الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

سياسات الفارس النبيل - الأهرام - 26 مايو 2012


علي مدي يومين نشطت ذاكرتنا الوطنية لتستعيد مشهد الجموع الغفيرة مرتسمة أعتي أمارات العزم علي ملامحها‏,‏ مصممة علي صناعة قرارها بيدها‏..‏
مشهد يكفي وحده لبعث النشوة في عروق ملايين المصريين للمرة الثالثة خلال عام ونصف العام, النشوة التي لم يعرف المصريون لذتها إلا أياما معدودات علي مدي تاريخهم الطويل.
هذه النشوة مرشحة لأن تتضاعف عشرات المرات يوم يحصد المصريون ثمرة نضالهم وصبرهم ودماء أبنائهم رئيسا مدنيا منتخبا, اتصور أنه سيمثل في مخيلة الكثيرين فارسا نبيلا يحمل لواء الثورة بيسراه في الوقت الذي تطعن يمناه الفساد والفقر والجهل والمرض طعنات نافذة, علي أن صبغة النبل هذه ورغم كونها مستعارة من وصف عتيق للطبقة الارستقراطية الأوروبية الشهيرة, إلا فإنها في مثالنا تناقضها من كل جانب, لأن فارس المصريين لن يكون نبله مزيفا مصطعنا مستمدا من عراقة نسبه أو ثراء رفل فيه أو دماء زرقاء تجري في عروقه. بل سيكون نبلا حقيقيا مستمدا من اخلاصه لله سبحانه وتعالي يبتغي مرضاته ومن ثم يخلص لثورة فتية فيحقق أهدافها, ولشعب مكلوم فيداوي جراحه, ولشهيد مغدور فيأخذ بثأره.. والحق اقول إنه ليس كثيرا علي شعب تجرع العذاب صنوفا وألوانا ان يحلم بفارس دمائه كالشهيد حمراء اللون, لا زرقاء كدماء كل دكتاتوري متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
إلي هنا أقف ولا استطرد, مخافة أن يظن البعض بالأمنية الجميلة الظنونا, أو ينجرف فريق آخر من غير ان يشعر ليكرر مأساة القائد الملهم المفدي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, المأساة التي تبنت تجسيدها نفوس مريضة استخفها الطغاة فأطاعتهم وغالت في تقديسهم ضاربة بعرض الحائط نهي الشرع والعقل وقوانين الفطرة وقواعد المنطق...ويسعني هنا القول إنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم, فإن عصر القائد الملهم المسدد, الذي تهرول الملايين من خلفه إذا ما عن له الانطلاق يمنة أو يسرة لهوي في نفسه قد ولي بغير رجعة, لنبدأ حقبة من العمل المؤسسي, ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة علي اساس مصالح وطنية عليا, يسهم الرئيس فقط في ابتكار مايعينه علي تحقيقها.
جملة لا بأس بها من الملامح العامة لسياسة الدولة يمكنك بقليل من العناء اكتشاف أنها تمثل أرضية مشتركة, أو علي أقل تقدير تحظي بتفهم حقيقي من جانب جميع تيارات العمل الوطني في تأريخ ما بعد الثورة سواء تلك المتعلقة بالجانب الاقتصادي أو الامني أو حتي شق السياسة الخارجية.
الجانب الاقتصادي وحده يكفي للتدليل علي ذلك إذا ما سلطنا الضوء علي بعض المبادئ العامة التي تحدد اطار النهضة الاقتصادية المرجوة, كالانطلاق نحو اقتصاد سوق حر يوفر مناخا جاذبا للاستثمار مادامت آلية العرض والطلب هي المحددة للسعر, ويمكن الاستدلال علي ذلك بحديث انس رضي الله عنه إذ يقول: غلا السعر علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم, فقالوا: يارسول الله سعر لنا, فقال: إن الله هو القابض والباسط المسعر الرزاق, وإني أرجو أن ألقي الله وليس أحدا منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال, والحديث واضح الدلالة عند جمهور الفقهاء علي تحرير السوق من أي تدخل محتمل للسلطة التنفيذية, وتبقي هذه النظرية صحيحة ما لم تجد علي الساحة ممارسة احتكارية تعكر الصفو, فإدا ما كان تم احتكار فالكل مجمع علي ضرورة التدخل لتصحيح خلل المعادلة وحديث: لايحتكر إلا خاطئ الذي يرويه معمر بن عبد الله جاهز للتدليل أيضا.
النهضة الاقتصادية المؤهلة عند الجميع لن تأخذ من الرأسمالية وحشيتها إذ تطحن الفقير طحنا لا هوادة فيه, وإنما تنحاز إلي الفقراء فتؤكد حتمية الحل الزكوي: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. وتذهب أبعد من ذلك حين تنظر إلي الفقراء نظرة تنموية تحولهم إلي طاقة إيجابية منتجة ومن ثم تدمجهم في التنمية الشاملة, ويكفي أن نسوق مثالا علي ذلك تشجيع ودعم المشاريع المتوسطة وتلك الصغيرة وحتي المتناهية في الصغر, ونحن مسبوقون في هذا المضمار بتجربة البرازيل الفريدة, أما الخلاف علي دعم السلع. فشكلي اصلا, لأن احدا لاينازع في مسئولية الدولة تجاه مواطنين يعانون شظف العيش, إنما التأكد من حصولهم علي الدعم يظل المشكلة الرئيسية التي تنتظر حلولا مبتكرة لحلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق