الاثنين، 3 سبتمبر، 2012

التحرش الجنسي.. الردع اولاً 1 - الوطن - 23 أغسطس 2012

دائماً ما كنت أستشعر اشمئزازاً لا يُوصفُ كلما وقعت عيناى على ذكر «التحرش الجنسى»، وكنت على يقينٍ تام أن «المتحرش» شخصٌ قد انتكست فطرته إلى حدٍ يستوجب إعادة تأهيله «إنسانياً» قبل أن يستوعبه المجتمع فى صفوفه مرةً أخرى.. غير أن هذا الاشمئزاز انقلب ذهولاً عاتياً لمّا تعدت هذه الجريمة حاجز الانحطاط السلوكى الفردى لأسمع عن «التحرش الجنسى الجماعى»، ثم انقلب الذهول بدوره فأصبح مرارةً لا حد لها حينما رأيت صور بعض «المتحرشين» التى نشرتها الصحف تكشف عن هوية صِبية بعضهم مراهق وبعضهم لم يبلغ الحلم بعد.. ثم تحولت المرارة غضباً عارماً لمّا رأيت «مجتمعاً» إما غافلاً لا يُحرك ساكناً، وإما عاجزاً لا يردع مجرماً، وكلاهما يكفى لوصف خللٍ واضحٍ فى منظومة القيم وشرخٍ ظاهرٍ فى بنيان الهوية المصرية، فكيف بمن تلاشت من قلبه آخر أمارات النخوة والرجولة فيشجع المتحرش على فعلته بقوله «يستاهلوا»؟!
أتفهم تماماً أن الحل لا يمكن أن يقدم فى مقالٍ أو حتى سلسلة من المقالات؛ إذ إن حجم المشكلة أكبر من أن يدلى فيه عقلٌ واحدٌ بدلوه، لكنه الجهد المتكامل للدعاة والعلماء والتربويين والكتاب والإعلاميين والقانونيين الذى سيصل بنا حتماً إلى بر الأمان، بل وأنا أيضاً شديد الاقتناع أن التحليل العميق لدوافع هذا السلوك الإجرامى سيساعدنا بشكلٍ تلقائيٍ على ابتكار الحلول قصيرة وبعيدة المدى على السواء.. لكن الواجب الشرعى والمنطقى يقتضى أن نسعى فوراً للأخذ على يد المعتدى لوقف «المفسدة» ابتداءً؛ لأنه وبغض النظر عن الحالة النفسية التى سيطرت على المتحرش وزينت له قبح فعله، أو العوامل الاقتصادية والاجتماعية التى سنعرض لها بالتفصيل، فإننا أمام جريمة مكتملة الأركان تتكرر بشكلٍ يومى فى شوارعنا ومواصلاتنا العامة وجامعاتنا، لن يفلح فى مواجهتها قلم مرتعش أو أنفة من الاعتراف بالتقصير أو دورانٌ فى فلك تحليلٍ سطحى؛ فوجهة نظرى أن يدور الحل على محور تحقيق نظرية الردع أولاً من باب رفع الضرر الذى أُمرنا به فى حديث «لا ضرر ولا ضرار».
وبالمناسبة فإن أغلب ما تخطه يمينى فى هذه المقالات ليس إلا نسجاً لمجموعةٍ من الحلول وردتنى عن طريق اقتراحات زوار موقعى على الـtwitter فى تجربةٍ استفدت منها كثيراً، وشركائى فيها هم قراء أخلصوا وتفاعلوا فأبدعوا.. ودارت أغلب اقتراحاتهم لإيقاف الجريمة أولاً حول: داعية نابه يوجه، ووجود أمنى يُكثف، ويقظة شعبية تتقد، وقانون صارم يردع، وإعلام شريف يوعى.. ببساطة كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته.
أمّا الداعية النابه فهو ذلك الذى يتلقف الشباب من على النواصى وفى المنتديات يبصرهم أن الله سبحانه قد حرم الأعراض كما حرم الدماء والأموال، وخطب بذلك الرسول، صلى الله عليه وسلم، فى آخر حياته: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب». يدفعهم إلى التخوف من وقوع الجرم نفسه مع أقرب الناس لهم كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع الشاب الذى طلب منه الإذن بالزنا: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟».. الحديث، فلعل ذلك أن يحدث الأثر المطلوب فى نفس شابٍ تحلل من كل قيود الحياء بتخويفه من قانون «افعل ما شئت كما تدين تدان».. وللحديث تتمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق