السبت، 31 مارس، 2012

إدارة التغيير

يمكننا القول بأن ثورة يناير مثلت أقصى درجات التعبير عن «إرادة التغيير»، فبعد ما بلغ السيل الزبى وطاش صواب أكثر الناس حلما من جراء تراكم الظلم والقهر، صار التغيير فى ضمائر الكثيرين ضرورة حتمية، ينتظرون فقط اللحظة المواتية للإعلان عنه، ثم لما تمَّ المراد بنزع رأس الطغيان من كرسيه، تبقى أمامنا أن نتحول بالمسار الثورى من مجرد إرادة إلى إدارة ترسم لنا خارطة طريق نعبر بها الفجوة بين الواقع المتردى والمستقبل المنشود، وهو ما يطلق عليه علماء الإدارة اسم «إدارة التغيير».
وإدارة التغيير هى عملية شديدة التنظيم تحتاج إلى خطة زمنية وقرارات مدروسة وصبر على النتائج وتفهم لكلفة القرارات، هذا لو كنا ننشد تغييراً جذرياً يتناول أصل المشاكل المزمنة بالتحليل، ومن ثم إيجاد الحلول على المدى القريب والبعيد، أما التغييرالظاهرى فضرب من العبث لن يخرج بنا من التيه أبداً.
الدعوة إلى العصيان المدنى مثلاً نوع من ذلك العبث تصل إلى حد الممارسات الصبيانية، إذ يفتقد الداعون إليه التمييز بين وقت يصلح للتعبير عن إرادة التغيير ووقت آخر تتوجه فيه الجهود إلى إدارة التغيير.. فالحق أن مصر الآن فى منتصف الطريق بين إرادة التغيير وإدارته، واستطاعت أن تمسك بطرف خيط حينما خرج مجلس الشعب للنور ويليه على نفس المسار مجلس الشورى وانتهاءً بانتخابات الرئاسة، وكلها خطوات المنصف العاقل يمكنه أن يرى فيها بكل وضوح أن ثمة تغييراً حقيقياً قد ظفرنا به عقب عامٍ كامل من ثورتنا اللاهبة، ومهما بدا طفيفاً ذلكم التغيير فإن عزائم الرجال مضافة إلى تخطيط بعيد المدى وفهمٍ عميق للواقع ومن قبل ذلك كله استعانة حقيقية بالمولى عز وجل ستأخذ هذا التغيير إلى تحقيق النتائج المرجوة.
وليست هذه الممارسات بأخوف ما أخافه الآن، إنما الخطر الحقيقى يكمن فى اشتداد وطأة «الفوضويين» على كل ما يحمل رائحة التعقل ولو من مكانٍ بعيد، والاستهزاء بكل من تكلم عن الاستقرار والمؤسساتية ونعته بالجبن والتخاذل عن نصرة مزعومة للثورة، ومن ثم الهزيمة النفسية التى صرت أرى بعض ملامحها مرتسمة على وجوه العقلاء بغير مبررٍ، اللهم إلا خوفهم من الصوت العالى.
نعم يتفق العقلاءُ كلهم على حتمية خروج المجلس العسكرى من المشهد السياسى بأسرع صورةٍ ممكنة، لأسبابٍ عدة على رأسها هاجس تكرار مأساة العام ١٩٥٤ بكل مرارتها، لكن العقلاء أيضاً يعلمون أن هذا الخروج إذا لم يأتِ بالصورة المنتظمة التدريجية التى اتفقنا على وصفها بإدارة التغيير فإن النتائج العكسية هى التى تنتظرنا بلا ريب.. وأعلم أن كارثة بورسعيد ومن قبلها مذابح أخرى قد أججت مشاعرنا وألهبت نفوسنا إلى أقصى حد، لكن بديهيات إدارة التغيير التى تكلمنا عنها تشير إلى ضرورة اتخاذ القرارت بمعزلٍ تامٍ عن تأثير العاطفة أياً كانت خطورة الموقف ودقته. وبالمناسبة حتى الثورة نفسها لو خضعت للمقاييس العاطفية فقط ونحّت العقل جانباً لوسع مبارك أن يغتال أحلامها من اليوم الأول وإلا فكلنا يذكر كيف حاول استدرار عطف عامة الشعب عليه ببيانٍ تلو آخر، فى الوقت الذى كان صوت العقل يهتف بنا أن نستكمل الطريق إلى النهاية لأن الطاغية لو تمكن من التقاط أنفاسه فما كان ليرحم أحداً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق