الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

التحرش الجنسي.. الردع أولاً 2 - الوطن - 27 أغسطس 2012

ذكرنا أن إيقاف الجريمة من باب درء المفاسد ينبغى أن يكون شعلنا الشاغل فى المقام الأول ونحن نعالج قضية مجتمعية بالغة الخطورة كالتحرش الجنسى، وكانت أغلب اقتراحاتكم لإيقاف الجريمة تدور حول: داعية نابه يوجه، وتواجد أمنى يُكثف، ويقظة شعبية تتقد؛ وقانون صارم يردع، وإعلام شريف يوعى.. والداعية النابه كان أول أركان الحل التى آوينا إليها.
أغلب المتحرشين إما مراهق أو لم يبلغ الحلم بعد؛ قصرت بيوتهم عن تنشئتهم على خوف الله واتقاء سخطه، يحتاجون لمن يعلمهم قول النبى صلى الله عليه وسلم «لأن يطعن فى رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، ليستشعروا فداحة الجرم الذى يعتبره أكثرهم اكتمال رجولة، يحتاجون لمن يشعرهم أن الله سبحانه حليم يصبر على الإساءة لكنه ليس بغافلٍ عما يعمل الظالمون.
والدعوة إلى ترك رذيلة التحرش الجنسى هى التى ستثمر يقظة شعبية متقدة، هى التى ستنفخ روح النخوة فى أوساط المجتمع المصرى، ليستشعر (أولاد البلد) من جديد أى عارٍ يغرقون فيه حتى الآذان حين تُنتهك حرمة امرأةٍ أمام أعينهم دون أن يكفوا المتحرش بها عن فعلته الشنعاء؛ وتأمل معى ماذا لو انتشر بين هؤلاء الذين يرون بأعينهم وقائع تحرشٍ سافرة ثم لا يحركون ساكناً أن الله سبحانه يغار، وغيرة الله أن تُنتهك محارمه؟ ماذا لو أدركوا أنهم مشاركون فى هذه الجريمة النكراء بسكوتهم عن استباحة أعراض النساء؟
أليس منكم رجال راشدون يلقون القبض على هؤلاء كما يُفعل مع أى لصٍّ أثيم ويقتادونهم إلى أقسام الشرطة؟ بالمناسبة، تذكرت خبراً قرأته فى بداية عام ٢٠١٠ أن د. أحمد درويش وزير التنمية الإدارية وقتئذٍ رأى أحد مجندى الشرطة يتحرش بفتاةٍ فى وضح النهار، فما كان منه إلا أن اصطحبه معه حتى سلمه لقسم الشرطة؛ بالتأكيد وضعه يختلف عن آحاد الناس، لكنه لم يتردد فى أداء واجبٍ ما أملاه عليه إلا فطرته ودينه؛ وحين يأتى الدور فى تحليلنا على التواجد الأمنى؛ سنوضح العلاقة المطلوبة بين المجتمع ورجال الشرطة لكفِّ هذه الظاهرة، كما سنوضح أن التعامل الشرطى نفسه مع المتحرش لا بد أن يتغير بالكلية ليثمر الردع المطلوب؛ لا ليجعله أكثر جرأة على انتهاك حرمات المجتمع.
الدعوة إلى ترك الرذائل والمستقبحات ميزت هذه الأمة بخيريةٍ استمدتها من تشربها لمعانى التناصح والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى الوقت الذى هلكت فيه مجتمعاتٌ أخرى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن منكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)؛ لذلك أرى أن هذا أمرٌ لا يقتصر على أحدٍ بعينه، فالكل يدخل تحت قول النبى صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عنى ولو آية»؛ بل يدخل فيه كل عاقلٍ قادرٍ على نشر الوعى فى ربوع المجتمع، تدخل فيه الشركات والمؤسسات الوطنية بنصيب من مسئوليتها الاجتماعية «social responsibility» فى صورة حملات توعيةٍ فى الشوارع والمنتديات غنيها وفقيرها، بالمطبوعات وبالملصقات، بالندوات والمؤتمرات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق