الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

رمضان ومعاني الإحسان 6 - الوطن - 14 أغسطس 2012

المعنى الثالث والأخير للإحسان الذى نحط عنده رحالنا هو ذلك الذى أشار إليه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، مجيباً سؤال جبريل عليه السلام: «فَأَخْبِرْنِى عَنْ الإِحْسَانِ».. وأجد أنه يتناغم مع ليالى رمضان العشر الأواخر التى أظلتنا بركاتها أيما تناغم.
فى جملةٍ واحدة يصف لنا الحديث مقامين عظيمين للإحسان بينهما من التفاوت الشىء الكبير، أولهما وأرفعهما قدراً: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فيعبد الإنسان ربه مستحضراً قرب الله منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه (يعنى كأن الإنسان يرى ربه فى التو واللحظة) فيثمر ذلك عنده مهابةً وتعظيماً وحباً ورجاءً تدفعه إلى إتقان العمل على أفضل وجه (لاحظ أننا عدنا إلى معنى الإتقان مرةً أخرى).
أما من لم يستطع تحقيق ذلك فيأتيه المقام الثانى وهو ما اصطلح علماء المسلمين على وصفه بـ«المراقبة» أو الإخلاص «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وهو أن يعمل الإنسان على استحضار أن الله سبحانه مطلعٌ عليه فى سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شىء من أمره كمثل قوله سبحانه منبهاً عباده: «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ»، فإن فعل ذلك أصبح مخلصاً لله لا يلتفت لجزاءٍ من غيره.. وهذا المعنى متحققٌ بحذافيره فى صيام رمضان تحديداً؛ إذ إنها العبادة الوحيدة ربما التى يراقب فيها العبد اطلاع الله سبحانه على سره وباطنه؛ فصيام ثلاثين يوماً إذن نوعٌ من التدريب المتواصل على تحرى الإخلاص فى كل قولٍ وعمل يستمر معنا إلى سائر شهور السنة.
ويمكن باستحضار النية أن يتحول العمل الدنيوى إلى طاعةٍ يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه، ومن ثم يصبح معنى أن تعبد الله كأنك تراه واسعاً إلى حدٍ يشمل ما لا يخطر على أذهان الكثيرين، وذلك قوله سبحانه: «قُلْ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»؛ فمجرد تبسمك فى وجه من تلقاه صدقة لا يستهان بفضلها، وإذا صافحت آخاً لك تساقطت ذنوبكما، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على قلب مسلم، ولكم فى كل كبدٍ رطبةٍ أجر.. وللحديث تتمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق