الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

هكذا قرروا .. 2 - اليوم السابع - 6 أغسطس 2012

وأبعد ما يكون قصدى من وراء تدبيج هذه المقالات مجرد سرد أحداث أو وقائع مرتبة حسب التسلسل التاريخى فلهذا مكان آخر تبسط فيه، وإنما غرضى الأساسى هو إماطة اللثام عن المنهجية المتبعة فى إدارة شؤون الدولة و«أصول الحكم فى الإسلام» عن طريق تحليل أبرز القرارات السياسية المصيرية فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
وقد بدا لى أن نعرض أولاً لتحليل القرارات السياسية التى أديرت بها الأزمات قبل غيرها من القرارات وذلك لأنه «لا تختبر أى إدارة اختبارا جيدا إلا فى مواقف الأزمات» كما يذكر جيرى سيكيتش فى كتابه «جميع المخاطر»..... والحق أن أزمة «طاعون عمواس» وكيفية تعامل عمر بن الخطاب ومجلسه الاستشارى حيالها تعد أنموذجاً فريداً لمبادئ إدارة الأزمة ودرساً فى أصول صناعة القرار السياسى المصيرى فى أحلك الظروف وأشدها، لاسيما مع امتداد مساحة تأثير هذا القرار وتبعاته على كل دول الخلافة الإسلامية فى هذا التوقيت.
وتبدأ فصول الأزمة حينما قرر عمر بن الخطاب بوصفه رئيساً للدولة الخروج فى زيارة تفقدية للشام أحدث الولايات المنضمة إلى الدولة الإسلامية مصطحباً معه كبار رجال دولته ومستشاريه.. وربما قد بلغه تعرضها لمرض وبائى «الطاعون» إلا أن المعلومات التى توافرت لديه وقتها لم تكن مؤَكِدةً على اقتراب درجة الخطورة من «الكارثة» لتثنيه عن القيام بمهمته... حتى إذا كان بمدينة تسمى «سَرْغ» على مقربةٍ من الشام، استقبله وفدٌ رفيع المستوى من وزرائه وقادة جيوشه بالشام على رأسهم: أبو عبيدة بن الجراح، فكان أن أطلعوه على آخر تطورات الموقف بمنتهى الدقة، فأخبروه بانتشار الطاعون فى الناس بمعظم أرض الشام بشكلٍ غير مسبوق حتى عظمت أعداد ضحاياه.... هى إذن أزمة بدأت تتضح ملامحها وبدأنا نعايش أجواءها، لاسيما وقد اكتملت أركانها، وفق ما حدده محمد صدام جبر فى كتابه «إدارة الأزمات: نظرة مقارنة بين النموذج الإسلامى والنموذج اليابانى» إذ يقرر خمس نقاط هى الأبرز فى سمات أى أزمة:
1 - الإدراك بأنها نقطة تحول
2 - تتطلب قرارات سريعة.
3 - تهدد أهداف وقيم الأطراف المشاركة بها.
4 - فقدان أو ضعف السيطرة على الأحداث.
5 - تتميز بضغط عامل الوقت والشعور بالضبابية والاضطراب مما يولد القلق.
لكن الغريب فى الأمر ليس فى استيعاب عمر هذه السمات من فوره واستدعائه على إثر ذلك أركان مجلسه الاستشارى الذى تحول بفعل الظرف الراهن إلى «فريق إدارة الأزمة» لدراسة المعطيات الجديدة، إذ إن هذه تبقى نقطةً ثانوية إذا ما قورنت بطبيعة تشكيل المجلس الاستشارى نفسه أو حتى بمراحل صناعة القرار التى أبهرنا بها عمر ورسم بها ملامح المنهجية التى تكلمنا عنها.
فعادةً ما كان مجلس عمر الاستشارى ثرياً بأنماطٍ مختلفةٍ من صناع القرار، فيشمل الفقهاء وقادة الجيوش وكبار القادة السياسيين ورموز المجتمع، وكان يولى مشورة النابهين من الشباب والنساء اهتماماً بالغاً، وكان كافياً فى ظل الظروف العادية أن يدعو عمر المجلس الاستشارى للانعقاد بكل أعضائه جملةً واحدة، وتكون الشورى المنتهية بالتصويت هى الآلية المتبعة لاتخاذ القرار، لكنه فى ظل «الأزمة» اتبع «تكنيكاً» مختلفاً إلى حدٍ كبير. فقد عمد إلى تقسيم مجلسه هذه المرة إلى ثلاثة أقسامٍ مختلفة، المهاجرون الأولون ثم الأنصار وأخيراً أشياخ قريش من مسلمة الفتح، يعقد مع كل فريقٍ منهم اجتماعاً مستقلاً يستعرض فيه الأزمة وينصت إلى مناقشاتهم وما انتهوا إليه من رأى، ثم يقوم إلى الاجتماع الذى يليه.. أما التفاصيل فلها حديث آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق