الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

الفن وحرية الإبداع - اليوم السابع - 31 مارس 2012

على ذكر الفن وحرية الإبداع، أتعجب كثيراً كلما دعيت إلى ندوةٍ أُسأل فيها: هل الفن حرام؟
شريعةٌ قال مبلغها، صلى الله عليه وسلم: «الله جميل يحب الجمال» لا يمكن أبداً أن تحرم النفوس البشرية من تذوق الإبداع الفنى، وإنما هى فقط تهذب الحاسة الفنية، وتيمم وجهها شطر السمو عن نوازع الغى والفساد .. وإلا فـ«ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم»؟

والمتأمل آيات الجمال المعمارى التى خلفها المسلمون وراءهم فى الأندلس والعراق ومصر والشام، يدرك أن النفوس التى رباها القرآن، وصاغها الحديث النبوى ليست قادرة على تذوق الإبداع الفنى فحسب، وإنما تستطيع أن تبز أقرانها ممن لم ينالوا ما نالت من حظٍ عظيم، بل تفوقهم عبقرية وتفردا.

وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها، وفى الحديث «وإن من الشعر لحكمة» سواء خرج من جوف مؤمنٍ أو كافر، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان إذا سمع بيت «لبيد بن ربيعة» الشهير «ألا كل شىء ما خلا الله باطل» يقول صدق، وإذا قال «وكل نعيم لا محالة زائل» يقول النبى صلى الله عليه وسلم: كذب، إلا نعيم الجنة.. لا يزول .. فعلى ذلك يقبل المسلم الحق من كل من جاء به، ونستفيد مما يحويه أدب غير المسلمين روايةً كان أو شعراً مادام المشترك بيننا البحث عن حكمة أو تهذيب نفس أو حكاية تجربة إنسانية مفيدة، وإلا لما وجدنا من ربنا سبحانه وتعالى تأكيداً على صحة الحكمة البليغة التى لقنتها «بلقيس» لقادة جيشها وأركان دولتها، وكانت حينئذ على شرك بالله واضح، فما أقرها القرآن على باطلها، ولكنه لم يُغفل أيضاً الحق الذى نطقت به «إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة» بتعقيب الله سبحانه «وكذلك يفعلون».

فليست مسألة تمييز الغث من السمين إذن هى محور القضية المثارة الآن، إنما ما يدفع به البعض من أنه حينما ننتقد روايةً أدبيةً لما حوته من مظاهر انحراف عن النهج الإسلامى أياً كانت درجة تميز صاحبها من ناحية الحرفة أو الصناعة الفنية، فإننا فى زعم هؤلاء نتغافل عن حقيقة مجتمع مصرى حوى نماذج وأنماط الشخصيات التى ترتكب من الموبقات ما لا يختلف على حرمته اثنان، فبالتالى لمَ الاعتراض؟

نقول: إن المشكلة لا تتركز فى إبراز هذه النماذج وتسليط الضوء عليها واعتبار مظاهر حياتها العابثة هى محور الرواية الرئيس، وإنما السياق القصصى هو العائق الأول فى قبول هذه الرواية من ردها، بمعنى أن القرآن الذى هذب النفوس بأحسن القصص - سواء كان ذلك متعلقا بنبى الله يوسف أو غيره - من تأمل فى سياق قصصه على اختلافها، نعم سيجد صورةً متكاملة الأركان للمجتمع بما كان عليه المشركون من تعاطٍ للخمر واستهزاءٍ بالمرسلين، وتكذيب بالبعث، وغير ذلك كثير، بل قد اهتم القرآن بسرد شبهات مناوئى الرسل ورافضى الحق بحذافيرها، لكن سياق قصصه كان يوجه بوصلة أهل التدبر للتفكير فى عاقبة ومآل هذه المخالفات البشرية بشكل لا يمكن أن يثير أفكارا مريضة أو يتسبب فى فساد فطرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق