الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

رمضان ومعاني الإحسان 4 - الوطن - 2 أغسطس 2012

قارب شهر رمضان على الانتهاء، وما زالت رحلتنا دائرة فى فلك (الإحسان) تأبى أن تغادره حتى تفرغ من التطواف بكل معانيه، لنحقق الشرط الذى تعاهدنا عليه منذ البداية: (أن تمتد مساحة التعلم لتؤثر على سلوكك بعد رمضان ليصبح الإحسان عادةً ووصفاً ملازماً لك أينما حللت، إذ إن علماء النفس يؤكدون قدرة الإنسان على التخلص من عادةٍ سيئة أو اكتساب أخرى جيدة إذا ما تكلف المواظبة على فعلها أو الإمساك عنها لمدة واحدٍ وعشرين يوماً متتالية.. فما بالك بثلاثين؟).. وقد كان الإحسان إلى الناس هو آخر معنى وقفنا عنده.
وذات أحاديث الصيام التى لا يجهلها منَّا أحد هى محور حديثنا المتجدد، لكن المثير للدهشة أنها تحوى أبعاداً مختلفة تبهرك كلما طالعتها من زاويةٍ مختلفة، فمن منَّا مثلاً ليس فقط يحفظ، بل يتبارى فى تحقيق حديث النبى (صلى الله عليه وسلم): «من فطر صائما كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شىء»؟.. الحديث الذى يدرب النفس البشرية على بذل الإحسان للناس فى واحد من أرقى صوره وأفضلها، فالذى يدعوك إلى طعامِ إفطارٍ قد أعده متحمس إلى أقصى درجة لنيل هذا الثواب سهل المنال، والمدعو للإفطار متحمسٌ بدوره لا يجد فى ذلك تقليلاً لمروءته لعلمه أن ذلك لا ينتقص من ثوابه شيئاً، فالإحسان بين الطرفين متبادلٌ، إذن فقراء كانوا أو أغنياء، أصدقاء أم فرقاء.. والحق أنه تدريبٌ عملى لما سبق وأن حضّ عليه النبى (صلى الله عليه وسلم) فى أول أحاديثه بالمدينة: (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام).
ويتكرر الحث على (إطعام الطعام) كصورةٍ من صور الإحسان فى نهاية الشهر الكريم، لكن بصورة التكافل الاجتماعى الإلزامى هذه المرة، وذلك حين فرضت الشريعة على المسلمين إخراج (زكاة الفطر) تطهيراً لصيامهم مما قد شابه، ولا ريب من أوجه التقصير والتفريط، وهى فى هذا قد عمدت أن تشير إلى الإحسان للفقراء تحديداً، وقبل مناسبة يتهيأ فيها الجميع للاحتفال والابتهاج بيوم فطرهم، لعل ذلك أن يحدث الأثر المطلوب فى ترابط المجتمع وتماسك بنيانه، بغرس الإحسان إلى الفقراء فى نفس كل ميسور الحال.
أما قوله (صلى الله عليه وسلم): «الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل» فنوعٌ آخر من تهيئة النفوس وإعدادها لأقصى درجات الأدب وحسن الأخلاق مع الناس، فهو أولاً (صلى الله عليه وسلم) قد عمد إلى النهى عن التلفظ بالفاحش والردىء من الكلام (الرفث) والذى يشمل كل أنواع السباب والشتيمة والسخرية من الآخرين والغمز واللمز والكذب والغيبة والنميمة، ونهى عن الابتداء بالجهل على الناس أى التطاول عليهم بسفهٍ غير مبرر فى قوله: (ولا يجهل) وزاد على ذلك (صلى الله عليه وسلم) أن يمتنع الصائم عن رد الجهل والتطاول عليه بمثله: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى امرؤ صائم» وهو ما يُعد تمريناً عملياً متكرراً على اكتساب صفة (الحلم).
(وإنى لمشتاق إلى ظل صاحب.. يرق ويصفو إن كدرت عليه)
.. وللحديث تتمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق