الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

سيناء.. من صنع المشكلة؟ - الأهرام - 11 أغسطس 2012

من وسط رائحة الدماء وآهات الثكالي ودموع الأيتام وصرخات الثأر لابد أن تفكر عقول بروية وتخط أقلام علي الورق بهدوء تشخيصا منطقيا مدروسا لطبيعة الأزمة وبالتالي تصبح سبل العلاج أكثر قبل التحرك بتأثير حمية الغضب فقط‏.‏
صحيح أن التعامل الأمني الصارم مطلوب بشدة لردع من تسول له نفسه العبث بأمننا; لكن أخشي لو اكتفينا بالحسم العسكري وحده أن نستدعي من الذاكرة صورة من يباغت بكرة من اللهب تلقي في حجره فينهمك من ساعته في محاولة هوجاء للتخلص منها حذر أن تحرق ثيابه وتنفذ إلي جلده فيناله منها الأذي, وما أن يتنفس الصعداء بالتخلص منها حتي يباغت بكرة لهب أخري تلقي من جديد في حجره لتأخذ بمجامع فكره; ويستمر مشهد العقاب الـ( بروميثيوسي) الإغريقي الشهير هذا إلي مالا نهاية الذي يتمثل في حالتنا بالسقوط في أسر( ردود الأفعال).
برأيي أن هناك مجموعة من العوامل الرئيسية, تراكم بعضها فوق بعض, هي الي حولت( سيناء) إلي قنبلة موقوتة توشك علي الانفجار في وجه الوطن في أي وقت أركان أربعة, هي القهر والإهمال والعنصرية والظلم أسهمت في خروج سيناء من الحسابات الوطنية بشكل عملي بعيدا عن شعارات أدمنها النظام السابق ولم يكن لها من الواقع رصيد حقيقي.
كان تعامل وزارة الداخلية سلبيا مع مشكلات المخدرات وتهريب السلاح في سيناء بصورة قمعية تعمم العقاب علي الصالح والطالح ولا تعرف عن معان الإنسانية والرحمة حتي في التعامل مع المجرم شيئا; تكريسا لروح( إنا فوقهم قاهرون) بكل حذافيرها; فكانت الشبهة وحدها ذريعة كافية للتنكيل بأهل المتهم وذويه وقبيلته من النساء والرجال والأطفال إشباعا لروح السادية التي تحلي بها رجال( العادلي). وقد كانت نار الثأر تتقد في قلوب بدو سيناء مع كل مداهمة أمنية تنتهك فيها الأعراض; ويزيد الاتقاد عاما بعد آخر.
الجهاز الإعلامي أخذ حظا وافرا من عوامل الظلم والعنصرية; فتفنن عبر عقود في إنتاج أفلام ومسلسلات ترسخ في عقول المصريين صورة ذهنية بالغة السوء عن أهل سيناء; حتي أصبح السيناوي في نظر عموم المصريين أحد رجلين إما خائن لوطنه بالعمالة لإسرائيل أو بالاتجار في المخدرات.. والنار مازالت مشتعلة تحت الرماد. ثم الإهمال بكل صوره. ومن أكثرها بشاعة تغييب المؤسسات الإسلامية وعلي رأسها الأزهر وإقصاء التيارات الإسلامية التي تبنت النهج الإصلاحي عن التواصل مع أبناء سيناء بصورة توضح حقيقة المنهج الإسلامي الفكري البعيد تماما عن اعتناق مذاهب تكفيرية شيطانية; والذي يعلم المسلم منذ نعومة أظافره أن كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه. علي أن غير المسلمين من شركاء الوطن دماؤهم وأموالهم وأعراضهم معصومة; فكان أن تغلغلت أفكار شيطانية لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد بين قطاع ليس بالقليل من أبناء سيناء لم يجدوا من يأخذ بيدهم أو يهديهم سبيل الرشاد.
هذا بالإضافة إلي أوضاع اقتصادية متدنية يعيشها أغلب أبناء سيناء في الوقت الذي تبصر فيه عيونهم ملايين الدولارات تدخل جيوب حفنة من رجال أعمال يسيطرون علي منتجعات شرم الشيخ والغردقة. ولو فاض منهم شيء فإنما هو فتات يلقي لأيتام. وقد بلغ اتقاد النار في القلوب ذروته إذن لكنه كمن تحت الرماد يعلن عن نفسه من وقت لآخر. سنوات من الإهمال والعنصرية والظلم وضعت أهلنا السيناويين أمام خيارات ثلاثة لا مناص عنها, إما المخدرات زراعة وتجارة وتهريبا; أو العمالة لأعدي أعدائنا من باب النقمة علي البلد التي ازدرته, أو تكفير لمن يري فيهم صورة جلاد سامه سوء العذاب من قبل... وتلك أدهي وأمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق