الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

هكذا قرروا 1 - اليوم السابع - 28 يوليو 2012

لأن حالة من الجدل قد ثارت بعد ثورات الربيع العربى عامة وثورتنا المصرية خاصة حول طبيعة علاقة الإسلام بالسياسة، وإذا ما كانت علاقة تكامل أم تضاد، أحببت أن أوضح الفارق الدقيق بين رفض إقحام الآيات القرانية والأحاديث النبوية فى قراراتنا السياسية حتى لا تتخذ ذريعة لإضفاء قدسية على هذه القرارات وبين أن ندرك حقيقة أن المشروع الإسلامى سبق كل مشاريع الديمقراطيات الحديثة فى إرساء قواعد منظمة لصناعة واتخاذ القرار السياسى وفق ركائز أساسية، أولها إرضاء الله سبحانه وتعالى وحده، وثانيها البعد القيمى الأخلاقى، وثالثها المحافظة على الكرامة الإنسانية.. وحيث إنه قد سبق لنا أن تناولنا كيف مثلت ثورة يناير أقصى درجات التعبير عن «إرادة التغيير»، وقلنا إنه بعد ما بلغ السيل الزبى وطاش صواب أكثر الناس حلما من جراء تراكم الظلم والقهر، وصار التغيير فى ضمائر الكثيرين ضرورة حتمية، ينتظرون فقط اللحظة المواتية للإعلان عنه، ثم لما تمَّ المراد بنزع رأس الطغيان من كرسيه، تبقى أمامنا أن نتحول بالمسار الثورى من مجرد إرادة إلى إدارة ترسم لنا خارطة طريق نعبر بها الفجوة بين الواقع المتردى والمستقبل المنشود، وهو ما يطلق عليه علماء الإدارة اسم «إدارة التغيير» التى هى عملية شديدة التنظيم تحتاج إلى خطة زمنية وقرارات مدروسة ودراسة واعية للتاريخ وصبر على النتائج وتفهم لكلفة القرارات؛ لذا صار من وجهة نظرى إلقاء الضوء على عملية صناعة القرار السياسى فى العهد المدنى من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم من بداية تكوين الدولة الإسلامية وحتى بلغت أقصى ازدهار ممكن لها فى عهد الخلفاء الراشدين حاجة ملحة يُستفاد بها على نطاقٍ واسع سواء لفض إشكالية علاقة الإسلام بسياسة الدولة؛ أو لدراسة قرارات كان لها تأثير بالغ على البشرية كلها نستفيد منها فى سياق إدارتنا للتغيير.
فنحن ننتمى إلى أمة أذهلت العالم يوما من الدهر بصورة الدولة متكاملة الأركان فى الوقت الذى كان فيه تقديس الحكام صناعة شيطانية وتقليدا لا إنسانيا توارثته البشرية كابرا عن كابر حتى أتت عليه الشريعة الإسلامية من قواعده فنسفته نسفا؛ ففى الوقت الذى ما كانت الدنيا تسمع فيه بغير الأكاسرة والقياصرة والأباطرة؛ كان أبوبكر الصديق يفرق بين كونه ثانى اثنين فى الغار ينزل بشأنه وحى قرآنى وبين كونه مسؤولاً سياسياً يصيب ويخطئ؛ فيقول فى خطاب توليه: «فإن أحسنت فأعينونى؛ وإن أسأت فقومونى»؛ ووقفت الدنيا مشدوهة تنصت لخطاب «ربعى بن عامر» وأصحابه طلائع الفتح الإسلامى فى وجه «رستم» ممثل الديكتاتورية الفارسية؛ يوم قال له: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله».
وكتب تراثنا تزخر بمئات بل ألوف الأمثلة توضح كيفية صناعة القرار فى الدولة الإسلامية على كل المستويات من الحرب والمعاهدة والتحالف ومعايير اختيار القادة العسكريين والسياسيين وآليات الإدارة، وكذلك آليات حل الخلاف الذى ينشب بين القيادات؛ وإدارة الكوارث والأزمات.. هذا بخلاف الملامح السياسية للحكم فى هذه الحقبة التى شهدت «ديناميكية» وتطورا غير مسبوقين مع حفاظها على الركائز الرئيسية التى أشرنا إليها من قبل؛ ومن ذلك مجلس الشورى «مجلس الستة» وأسلوب اختيار الحكام والولاة والقضاة، التعامل بين الحاكم والمحكوم، صور المعارضة أثناء حكم الخلافة الراشدة وكيف كانت مرشدة لخدمة الدولة.. التوازن بين سياسة السوق الحر وتحقيق العدالة الاجتماعية، إدارة ولايات الدولة بين المركزية واللامركزية وتطبيق العدالة الانتقالية فى الولايات المفتوحة؛ هذا إلى جانب تجليات مفهوم المواطنة التى بدأت بوثيقة المدينة وتطورت لاسيما مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلى دخول الكثير من الفئات غير العربية فى دواوين الوزارة وتقلدهم مناصب عليا فى الدولة على أساس معيار الكفاءة وحدها دون النظر لانتماء عرقى أو «إثنى».. وللحديث تتمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق