسيما مع أخريات عهده بالسلطة من ناحية الجدول الزمنى «النظرى» للفترة الانتقالية، لا يمكن أن يخطأها أحد.
حقيقة ً لست من أنصار أن ينقسم الناس إلى فريقين أحدهما يرى نظرية المؤامرة مكتملة الأركان مع كل خطوةٍ يخطوها فيبالغ فى تقدير حجم خصمه ومن ثم يترك الإحباط يفترسه افتراساً، والآخر يرفض بشدة افتراض أن ثمة مكر يحاك من خلف الأستار فينعكس ذلك عليه غفلة ً تورده المهالك، بل التوسط فى النظر للأمور هو أسلم منهجٍ للتحليل لاسيما فى الأوضاع بالغة الاضطراب التى نحياها.
ومن هذا الباب يسعنا القول إن ترتيب الأحداث وخروجها من جهةٍ محددة تتراوح بين المجلس العسكرى وبين بقايا منظومة العهد البائد، وفى أزمنةٍ متلاحقة يجعلنا أمام سياقٍ واحد يمكننا أن ننظم فيه الأحداث حلقاتٍ تقودنا إلى الخطوات التى انتهجت لاصطناع شرعية زائفة، ومن ثم يصبح من الصعب علينا أن ننتزع إحداها للحكم عليها بمعزلٍ عن باقى الحلقات.... فبدايةً كان الحكم التاريخى بين التناقض فى قضية قتل المتظاهرين، وأعقبه فى ظرفٍ مشبوه قانون الضبطية القضائية الذى جعل الشعب المصرى كله رهن الاعتقال فى أى لحظةٍ، ثم الحكم بحلِ البرلمان وطباعة الحكم ونشره والعمل به فى ساعاتٍ معدودات ٍ تأكيداً على كونه حكماً دُبر بليلٍ، وأعقب ذلك إصدار إعلانٍ دستورى لا شرعى من قبل المجلس العسكرى يمثل أقصى درجات اصطناع الشرعية التى أشرت إليها آنفاً، وأخيراً سلوك اللجنة العليا للانتخابات المثير للريبة بتأخيرها إعلان النتائج أسبوعاً كاملاً بعد تأكيد أكثر من جهةٍ محايدة ٍعلى أحقية د مرسى بالفوز، فيصبح أمراً طبيعياً غير مستهجن أن تساور الشعب المصرى الشكوك حيال التأخير غير المبرر لإعلان النتائج الرسمية من منطلق كاد المريب أن يقول خذونى.
أما الشرعية الحقيقية التى اكتسبتها الثورة بتأييد جماهير الشعب المصرى لها والتى انصبغت بها بعد ذلك المؤسسات التشريعية، فلم تستمد من دستور فقد شرعيته بثورة الناس على نظامٍ وضعه، ولم تستمد من إجراءاتٍ قانونية يسهل على المحامى الحاذق البحث عن ثغراتها، ولم تستمد بقرارت أو تعيينات أو بيانات.. شرعية أتت من طريق دماء الشهداء وآلام الجرحى وأنات شعبٍ كريم ذاق صنوف الذل عقوداً بين قتلٍ جماعى وتعذيبٍ ومتاجرةٍ بقوته حتى بلغ منه الغضب مبلغه.. شرعيةٌ أتت من وقوفٍ فى وجه الظالم حتى انتزع منه الحق انتزاعاً.
الشرعية لا تُصنع، لا تباع، لا توهب.. فقط تُكتسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق