الأحد، 27 نوفمبر، 2011

المندوب السامي!

انتابني شعور غريب بأنه لن يكون ثمة َكبير فارق ٍ من حيث المبدأ بين طرح وثيقة (السلمي ) في حقبة ما بعد الثورة ، وبين نفس الوثيقة لو كان قرأها علينا (المندوب السامي) إبان فترة رزوح مصر تحت الوصاية البريطانية ، ففي الحالتين كلتيهما لا يطلب منا إلا أن نسمع ونطيع بغير مناقشة ، وإلا فالدبابات البريطانية ستحاصر قصر الملك في حالة ( المندوب السامي ) ، ولا ندري بعد ما الذي ينتظرنا من الويل و الثبور وعظائم الأمور في حالة ( السلمي)!
لذا فأنا أجزم أن أن عقلية (المندوب السامي )البريطاني كانت مسيطرة ًبشدة علي نفس وفكر من خط بيمينه وثيقة (السلمي) التي اصطُلِح شعبيا ًعلي تسميتها ب(وثيقة العار)، في محاولة يائسة لإستحضار روح (ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) الفرعونية العتيدة ، التي تأنف أن يشارك الرعية في صنع القرار أو إبداء الرأي.
ولأن النخبة التي أتحفتنا بالوثيقة ما آنست بعد من الشعب المصري رشداً ، ولأنها تعتبره غير قادر علي تحيد مصيره بنفسه، لذا تبذل الآن وسعها في إقناع الشعب المصري أنه حيران استهواه الإسلاميون وضللوه، ووحدها النخبة الليبرالية المزعومة هي التي تدعوه إلي الهدي ائتنا .
فإذا ما تجشمت العناء ياسيدي الفاضل واستعنت بالله وبدأت في مطالعة بنود الوثيقة كي لا تتهمك النخبة بانك ظلامي هلامي انهدامي...إلي آخر ما هنالك ، لتقلصت أمعاؤك من فورها ، وأنت تستعرض ستة مواد كاملة تحذرك أن تفكر مجرد التفكير في تعديل أو مناقشة ،أو- لا سمح الله - المطالبة بعد ذلك بإلغاء هذه الوثيقة المقدسة ، لا أنت و لا أحفادك ..أطال الله في عمرك!
ثم تُفجع بموادٍ تصنع من المجلس العسكري إلها ً فوق المحاسبة ،إذا قضي أمرا ًفينبغي علي الجميع السمع و الطاعة بغير مناقشة ٍ أو تفكير.
تعلمُ كم دأب الليبراليون علي إمطارنا صباح مساء بكلمات الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان - وهم يعلمون قبل غيرهم أن الإسلام احتوي كل ذلك وزاد عليه – فتُبهت أن وثيقة السلمي ناضحة ٌ بكل ما يخالف الحرية و الديمقراطية التي صدعوا بها رؤوسنا مخالفة ًصارخة ، بل تشبعها قتلا ً، ثم يملأون الدنيا بعد ذلك ضجيجا ً يحكون للناس كيف أن الإسلاميين لا يريدون التفاوض ولا يفهمون لغة الحوار!
ولكي تصبح المسألة أكثر إقناعا ًلرجل الشارع البسيط المغلوب علي أمره ،كان ينبغي أن تعترض بعض الأحزاب و التيارات علي مواد تقديس المجلس العسكري ، وبعد طول إلحاح في وسائل الإعلام يرضي (المندوب السامي) ...آ .. آسف أقصد د .السلمي بالنزول علي رغبة الجماهير ، طبعا ً من منطلق أن من تواضع لله رفعه ، وأن الإعتراف بالحق فضيلة ، ومن ثم تختفي المادة المثيرة للجدل التي عُلم ابتداء ًأنها ستغير، ليتبقي أمام الناس أن الإسلاميين ليس لديهم مبرر هذه المرة ولابد أن يقبلوا بالبنود المعدلة أذلة ًوهم صاغرون!
خبث ٌ أري استحالة أن يكون صناعة ًمصرية ًخالصة ً!! ربما التعبئة و التجميع وقطع الغيار ...إنما ثمة توليفة شيطانية من الخبث بالنكهة الأوروبية والمذاق الأمريكي الفريد تطغي علي الوثيقة من قمة رأسها وحتي أخمص قدميها.
لكن المكر السيئ لا يحيق في النهاية إلا بأهله ، وعلي الباغي تدور الدوائر، و توفيق الله سبحانه مع ضبط النفس وحساب الخطوات سيكون عاملا ًحاسما ًبلا شك في نهاية المطاف .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق