الاثنين، 3 سبتمبر 2012

الشرعية المصطنعة - اليوم السابع - 23 يونيو 2012

ثمة فارق هائل بين شرعية «مكتسبة» وأخرى «مصطنعة»، فالأولى تمثل نتاجاً طبيعياً لحقٍ واضح لا يمارى فيه أحد، أو لإجماع شعبيٍ أو حتى توافقٍ على أقل تقدير ويأتى تلقائياً بغير فرضٍ أو إكراه، ويعبر عن اقتناعٍ حقيقى لا يحتاج المرء بذل كبير جهدٍ ليشعر به، أما الشرعية «المصطنعة» فهى تلك التى دائماً ما يراهن أصحاب عقلية القهر ومنظرو منطق الاستبداد على قدرتهم أن يجعلوا منها نسخةً متطابقة من الشرعية الطبيعية المكتسبة مستعينين بتجييش ترسانةٍ ضخمة من أجهزة إعلام مزيفةٍ للحقائق، وكتابٍ ومفكرين وساسةٍ باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس، وقانونيين احترفوا تفصيل القوانين على مقاساتٍ بعينها... وقائمة طويلة تشمل للأسف أيضاً فقهاء سلاطين، ونجوم مجتمع وغيرهم، حتى تكتمل للصناعة أركانها.
ورغم دأب المجلس العسكرى على محاولة «اصطناع الشرعية» الذى كان ملاحظاً بشكلٍ كبير فى ما مضى، لكن خطواته المحمومة المتسرعة خلال أسبوعين اثنين فقط لاسيما مع أخريات عهده بالسلطة من ناحية الجدول الزمنى «النظرى» للفترة الانتقالية، لا يمكن أن يخطأها أحد.
حقيقة ً لست من أنصار أن ينقسم الناس إلى فريقين أحدهما يرى نظرية المؤامرة مكتملة الأركان مع كل خطوةٍ يخطوها فيبالغ فى تقدير حجم خصمه ومن ثم يترك الإحباط يفترسه افتراساً، والآخر يرفض بشدة افتراض أن ثمة مكر يحاك من خلف الأستار فينعكس ذلك عليه غفلة ً تورده المهالك، بل التوسط فى النظر للأمور هو أسلم منهجٍ للتحليل لاسيما فى الأوضاع بالغة الاضطراب التى نحياها.
ومن هذا الباب يسعنا القول إن ترتيب الأحداث وخروجها من جهةٍ محددة تتراوح بين المجلس العسكرى وبين بقايا منظومة العهد البائد، وفى أزمنةٍ متلاحقة يجعلنا أمام سياقٍ واحد يمكننا أن ننظم فيه الأحداث حلقاتٍ تقودنا إلى الخطوات التى انتهجت لاصطناع شرعية زائفة، ومن ثم يصبح من الصعب علينا أن ننتزع إحداها للحكم عليها بمعزلٍ عن باقى الحلقات.... فبدايةً كان الحكم التاريخى بين التناقض فى قضية قتل المتظاهرين، وأعقبه فى ظرفٍ مشبوه قانون الضبطية القضائية الذى جعل الشعب المصرى كله رهن الاعتقال فى أى لحظةٍ، ثم الحكم بحلِ البرلمان وطباعة الحكم ونشره والعمل به فى ساعاتٍ معدودات ٍ تأكيداً على كونه حكماً دُبر بليلٍ، وأعقب ذلك إصدار إعلانٍ دستورى لا شرعى من قبل المجلس العسكرى يمثل أقصى درجات اصطناع الشرعية التى أشرت إليها آنفاً، وأخيراً سلوك اللجنة العليا للانتخابات المثير للريبة بتأخيرها إعلان النتائج أسبوعاً كاملاً بعد تأكيد أكثر من جهةٍ محايدة ٍعلى أحقية د مرسى بالفوز، فيصبح أمراً طبيعياً غير مستهجن أن تساور الشعب المصرى الشكوك حيال التأخير غير المبرر لإعلان النتائج الرسمية من منطلق كاد المريب أن يقول خذونى.
أما الشرعية الحقيقية التى اكتسبتها الثورة بتأييد جماهير الشعب المصرى لها والتى انصبغت بها بعد ذلك المؤسسات التشريعية، فلم تستمد من دستور فقد شرعيته بثورة الناس على نظامٍ وضعه، ولم تستمد من إجراءاتٍ قانونية يسهل على المحامى الحاذق البحث عن ثغراتها، ولم تستمد بقرارت أو تعيينات أو بيانات.. شرعية أتت من طريق دماء الشهداء وآلام الجرحى وأنات شعبٍ كريم ذاق صنوف الذل عقوداً بين قتلٍ جماعى وتعذيبٍ ومتاجرةٍ بقوته حتى بلغ منه الغضب مبلغه.. شرعيةٌ أتت من وقوفٍ فى وجه الظالم حتى انتزع منه الحق انتزاعاً.
الشرعية لا تُصنع، لا تباع، لا توهب.. فقط تُكتسب.

على من ثرنا إذن؟ - اليوم السابع - 16 يونيو 2012

على من ثرنا إذن طالما كان النظام السابق يُعاد استنساخه بكل أركانه ورموزه، بل وخطاياه؟ على من ثرنا إذن، ونحن نسمع دوى آلة إعلام النظام القديم يكاد يصم الآذان، آلة تعمل بكامل طاقتها لتزييف وعى الشعب.. نفس الآلة الإعلامية التى تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، حتى كلمة الرئيس المخلوع ما عدنا نسمعها إلا فيما ندر ليحل محلها بسماجة منقطعة النظير الرئيس السابق، وكأنه لا يقبع الآن فى محبسه كسيراً ذليلاً.

وأزعم أنه لولا بقايا من ورق توتٍ تستر السوءات لصكت مسامعنا جملة «بناء ًعلى توجيهات سيادة الرئيس» الشهيرة!!!! لكن، لا بأس، فقد استعاضت عنها بعض الصحف بمذكرات «فخامة» الرئيس السابق!!!! فظننت وأنا أطالعها -وبالطبع تجشمت عناءً كبيراً وأنا أفعل- أن توجيهات سيادته وآرائه مازالت تحوطنا برعايتها!!

نفس عبارات التهديد والوعيد التى كنا نسمعها من قبل، ويتضح لك بمرور الوقت أنها لا تختلف على مرَّ العصور... فمن عهد الفرعون إلى وقت الناس، هذا طالما كانت «عقلية القهر» هى المسيطرة على النظام الحاكم، وما أشد تشابه جملة «أنا أو الفوضى» بسابقتها «إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد».

على من ثرنا إذن... إذا كان «شفيق» شاهداً و«البلتاجى» متهماً فى موقعة الجمل.. وأىُ عبثٍ مخيف هذا الذى يقلب الضحية جلاداً والقاتل بريئاً والواقع، وهماً فى نفسٍ واحد؟ فإذا كانت أصابع الاتهام الآن تشير ببجاحةٍ غير مسبوقة إلى الإخوان، فهل هذه إرهاصاتٌ يمكن أن نستقرئ من خلالها بوضوحٍ تام ملامح الحكم البوليسى القادم فى نسخته الجديدة؟.. تلفيق قضايا، طمس أدلة، شراء ضمائر، تزييف وعى.. وقائمة ٌ سوداء طويلة لن أكون بأبرع فى سردها ومعرفة خباياها من زبانية أمن الدولة... أمن الدولة الذى يعود مكشراً عن أنيابه وتعلو وجهه ابتسامة شماتةٍ مقيتة، شماتة من عاد لينتقم من شعبٍ بأكمله.. لاسيما وكبيرهم الذى علمهم قواعد الفساد قد خرج إليهم معاف فى بدنه آمناً فى قصره شامتاً فى ثورة بلده!
لماذا ثرنا إذن؟ وقد تبين بعد عامٍ ونصف العام أن كل مكتسبات الثورة -إن كانت هنالك مكتسبات أصلا- أصبحت أثراً بعد عين.. مجلسٌ تشريعىُ مكبل الخطوات، مهدد بالحل منذ يومه الأول، تحاصره أزماتٌ متراكبة بعضها فوق بعض، ثم أريد له يوم الخميس الماضى أن يكون مثالاً يتندر به، كيف أن هذا الشعب لما ظن يوماً أن له الحق فى اختيار من يمثله ويدافع عن حقوقه، استفاق من حلمه الجميل على واقعٍ أليمٍ مرير.

الحيادية والبعد عن التمييز بين المتقاضين هى أبرز سمات القضاء العادل، ومن ثم فإن ابتعاده عن أى تصنيفٍ هو الضمانة الرئيسية لاستمرار حياديته.. هذا المنطق أتى عليه من قواعده المستشار الزند الأسبوع الماضى، فخَّر السقف على رؤوسنا أو كاد، وتوجسنا شراً من القادم... لكن أحداً لم يتخيل أن يكون السيناريو بهذا السوء!

ومن ذا الذي ينتظر حكمًا ؟ - اليوم السابع - 6 يونيو 2012

رُكامٌ هائلٌ من الإحباط تزدحم داخله ركاكة الألفاظ مع اللحن فى أبسط قواعد العربية ويضاف إليهما مخالفة بدهيات المنطق السليم، ناهيك عن «عُجمة» فى التعامل مع آياتِ قرآن ٍشهيرة يتداولها القاصى والدانى.. وعلى قمة ذلك كله تخفق راية الظلم البين.. صورةٌ على الرغم من قتامتها، تُلخص ما ظفر به المصريون من خيبة أمل بعد انقضاءِ عامٍ ونصف العام من الثورة كنا نسلى خلالها أنفسنا أن يوماً مشهوداً تقتصُّ فيه الضحية من جلادها آتٍ لا ريب.

ولكى أكون منصفاً فلن أنسب الفضل كل الفضل للحكم «التاريخى» وحده، بل الحق أنه قد سبقه جهدٌ منظم ٌ وسياسةٌ واضحة المعالم تعاور على تنفيذها قنوات ٌ فضائية وصحف ومفكرون وسياسيون ومجالس وهيئات.. كلهم ما قصَّر مشكوراً فى تهيئة المناخ المناسب لاغتيال الثورة بهدوء، بعد دسِّ كمية المخدر المناسبة لتمنع حالة هيجان «الأدرينالين» الشعبى.

سياسيون ومفكرون روجوا علينا ولاءً مزعوماً للثورة، وقنواتٌ فضائية حسبها المصريون بإحسان ظنٍ أنها والثورة جسد واحد، وهم فى الحقيقة كانوا يقومون بواجبهم فى تزييف الوعى الشعبى على أكمل وجه، وبلغ خداعهم مبلغه أثناء معترك الانتخابات الرئاسية فأوهمونا انتهاجهم الحياد ووقوفهم مذبذبين بين المتنافسين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. ثم لمَّا حصحص الحق واستلزمت الأمور مواقف محددة وما عاد إلا خندقان واحدٌ للثورة والآخر لأعدائها، إذا فريقٌ منهم يسفر عن وجهه القبيح ويجاهر بعداوته، وفريقٌ آخر لازال مصراً على سياسة التهوك وإمساك العصا من المنتصف فى وقتٍ يتطلب شجاعة الحسم وإن أورثتك نقمة الناقمين.. جميلٌ جداً أن تتساقط الأقنعة الآن كأوراق الخريف لتستبين سبيل ُالذين يتاجرون بدماء الشهداء وآهات الثكالى، فيحيا من حى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
ومن عجيب الأمر أننا لو بذلنا الغالى والنفيس وعصرنا أذهاننا واستفرغنا وسعنا بحثاً عن فكرةٍ ننفخ بها الروح فى جسد الثورة الغافى، ما كنَّا لنصل أبداً لنفس النتيجة «المبهرة» التى وصلت إليها محاكمة مبارك وأعوانه.. فلعمر الله قد استثار هذا الحكم حفيظة المصريين وألهب حماسهم ووحد صفوفهم بأكثر مما تفعل عشرات الخطب العصماء ومئات الاجتماعات وآلاف المقالات.. لحظة فريدة يتحرر فيها زبانية «أمن الدولة» من قبضة العدالة لعدم كفاية الأدلة، ولو أنصفنا لكان «تواتر» الأخبار عن حياتهم الحافلة بالبطش والتعذيب والتنكيل قائماً مقام الأدلة المادية.. لحظة فريدة قد يكون فيها الحكم بإدانة من فاق أعتى مجرمى الحرب قسوةً ووحشية هو نفس الحكم الذى يحمل فى طياته براءته المتوقعة حال النقض.. لكنها مع كل ذلك ستبقى لحظة فريدة قد تكون فيها الركاكة لا الفصاحة، والعبث لا المنطق والظلم لا العدل مفاتيحَ حريتنا وخلاصنا.. ولله فى خلقه شؤون وتدابير.. أمَّا حكم النقض فمن ذا الذى ينتظره؟ قد فرغ الشعب من النظر فى قضيته ويتداول الحكم الآن فى ميادين التحرير المختلفة، وسيعلن حكمه هادراً مدوياً واجب النفاذ لا يقبل الأخذ والرد فضلاً عن الطعن.. سيعلنه فى مليونيات حاشدة واعتصاماتٍ متوالية لن تبرح الميادين هذه المرة حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً.

النور وأبو الفتوح..عن كثب - اليوم السابع - 29 مايو 2012

على الرغم من أنه فى أقل من أسبوعين اثنين يُتهم السلفيون فى أبوالفتوح من طريقين متنافرين وسببين متناقضين لا يجمع بينهما إلا قلة الإنصاف وغياب التثبت؛ إلا أن الأسطر المقبلة لم أسردها لتتكسر عليها سهامٌ أرادت نهش لحومنا فقط؛ وإنما صغتها تبياناً للحق ووفاءً لكل من حمل عبء الدعوة إلى مشروع الوطن؛ مشروع مصر القوية.. وربما تأتى أيضاً مفسرةً للحالة الإسلامية السياسية الراهنة ولو من بعيد.

لا أحب إضفاء صفة ملائكية على تيارٍ أنتسب إليه؛ وإنى لأرجو الله أن أحافظ ما حييت على إنصافٍ يمكننى من رد الباطل على صاحبه، وإن كان قريباً منى، وعلى قبول الحق من صاحبه، وإن كان بعيداً عنى؛ فإن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، ولن أطيل النفس فى إعادة الحديث عن الأشواط التى قطعناها والدراسات المستفيضة التى أعددناها والمناقشات المطولة التى خضنا غمارها حتى استقر بنا المقام عند تأييد د. أبوالفتوح عن قناعةٍ تامة وبعد ممارسةٍ شورية راقية، فلقد ذكرت من تفاصيل ذلك سابقاً ما أظنه يكفى.. لكنى سأتوقف عند كم ِّالبذاءات التى جُرحت بها ذواتنا وهيئاتنا من بنى جلدتنا أولاً، ثم من تياراتٍ أخرى كان مجرد دعمنا لأبو الفتوح من وجهة نظرهم جريمة لا تغتفر لا بد وأن يحمل وزرها أحد الطرفين. فكان الاتهام وقتها جاهزاً: ما الذى وعدكم به أبوالفتوح؟
نكرر فى كل مناسبة أنه ما وعد بشىء وأن شيمنا تأبى علينا ذلك؛ فما يزيدوننا غير تجريحٍ.. تجريح ٌ نال أبوالفتوح منه حظاً وافراً؛ فتارة يصفونه بالمتطرف وتارةً بالمتلون الذى يخطب ود كل تيارٍ بما يروق له؛ إلى آخر سلسةٍ طويلة من افتراءات لا تعبر إلا عن عنصريةٍ حقيقية ورفضٍ لفصيلٍ وطنى كل ذنبه أنه مارس حقه السياسى فى اختيار من يراه الأنسب لقيادة البلاد.

إنما الاتهام الأشد علينا وطأة ً والأعظم نكايةً كان الاتهام الثانى بلا شك عقب الجولة الأولى مباشرة، وبغير ما يشعر أصاحبه ومطلقوه أنه يناقض الاتهام الأول.. لماذا خنتم أبوالفتوح؟
كيف نخونه وقد دعمه كل قيادات الصف الأول فيما تسنى لهم من مؤتمرات ٍبطول البلاد وعرضها.. أما كنا نخشى على أنفسنا من معرة أن ندعم مرشحاً بشكلٍ صورى ثم يفتضح أمرنا بعد ذلك؟ علماء النفس يتحدثون عن دوافع السلوك.. فهل من الناس رجلٌ رشيد يعطنا مبرراً واحداً يدفعنا لأن نسلك مع أبوالفتوح مسلك الخيانة؟ ما الذى سنجنيه من جراء ذلك وقد تجشمنا عناءً يفوق الوصف لإقناع قواعدنا الشعبية بخيارنا هذا؟

وعلى ذكر القواعد السلفية الشعبية نصل إلى بيت القصيد إذ إن المتابع للحالة السلفية يسهل عليه أن يفهم لمَ كانت حشود السلفيين أضخم فى حالة الانتخابات التشريعية من مثيلتها فى الرئاسة.. ذلكم أن القواعد السلفية ضخمة العدد بلغت أوج حماسها إبان الانتخابات التشريعية لعوامل كثيرة من أهمها أنها كانت تمثل بالنسبة للتيار السلفى أول تجربة سياسية يبحث فيها عن إثبات وجوده وتقديم مشروعه؛ وكان الهدف مدعوماً بضغط الأيديولوجية من أجل وضع دستورٍ يعبر عن هوية الوطن ذات الطابع الإسلامى.

أما فى حالة الرئاسة، فالأمر كان مختلفاً إلى حدٍ كبير، فمنذ اليوم الأول لطرح فكرة الرئاسة ونحن نسأل أنفسنا: هل تتحمل مصر رئيساً منتمياً للتيار الإسلامى؟ واستعرضنا فى سبيل ذلك تجارب كثيرين غيرنا خلال العقود المنصرمة ووازنَّا بين المصالح والمفاسد ورأينا أنه من المناسب أن يكتفى التيار الإسلامى بمكسبٍ غير مسبوق فى المجالس التشريعية وأن ينأى بنفسه عن خطورة تحمل مسؤولية الرأس التنفيذية فى هذا التوقيت شديد الخطورة؛ واخترنا أن ننهى حالة الاحتقان الموجودة بالشارع؛ لذا أردنا مديراً تتوافر فيه صفات القيادة ويحقق استقراراً للجميع نتمكن فيه من الوصول إلى عموم الناس بدعوتنا ومنهجنا أكثر وأكثر فى مناخٍ من الهدوء يسمح بوصول المعلومة سالمةً غير مشوهة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم «خلوا بينى وبين الناس».. لكن.. كثيرةٌ هى أعداد من لم يقرأ منذ البداية أننا لسنا بصدد اختيار خليفةٍ للمسلمين - العبارة التى مللت شخصياً من تكرارها - وأنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم؛ فإن عصر القائد الملهم المسدد؛ الذى تهرول الملايين من خلفه إذا ما عنَّ له الانطلاق يمنةً أو يسرة لهوى فى نفسه قد ولى بغير رجعة؛ لنبدأ حقبة من العمل المؤسسى؛ ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة على أساس مصالح وطنية عليا يسهم الرئيس فقط فى ابتكار ما يعينه على تحقيقها.. وهذا الصنف من الناس تحديداً أصابه من الفتور ما أصابه بعد اختيارنا هذا، ولاسيما بعد خروج مرشح الرئاسة الذى كان يعنى له من ناحية السمت على الأقل الصورة المجسمة لحلم الخلافة؛ وأقصد الشيخ حازم فى هذا المقام.

أضف إلى ذلك حملة شرسة غير مسبوقة للنيل من «ديانة» أبوالفتوح نفسه والترويج على بسطاء التيار السلفى أن قياداتهم باعت المنهج القويم بترشيحها من يُقدح فى التزامه وتخلت عن من هو أفضل منه؛ فكان أن ثبطت همم نصف التيار السلفى فلم يبرح بيته يومى الانتخاب أصلاً؛ أما النصف الآخر فما بين ملتزمٍ أدبياً بشورى حزبه ودعوته وآخر مجتهد يرى الصواب فى إعطائه صوته لمرشحٍ آخر.

سياسات الفارس النبيل - الأهرام - 26 مايو 2012


علي مدي يومين نشطت ذاكرتنا الوطنية لتستعيد مشهد الجموع الغفيرة مرتسمة أعتي أمارات العزم علي ملامحها‏,‏ مصممة علي صناعة قرارها بيدها‏..‏
مشهد يكفي وحده لبعث النشوة في عروق ملايين المصريين للمرة الثالثة خلال عام ونصف العام, النشوة التي لم يعرف المصريون لذتها إلا أياما معدودات علي مدي تاريخهم الطويل.
هذه النشوة مرشحة لأن تتضاعف عشرات المرات يوم يحصد المصريون ثمرة نضالهم وصبرهم ودماء أبنائهم رئيسا مدنيا منتخبا, اتصور أنه سيمثل في مخيلة الكثيرين فارسا نبيلا يحمل لواء الثورة بيسراه في الوقت الذي تطعن يمناه الفساد والفقر والجهل والمرض طعنات نافذة, علي أن صبغة النبل هذه ورغم كونها مستعارة من وصف عتيق للطبقة الارستقراطية الأوروبية الشهيرة, إلا فإنها في مثالنا تناقضها من كل جانب, لأن فارس المصريين لن يكون نبله مزيفا مصطعنا مستمدا من عراقة نسبه أو ثراء رفل فيه أو دماء زرقاء تجري في عروقه. بل سيكون نبلا حقيقيا مستمدا من اخلاصه لله سبحانه وتعالي يبتغي مرضاته ومن ثم يخلص لثورة فتية فيحقق أهدافها, ولشعب مكلوم فيداوي جراحه, ولشهيد مغدور فيأخذ بثأره.. والحق اقول إنه ليس كثيرا علي شعب تجرع العذاب صنوفا وألوانا ان يحلم بفارس دمائه كالشهيد حمراء اللون, لا زرقاء كدماء كل دكتاتوري متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
إلي هنا أقف ولا استطرد, مخافة أن يظن البعض بالأمنية الجميلة الظنونا, أو ينجرف فريق آخر من غير ان يشعر ليكرر مأساة القائد الملهم المفدي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, المأساة التي تبنت تجسيدها نفوس مريضة استخفها الطغاة فأطاعتهم وغالت في تقديسهم ضاربة بعرض الحائط نهي الشرع والعقل وقوانين الفطرة وقواعد المنطق...ويسعني هنا القول إنه بغض النظر عن هوية الرئيس القادم, فإن عصر القائد الملهم المسدد, الذي تهرول الملايين من خلفه إذا ما عن له الانطلاق يمنة أو يسرة لهوي في نفسه قد ولي بغير رجعة, لنبدأ حقبة من العمل المؤسسي, ينضبط فيه الخط العام لسياسة الدولة علي اساس مصالح وطنية عليا, يسهم الرئيس فقط في ابتكار مايعينه علي تحقيقها.
جملة لا بأس بها من الملامح العامة لسياسة الدولة يمكنك بقليل من العناء اكتشاف أنها تمثل أرضية مشتركة, أو علي أقل تقدير تحظي بتفهم حقيقي من جانب جميع تيارات العمل الوطني في تأريخ ما بعد الثورة سواء تلك المتعلقة بالجانب الاقتصادي أو الامني أو حتي شق السياسة الخارجية.
الجانب الاقتصادي وحده يكفي للتدليل علي ذلك إذا ما سلطنا الضوء علي بعض المبادئ العامة التي تحدد اطار النهضة الاقتصادية المرجوة, كالانطلاق نحو اقتصاد سوق حر يوفر مناخا جاذبا للاستثمار مادامت آلية العرض والطلب هي المحددة للسعر, ويمكن الاستدلال علي ذلك بحديث انس رضي الله عنه إذ يقول: غلا السعر علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم, فقالوا: يارسول الله سعر لنا, فقال: إن الله هو القابض والباسط المسعر الرزاق, وإني أرجو أن ألقي الله وليس أحدا منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال, والحديث واضح الدلالة عند جمهور الفقهاء علي تحرير السوق من أي تدخل محتمل للسلطة التنفيذية, وتبقي هذه النظرية صحيحة ما لم تجد علي الساحة ممارسة احتكارية تعكر الصفو, فإدا ما كان تم احتكار فالكل مجمع علي ضرورة التدخل لتصحيح خلل المعادلة وحديث: لايحتكر إلا خاطئ الذي يرويه معمر بن عبد الله جاهز للتدليل أيضا.
النهضة الاقتصادية المؤهلة عند الجميع لن تأخذ من الرأسمالية وحشيتها إذ تطحن الفقير طحنا لا هوادة فيه, وإنما تنحاز إلي الفقراء فتؤكد حتمية الحل الزكوي: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. وتذهب أبعد من ذلك حين تنظر إلي الفقراء نظرة تنموية تحولهم إلي طاقة إيجابية منتجة ومن ثم تدمجهم في التنمية الشاملة, ويكفي أن نسوق مثالا علي ذلك تشجيع ودعم المشاريع المتوسطة وتلك الصغيرة وحتي المتناهية في الصغر, ونحن مسبوقون في هذا المضمار بتجربة البرازيل الفريدة, أما الخلاف علي دعم السلع. فشكلي اصلا, لأن احدا لاينازع في مسئولية الدولة تجاه مواطنين يعانون شظف العيش, إنما التأكد من حصولهم علي الدعم يظل المشكلة الرئيسية التي تنتظر حلولا مبتكرة لحلها.

شورى السلفيين - اليوم السابع - 16 مايو 2012

إصرارنا على التحذير من خطر الغلو فى الأشخاص، أو الهيئات ينبع من رؤيتنا لضرورة النقد الموضوعى لكل من تصدى للعمل السياسى كضمانٍ لعدم انحرافه عن النهج السليم، تأسيسًا على قول أبى بكر «إن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى».

أقول إن هذا الإصرار يتوازن مع حرصنا الشديد على المحافظة على الكيانات الإسلامية الكبيرة التى تحملت عبء الدعوة الإسلامية على مدى عقود، وبذلت فى سبيل ذلك ما لا تنكره إلا عين حاقد.

ومن هذا الباب، فإن محاولات البعض للوقيعة بين السلفيين والإخوان اللذين يمثلان التيار الإسلامى فى مصر، فتنة ينبغى الحرص من الانجرار خلفها، لاسيما فى هذا التوقيت الحرج الذى اختار فيه كل فصيل- وفق آليات اجتهاده- من يراه الأنسب لقيادة مصر فى الفترة المقبلة.

ومن جملة «الإحن» التى تُلقى بذورها الآن فى قلوب أتباع الفريقين، إشاعة القول بأن أحد أهم أقطاب المدرسة السلفية، بل مؤسسها الأول فضيلة الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم، يجهر بتأييد مرشح آخر للرئاسة غير د. عبدالمنعم أبوالفتوح الذى أعلنت الدعوة السلفية دعمها الرسمى له.

والذى يعلم ما للدكتور محمد إسماعيل المقدم من مكانة كبيرة فى قلوب أبناء التيار الإسلامى على اختلاف مشاربهم، سيفهم خطورة هذا الادعاء فيما سيقتضيه من أثرٍ فى بلبلة الأفكار، وتضارب الآراء داخل التيار الواحد. وحقيقة، فإن ما قاله فضيلة د. محمد إسماعيل بنفسه قبل انعقاد مجلس شورى الدعوة السلفية كان نصه: «الرأى لكم، وصوت أقل واحد منكم كصوت أكبر واحد تماماً»، ومن بعد ذلك كانت أغلبية الأصوات مع ترشيح د. عبدالمنعم أبوالفتوح للرئاسة، فالبديهى أن يكون هذا هو خيار الشيخ المقدم- وقد كان بالفعل- وإلا فما معنى الشورى؟

وما كنت أحسب الأمر يحتاج لتوضيح، حتى سمعت بنفسى من يتحجج بآراء ما قبل التصويت، وكأنه يعلمها، وما هو إلا رجم بالغيب يقال لأصحابه هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وللأسف فإن هؤلاء حجتهم داحضة من وجوه متعددة؛ أبرزها مستمد من فعل النبى صلى الله عليه وسلم نفسه يوم «أُحد»، إذ كان يرى وقتها حتمية البقاء فى المدينة المنورة، والتترس بداخلها لمواجهة المشركين، فى الوقت الذى رأت فيه أغلبية الشباب ضرورة الخروج لملاقاتهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأى الشورى المخالف لرأيه، وخرج لملاقاة المشركين، فهل عاد بعد ذلك يلوم على رأى الأغلبية ويذكرهم بسابق رأيه؟
أما من جهة الواقع، فإننا لم نسأل مثلاً جماعة الإخوان المسلمين عن اثنين وخمسين عضواً من مجلس شورى الإخوان «رفضوا» فكرة نزول م. خيرت الشاطر، ومن بعده د. محمد مرسى الانتخابات، بل على العكس احترمنا قرار أغلبية الأصوات، وتعاملنا معه باعتباره رأى الجماعة كلها. وللعلم أعرف ثلاثة من كبار قيادات الإخوان مصرّين على أن أبوالفتوح هو الأفضل، وأن صوتهم لن يذهب إلا إليه، لكن المبادئ التى تربينا عليها تمنعنى من ذكر أسمائهم؛ فتفريق الصفوف ليس من شيمنا.

وإن تعجب فعجبٌ أن لا يزال هناك من يشكك فى اختيار حزب النور لدعم أبوالفتوح على أى أساس تمّ؛ وقد سبق لى أن نشرت فى صحيفة الأهرام مقالاً بعنوان «كيف صنعنا القرار؟»، وضحت فيه تفاصيل مرحلة الاختيار، بغض النظر عن نتيجة الشورى التى تلت هذه المرحلة، وفعل ذلك بأفضل مما كتبت فضيلة الشيخ ياسر برهامى أكثر من مرة، فكيف إلى الآن لا يستوعب البعض الأساس العلمى الذى اخترناه للحكم على مرشحى الرئاسة، ويصر على إلصاق التهم بنا زوراً وبهتاناً؟ فهل عصىٌّ على فهم من يزايد على قرارنا معنى وصفنا للدكتور أبوالفتوح بأنه الأنسب لهذه المرحلة؟

أما الطعن على د. عبدالمنعم أبوالفتوح بما لا أساس له من الصحة، والحكم على نيته بتسلط منقطع النظير، فأمر يدع الحليم منا حيران.. فكما قبلنا من د. محمد مرسى تراجعه عن تصريحات قالها وفهمت بشكل سيئ عنه، فكذلك فعل د. عبدالمنعم فى كل ما يمس الثوابت العقدية للأمة.. وقد أكدنا مرارًا أننا على ثوابتنا محافظون؛ ولن نداهن فيها أحداً.. ومن جديد أشدد على أن مصر بأسرها، وليس السلفيون أو الإخوان وحدهم، بصدد اختيار «مدير تنفيذى»، وليس خليفة للمسلمين؛ فالقصد فى تأييدنا للمرشحين، والبعد عن تقديسهم أو الغلو فيهم كان نهجنا ولا يزال.

"الهرْج" سيد الموقف - اليوم السابع - 5 مايو 2012

حينما يصبح «الهرْج» هو سيد الموقف فمن الضرورى أن نتوخى الحذر فى كلماتنا وتحركاتنا بل وحتى فى لحظنا وسكوننا، فالأمر ليس هيناً حينما يتعلق بدماءٍ معصومة تشتد حرمتها عند الله سبحانه لتتجاوز حرمة الكعبة نفسها؛ وإن الله يغار وغيرته أن تنتهك محارمه؛ والإسلام غرس فى نفوس أتباعه أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التى يتدين الإنسان بصونها فلا يبذلها إلا نصرةً لدينه أو دفعاً للأذى عن نفسه ووطنه وأهله وماله، وعلى ذلك فإن «الهرج» الذى أعنى، هو ما وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله فما هو؟ قال: «القتل القتل».

والذى يدفعنا إلى التأمل أكثر وأكثر واصطحاب وصف «الهرج» أثناء رؤيتنا لأحداث العباسية هو التوصيف النبوى الدقيق لحالة الهرج الملتبسة المنصبغة بلون الدم فى قوله صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده ليأتينَّ على الناس زمان لا يدرى القاتل فى أى شىء قَتل ولا يدرى المقتول على أى شىء قُتل».

أعلم يقيناً أن ثمة استدراج واضح قد تعرض له معتصمو التحرير فانخرطوا على أثره فى قتال شوارع للدفاع المشروع عن أنفسهم.. ونعم أصدق روايات من قال إن بلطجية قد تم تأجيرهم لبدء المذبحة؛ وافهم أن تعمداً قد بيت بليل لإلصاق كبر التهمة بالتيار الإسلامى؛ وأعى أن استهتاراً بالغاً بالدماء قد حدث من جانب الأمن فلم يتدخل لوقف نزيف الدماء.. لكن الذى أعتقده جازماً أن الشبهة هى أقل ما يوصف به هذا الاقتتال، وسميته اقتتالا لوقوع الضحايا من الجانبين.. اقتتال شبهة؛ يلتبس فيها الحل بالحرمة؛ يكفيك مروراً سريعاً على ألا يمكنك أن تغفل عن شهادات الناس من الطرفين لتعلم قدر الالتباس والغموض فى سير الأحداث، وأن القتل قد استحًَّر فى الطرفين، فما فرق بين معتصمى العباسية ومواطنيها؛ فبين قائلٍ أن الشرارة الأولى اندلعت من قبل اهل المنطقة بتعمدهم الاحتكاك بالمعتصمين فرد عليهم الآخرون سواءً بسواء، وزادوا على ذلك أن احتجزوا بعض من يشتبهون فى كونهم بلطجية مأجورين؛ وبين جازمٍ أن المعتصمين هم من تعمدوا استفزاز أهل المنطقة وضيقوا عليهم معاشهم، فما كان أمام السكان إلا الدفع عن أنفسهم بأنفسهم فى غيابٍ تامٍ من قوات الأمن النظامية شرطةً كانت أو جيش.

فإذا كان الشعب المصرى عن بكرة أبيه قد استقر فى ضميره أن عماد هذه الثورة ورأس مالها تمثل فى ترابط كل أطياف الشعب على هدفٍ واحدٍ من جهة وإصرارهم على سلمية وسائلهم من جهةٍ أخرى؛ وفى نفس الوقت قد تقرر عند كل العقلاء أن أذناب النظام السابق لن يهدأ لهم بال حتى يفسدوا علينا ثورتنا بزرع بذور الفوضى واتباع المنهج الإبليسى الخبيث «فرق تسد»؛ فإن فى سد الذرائع وغلق باب الفتن لفقه أصيل تلقاه الصحابة منذ نعومة أظفارهم فى حقل الدعوة الإسلامية ففهموا فى ضوء قول الله تعالى «وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» تفويت الفرصة على كل عدوٍ يتربص النيل بهم؛ وتلقفه المسلمون من بعدهم، فلا يسعنا إلا أن ننسج على نفس المنوال إذا كنا عازمين على استكمال طريق التحول على طريق العدالة الانتقالية.